رواية تاج في الظل - الفصل العشرون - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل العشرون

الفصل العشرون

ما بعد العهد: مع بزوغ الفجر فوق أسوار مملكة الفيروز، كانت القاعة الصغيرة التي جمعت الملوك الثلاثة ما تزال تحمل أثر العهد الذي عُقد فيها ليلًا. النار في المشاعل خفتت، لكن حرارة الأيادي التي تجمعت بقيت كأنها وشم على أرواحهم. خرج سليمان من القاعة بخطوات بطيئة، لكن عينيه كانتا لامعتين بعزم لم يظهر منذ زمن طويل. وقف نزار بجانبه، يراقبه بصمت، ثم قال بصوت خافت: نزار: – لقد رأيت في عينيك ما لم أره منذ عصور يا مولاي… شيء بين الاطمئنان والقلق. ابتسم سليمان نصف ابتسامة، ونظر إلى الأفق حيث كان الفجر يشق السماء: سليمان: – لأنه عهد لا عودة بعده يا نزار. نحن الآن لسنا ثلاثة ملوك ورجلًا واحدًا… بل كيان واحد، إن سقط جزءٌ منه انهار بالكامل سكت لحظة، وكأنه يصغي لشيء أبعد من صوت نزار، ثم أضاف بنبرة أثقل: سليمان: – لكن… ما قالته كارمن لا يزال يرن في رأسي. الفوضى ستبدأ في مملكة النور. وأخشى أن الحرب القادمة لن تكون مع جيوش تحمل السيوف… بل مع وجوه مألوفة، تبتسم وهي تحمل الخيانة في قلبها. اقترب نزار خطوة، نظر إلى سيده نظرة إخلاص ممزوجة بالقلق: نزار: – إذن علينا أن نسبقهم، ونكشف تلك الوجوه قبل أن تبتسم في وجهنا. أدار سليمان وجهه إليه، وفي عينيه بريق قائد يعرف أن زمن التردد انتهى: سليمان: – صحيح… والآن يا نزار، حان وقت العودة إلى مملكة النور. هناك ستُكتب أولى صفحات الدم في هذه الحكاية… وهناك أيضًا سنختبر صدق هذا العهد. رفع رأسه نحو السماء، حيث كانت خيوط الفجر تزداد إشراقًا، وهمس كمن يخاطب القدر: – يا غفران… لتكن كلماتنا الأخيرة قبل سفري لكِ درعًا لكِ الآن… فقلبكِ هو ما أخشاه أن يصيبه سهم قبل أي جيش. وبينما كان الفجر يعلن يومًا جديدًا، أدرك سليمان أن الطريق القادم لن يكون طريق عودة… بل طريق مواجهة، مواجهة لم تعد بعيدة. عقل مستيقظ: في منزل غفران الهادئ بمملكة النور، كان الليل ينسحب رويدًا رويدًا والسماء تتلون بخيوط الفجر الوردية. جلست غفران قرب النافذة، وذراعاها ملتفتان حول نفسها، كأنها تحاول احتضان قلبٍ يئن في صدرها. أمامها، كانت سهام ما تزال نائمة بعمق، لكن غفران لم تذق طعم النوم. عيناها شاخصتان نحو الأفق البعيد، وكأنها تحاول أن تخترق المسافات لتصل إلى سليمان. تمتمت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها: غفران: – لماذا قلبي يضطرب هكذا؟ وكأن شيئًا ما يحدث له الآن… كأن خطواته تسير في طريق لا عودة منه. شعرت بوخز في صدرها، كأن خيطًا غير مرئي يربطها به، يهتز فجأة بعنف. وضعت يدها على قلبها وأغمضت عينيها، لتتردد في ذهنها كلماته الأخيرة قبل سفره: "غفران… تذكري دائمًا أنّ قوتك ليست في سيفك وحده، ولا في شجاعتك التي تحكي عنها العرافة. قوتك في قلبك. لا تدعي أحدًا يسرق هذا القلب منك، حتّى لو كان أنا." فتحت عينيها والدموع تلمع فيهما، همست: غفران: – كلماتك تطمئنني… لكنها تخيفني أكثر يا نصر الدين… يا من لا أعلم عنك إلا القليل، وأحمل لك الكثير. في تلك اللحظة، تحركت سهام بتثاقل، فتحت عينيها لتجد شقيقتها ساهرة كالمعتاد، تتأمل في البعيد. جلست بجوارها، وضعت يدها على كتفها وقالت بنعاس ممزوج بالقلق: سهام: – غفران؟ ماذلتِ مستيقظه لهذا الوقت… هل تفكرين به مجددًا؟ لم تجب غفران، بل اكتفت بابتسامة باهتة، ونظرتها ما زالت معلقة بالأفق. وكأن قلبها يخبرها أن الخطر يقترب… وأنها ستُختبر قريبًا، كما يُختبر هو في مكانٍ آخر. غضب يهز الجدران: في قصر اليمامة، كان الليل يلف المكان بظلاله الثقيلة، بينما جلس الملك بلال على عرشه، يضغط على مسند الكرسي بقبضته حتى كاد أن يتحطم. عيناه تقدحان شررًا، ووجهه ممتقع من الغضب. وقف أمامه كبار رجاله، وجوههم متجهمة، يترقبون العاصفة التي يعرفون أنها ستنهمر عليهم. بلال (بصوت غاضب، يهدر في القاعة): – لقد اجتمعوا بالفعل … هاشم وفهد عقدوا تحالفًهما أمام الجميع والكل صفق لهم وكأنهم أبطالٌ جاءوا لإنقاذ العالم! أتدرون ماذا يعني هذا؟! يعني أنني أصبحتُ وحدي في مواجهة ممالك متحدة، وأن كل خطوة لي أصبحت محسوبة، هذا حدث بتقصير من راجح ولكن هذا ليس وقته الأن لم يجرؤ أحد على الرد، فاكتفى بلال وهو ينهض من مقعده بخطوات ثقيلة، يضرب الأرض بعصاه: بلال (يتابع): – لم تنتهِ اللُعبة بعد… ربما خسرنا هذه الجولة، لكن الحرب لم تبدأ بعد! سيظنون أنهم في أمان خلف تحالفهم الجديد… وسأجعلهم يتذوقون طعم الخيانة من الداخل، من حيث لا يتوقعون. اقترب منه أحد القادة بخوف وقال: – وما الذي تأمرنا به يا مولاي؟ ابتسم بلال ابتسامة باردة، لكنها تفيض سُمًّا: – دعوهم يحتفلون الليلة، دعوهم يغنون ويتوهمون النصر… لكنني سأنتزع ابتساماتهم من وجوههم قريبًا. من اليوم، أريد عيوننا في كل زاوية من كلا المملكتان الفيروز والنور ، وأريد أن أعرف كل تحرك لهم، صغيرًا كان أو كبيرًا. لن نضربهم بالقوة فقط… بل سنجعلهم ينهارون من الداخل. ثم التفت للخلف، صوته يخفت لكن حقده يزداد وضوحًا: بلال (يهمس): – ليعلموا… أن بلال لا يُهزم بعد ساد الصمت، ولم يجرؤ أحد على الكلام، بينما ظل بلال واقفًا، يخطط في عقله لمكيدة جديدة، أخطر وأشد من التي فشلت، وعيناه تلمعان بوهج الثأر. بطش رجال بلال: في أحد أحياء اليمامة الفقيرة، كان الليل يلف الأزقة الضيقة بسكون ثقيل، لا يقطعه إلا وقع خطوات مدوية وصوت السيوف وهي تُجرّ على الأرض. ظهر رجال الملك بلال، يرتدون دروعًا سوداء، أعينهم كالصقور تبحث عن فريسة. تجمّع الناس في أطراف الطرقات، يضمّون أطفالهم بين أذرعهم، يحاولون تجنب النظر مباشرة لوجوه الجنود. كان الخوف واضحًا في كل الأنفاس، والظلام يزداد ثقلاً كلما تقدم الرجال. توقف القائد عند أحد الأكواخ المتهالكة، وضرب الباب بعصاه بعنف حتى انكسر، لتظهر امرأة عجوز ترتجف من الخوف. القائد (بصوت قاسٍ): – أين الضرائب؟! الملك لا ينتظر الكسالى والعاجزين. ردّت العجوز بصوت متقطع: – يا سيدي… بالكاد نملك ما نأكله. لقد أخذتم منا كل ما نملك في الشهر الماضي… ليس لدينا سوى ما يسد رمق الأطفال. ضحك أحد الجنود باستهزاء، ثم دفعها بقسوة فسقطت أرضًا، فيما حاول طفل صغير أن يمنعهم. رفع الجندي يده ليضربه، لكن صرخات الناس حالت دون أن يقع الأذى عليه. القائد (صارخًا): – من يعترض أو يخفي شيئًا، يُعلق على أبواب السوق غدًا عبرةً للآخرين! بدأ الجنود يقتحمون البيوت واحدًا تلو الآخر، ينهبون ما يجدونه من خبز، حبوب، وحتى أغطية قديمة. صرخات النساء والأطفال تملأ الحي، لكن لا أحد يجرؤ على المقاومة. وقف القائد في وسط الأزقة، صوته يجلجل كالرعد: – أخبروا الجميع… أن يد الملك بلال لا ترحم. من لم يدفع، سيدفع بروحه. انسحب الجنود محمّلين بما سرقوه، تاركين خلفهم دموعًا وحسرة، وحيًا فقيرًا يزداد فقرًا وظلامًا. أما الناس، فرفعوا أبصارهم للسماء في صمت، وكأنهم يرجون عدلاً لا يأتي من الأرض. غضب كارمن: في كوخها المظلم، جلست كارمن العرّافة أمام بلورتها المتلألئة، ألسنة الضوء تتراقص داخلها كأنها نيران حقيقية. كانت عيناها ثابتتين لا ترمش، حتى بدأ المشهد يتضح أمامها. رأت رجال الملك بلال وهم يقتحمون بيوت الفقراء، ينهبون قوت الأطفال، ويضربون النساء بلا رحمة. سمعت صرخاتهم وكأنها تدوي في قلبها، وكأن جدران كوخها يرتجف معهم. كارمن (بغضب مكتوم): – بلال… قلبك تحوّل إلى صخرة سوداء، لا تعرف الرحمة ولا العدل. كم من الأرواح ستُسحق تحت قدميك قبل أن تدرك أن ملكك هذا بُني على دماء الأبرياء؟! ضربت بكفها على الطاولة الخشبية بقوة، فتصدع سطحها. أغمضت عينيها، وبدأت تتمتم كلمات غامضة، كأنها نداء إلى قوى خفية تسكن خلف الحجاب. البلورة أظهرت صورة أخرى… سليمان وهو يسير في قصر الفيروز بوجه متوتر، يحاول أن يخفي ما بداخله، وغفران في بيتها بعينين ممتلئتين بالقلق، كأن قلبها يشعر بالخطر القادم. ابتسمت كارمن ابتسامة حزينة، امتزج فيها الغضب بالأمل. كارمن (بصوت خافت وكأنها تخاطبهما): – الطريق مظلم من حولكما… لكن النور في قلبيكما سيهزم ظلام بلال ودهاء راجح. لا تدعا الخوف يُفسد قوتكما، فالساعة قادمة، وحينها سينكشف كل شيء. وقفت فجأة، ترفع يديها للسماء، وعيونها تتلألأ بدموع حارة: – إن لم أستطع أن أوقف بطشه وحدي… فسأكون السند الخفي الذي يحميكما، حتى لو كان الثمن حياتي. انطفأ وهج البلورة تدريجيًا، تاركًا في الكوخ سكونًا ثقيلًا، لكن قلب كارمن كان يشتعل بعزيمة لم تشعر بها من قبل. قرار الرحيل: انتهت الأضواء في قصر الفيروز، وبدأت القاعة الكبرى تخلو من ضجيج الاحتفالات. جلس الملك هاشم والملك فهد على مقعديهما العاليين يتبادلان كلمات قصيرة عن التحالف الذي وُقّع للتو. أما سليمان، الذي ما يزال في ثوبه كقائدٍ متواضع بين رجال فهد، فقد وقف صامتًا عند أحد الأعمدة الرخامية، يتأمل انعكاس النار في المشاعل المعلقة. هاشم (بجدية): – لقد صار بيننا رباط لن يقطعه شيء… لكن لا تخدعوا أنفسكم. بلال وراجح لن يسكتا. ما فعلناه ليلة أمس سيدفعهما لجنونٍ أشد. فهد (يبتسم ابتسامة ثابتة): – نحن مستعدون يا هاشم. الخطوة التالية هي أن نعود إلى النور ونُحكم الاستعداد هناك من يدخل بيننا سيُسحق. التفت هاشم نحو سليمان، وكأنه يختبره: – وما رأيك أنت، ياسليمان؟ لقد أثبتّ أنك أكثر من مجرد قائد رفع سليمان رأسه، ونظر له بهدوء، يخفي ما يشتعل في صدره من اضطراب. سليمان (بصوت واثق): – الرأي أن نعود سريعًا. كما قال فهد النور تحتاج إلى يقظة، والطرقات ليست آمنة. كل يوم يمر يمنح أعداءنا فرصة ليقتربوا أكثر. فهد (بحسم): – إذن سنتحرك عند الفجر ابتسم هاشم ابتسامة خفيفة، وهو يرفع كأسه الفارغ: – فليكن، على أمل أن يجمعنا لقاء آخر، لا كملوكٍ متحالفين فقط… بل كإخوة وشرفت بلقائك يا سليمان كثيرا كرجلا شهم وملك قوي صافحه سليمان ببتسامه مشرقه ، يخفي خلفها اضطرابه. لم يُفصح عن خططه الحقيقية، ولم يجرؤ أن يكشف أنه يراقب خيوطًا أخرى في الخفاء. كل ما قيل في القاعة كان عن النور… لكن قلبه كان مشدودًا إلى اليمامة التي لا يعرف بعد ما حل بها. رعب الأهالي وذكريات الملك الغائب: الليل يكسو أزقة اليمامة، وأصوات أنين الأطفال الجائعين تتردد في البيوت الطينية، بينما يمر رجال بلال في الشوارع، ينهبون، ويضربون، ولا يتركون بيتًا إلا ويأخذون منه ما يشاؤون. في أحد الأزقة الضيقة، اجتمع بعض الشيوخ والنساء حول نار صغيرة تحاول عبثًا أن تدفئهم. امرأة مسنة (بصوت مرتجف): – لم نعد نعرف طعم النوم… كل يوم يقتحمون البيوت، كل يوم يُسلب قوت صغارنا. رجل عجوز: – آه… أين أيام الملك سليمان؟ كان لا ينام حتى يطمئن أن قلوبنا مطمئنة. كان يجوب هذه الطرقات بنفسه ليتأكد أن الضعيف لا يُظلم، وأن الجائع لا يبيت بلا خبز. شاب في العشرين: – أتذكرون؟ لم يكن أحد يجرؤ أن يقترب من بيوتنا أو يمد يده لامرأة أو طفل. مجرد ذكر اسم الملك سليمان كان يزرع الخوف في قلوب الطامعين. امرأة أخرى (بعينين دامعتين): – كانوا يقولون إنه ملك… لكننا لم نره إلا كأخٍ وأب. كان إذا تحدث، تحدث باللين، وإذا حكم، حكم بالعدل. يسود الصمت لحظة، ثم يعلو صوت طفل صغير ببراءة: الطفل: – متى يعود أبي سليمان؟ لقد وعدني أن يعلمني ركوب الخيل. تنفجر الدموع في عيون النسوة، ويخفض الرجال رؤوسهم. لقد صار اسم سليمان أسطورة على ألسنتهم، وذكراه هي الملاذ الوحيد من جحيم بلال وبطش رجاله العجوز (بحزن عميق): – لو كان بيننا، لما جرؤ أحد على رفع صوته فوق صوت الحق. لكننا الآن… بلا درع، بلا أمان اننا نريده ان يرجع لنا في سلام تهب ريح باردة تذرو رماد النار الصغيرة، فيرتجف الجمع وكأن اليمامة نفسها تبكي أهلها نداء القلب: كان الليل قد بدأ يرخى سدوله على القافلة المتجهة إلى مملكة النور. الخيول تمضي بخطوات ثابتة، والجنود يحرسون الموكب في صمتٍ لا يقطعه سوى وقع الحوافر على التراب. جلس سليمان على صهوة جواده، ملامحه متماسكة أمام الجميع، لكن في داخله كانت العاصفة تضرب به بلا رحمة. أدار عينيه إلى الأفق المظلم، وكأنه يبحث عن شيء ضاع منه هناك، في مكان بعيد. فجأة، شعر بخفقان عنيف في صدره، كأن قلبه يستجيب لنداء لا يسمعه غيره. سليمان (يهمس لنفسه): – ما هذا؟… لماذا أشعر كأن صرخاتٍ تخترق صدري؟ كأن أنينًا من اليمامة يطرق أبواب روحي؟ يلتفت إليه نزار الذي يسير بجانبه، يلاحظ اضطرابه: نزار (بقلق): – ما بكَ؟ وجهك تغيّر فجأة… هل أصابك مكروه؟ سليمان (متردداً، يحاول إخفاء ارتباكه): – لا شيء يا نزار… ربما أرهاق ليس أكثر لكن عينيه لم تخفيا القلق، فقد كان يسمع داخله صدى أصواتٍ متداخلة: صرخات نساء، بكاء أطفال، وجملة واحدة تتكرر في أذنه: "أين أنت يا ملك الحق؟ لقد كنا نعيش في أمانك… أين أنت الآن؟" شدّ على لجام جواده بقوة حتى كاد الجواد يجمح. أخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى السماء المرصعة بالنجوم. سليمان (بصوت منخفض أقرب للعهد): – أقسم أني لن أترك اليمامة تضيع. إن كان هناك دم يسفك، أو ظلم يُزرع… فسأعود. سأعود مهما كان الثمن لم يكن أحد بجواره يعلم سر هذه الكلمات، لكن في داخله، كان يعلم أن اليمامة تناديه، وأن وقت الاختيار يقترب… بين بقائه متخفيًا بجانب فهد، أو عودته ليواجه قدره كملك.