الفصل التاسع عشر
المواجهة الملكية:
في قاعة جانبية من قصر الفيروز، حيث تُزين الجدران بزخارف فيروزية وتتصاعد رائحة البخور الخفيف، جلس الملك هاشم بن حماد على مقعد مرتفع يواجه مدخل القاعة مباشرة. لم يكن على وجهه تلك الابتسامة الحيادية التي اعتاد أن يخفي بها فضوله، بل كان هذه المرة صريح النظرات، ثابت الملامح، كأنه يستعد للقاء استثنائي.
دخل سليمان بخطوات ثابتة، يرافقه نزار الذي أشار لهاشم بانحناءة ثم تراجع تاركًا سيده وحده مع الملك.
وقف سليمان بوقار، لم ينحني كما يفعل الجنود، ولم يتصنع الهيبة كما يفعل المتكبرون، بل وقف في مكانه صلبًا، هادئًا، كأن الأرض نفسها تشهد على وقفته.
تأمل هاشم طويلًا في عينيه، ثم قال بصوت عميق:
هاشم:
– إذن… أنت هو. لم يعد في الأمر شك. نصر الدين لم يكن سوى اسم مستعار يخفي وراءه ملكًا بكل ما تحمله الكلمة.
(يصمت لحظة وهو يبتسم إعجابًا)
لم أرَ في حياتي رجلاً يتقن التخفي عن الملوك في ثياب الجنود، ويظل رغم ذلك يحمل على كتفيه وقار العروش كما لو أنه لم يتخلَ عنها يومًا.
ظل سليمان صامتًا، عينيه ثابتة على وجه هاشم، حتى بدا كأن الصمت نفسه لغة بينهما. ثم أجاب بصوت هادئ، خالٍ من أي ارتباك:
سليمان:
– الألقاب يا مولاي لا تعني شيئًا ما لم تثبتها الأفعال. أنا لم آتِ إلى هنا بصفتي ملكًا، بل بصفتي رجلًا يقاتل من أجل الحق… ومن أجل استعادة ما اغتاله الطغيان.
ابتسم هاشم ابتسامة أوسع، فيها مزيج من الإعجاب والدهشة:
هاشم:
– صلابتك ليست في سيفك فحسب… بل في كلماتك أيضًا. كأنك تقول ما لا يُقال، وتكتم ما لا يُكتم. رجل مثلك لا يُقاس بعرش ولا بجيش… بل بعقله وجرأته.
اقترب سليمان خطوة، وملامحه ازدادت حزمًا، لكنه لم يرفع صوته:
سليمان:
– إن كنتَ تبحث عن الملك فيّ، فهو لم يختفِ يومًا. وإن كنت تبحث عن الرجل، فهو الذي يقف أمامك الآن. أما إن كنتَ تبحث عن نواياي… فستراها في ساحة الميدان، لا في قاعات مزخرفه.
هز هاشم رأسه بإعجاب، ثم مال قليلًا للأمام، صوته هذه المرة يحمل صراحة الملك للملك:
هاشم:
– يا سليمان… أعترف لك بشيء لم أقله لغيرك: لقد راقبتك طويلًا، وما وجدت فيك إلا ثباتًا يثير الإعجاب. أنت ملكٌ، نعم… لكنك أكثر من ذلك: أنت رجل يعرف كيف يخفي سيفه وراء ابتسامة، وكيف يُرعب خصومه وهو صامت.
ثم نهض هاشم من مقعده، خطا نحوه ببطء، حتى وقف أمامه مباشرة. نظر في عينيه طويلًا، ثم مد يده مصافحًا:
هاشم:
– أشعر أن الزمن خبأ لقائي بك لسببٍ أعظم من مجرد تحالف. أنا لا أراك خصمًا ولا مجرد حليف… بل ندًا يليق أن يُجلس بين الملوك.
مد سليمان يده وصافحه بقوة، ونظرة الاحترام المتبادل تملأ المكان، كأن اللحظة جمعت بين قوتين عظيمتين على قدرٍ واحد.
وفي داخلهما، عرف الاثنان أن هذه المصافحة لم تكن عابرة… بل بداية لمرحلة تُرسم فيها خريطة جديدة للممالك
غضب في قصر اليمامه:
في قاعة الحكم بقلعة اليمامة، كان بلال يجلس على عرش منقوش بالذهب والعاج، لكنه لم يشعر لحظة بثِقله كملك، بل كأن العرش نفسه يضغط على صدره. الأخبار التي وصلت للتو من جواسيسه في مملكة الفيروز كانت كالسوط على ظهره، التحالف بين فهد وهاشم سيُعقد بالفعل، وسليمان حاضر بينهم كقوة ثالثة.
ضرب بلال بكفه على مسند العرش بقوة جعلت الحُرّاس يتبادلون النظرات المرتبكة. صوته خرج هادرًا:
بلال (بغضب مكتوم):
– تحالفهم يتم أمام أعيننا! والكلب راجح ورجاله لم يفلحوا حتى في نصب فخ بسيط!
اقترب أحد القادة محني الرأس وقال بحذر:
– مولاي، ما زال لدينا الوقت لنقلب الموازين، فقط تعطينا الأمر…
قاطعه بلال بعينين متقدتين:
– وقت؟! ألا تفهم؟! كل دقيقة تمر تجعل صفوفهم أقوى، وكلمتهم أثبت، بينما نحن نتخبط في الظلال.
(ينهض واقفًا كالنسر الجريح ويبدأ في السير جيئة وذهابًا)
سليمان… ذلك الملك المنخلع… ما زال يربك كل حساباتي. من هو حقًا؟ كيف تمكن من جمعهم حوله؟ في شئ اكثر من انني انقلبت عليه.
ثم توقف فجأة، رفع رأسه وكأنه يخاطب القاعة كلها:
بلال:
– إن اكتمل هذا التحالف، فإن مملكتي ستُحاصر، وعرشي سيتآكل. لن أسمح! لن أسمح لهم بأن يتقاسموا المجد دون أن أدوس على رؤوسهم واحدًا تلو الآخر!
صمت لحظة، ثم انحنى إلى الأمام، عيناه تلمعان بدهاء:
– إن كان راجح قد فشل في خطته، فسأستخدمه بطريقة أخرى… سيظل أداة بيدي، حتى لو لم يدرك هو ذلك
رفع يده وأشار إلى أحد جنوده:
– أرسلوا رسالة عاجلة لراجح، الوقت ليس للهزيمة ولا للندم… بل للدم. نحتاج خطة جديدة، أسرع، أجرأ… فالموت وحده كفيل بتعطيل هذا التحالف
امتلأت القاعة ببرودة قاتمة، والحراس تراجعوا خطوتين إلى الوراء وكأنهم يخافون من شرارة غضبه.
جلس بلال مجددًا، لكن ملامحه لم تهدأ… بل ازدادت صلابة، وكأن النار في صدره تحولت إلى جمرٍ ينتظر الانفجار
كوخ الظلام:
في عمق أطراف مملكة النور، حيث الغابة تبتلع ضوء النهار، يقيم راجح في كوخ مهجور لا يقصده أحد ولكن يأمنه الحراس وتابعين راجح كان جالسًا قرب نار خافتة، يحدّق في ألسنتها كأنها تكشف له أسرارًا خفية.
الخبر بفشل خططه وصل إليه، فأسند ظهره إلى الجدار الخشبي المتهالك، وارتجفت عيناه الممتلئتان بالغضب.
راجح (بصوت متقطع):
– سليمان… دائمًا ينجو… دائمًا يلتف من حيث لا أظن. من الذي حماه هذه المرة؟!
يرمي غصنًا يابسًا في النار، فيعلو اللهب لحظة، ثم يخبو. يضحك ضحكة قصيرة تحمل السخرية واليأس معًا.
راجح (بمرارة):
– يظن بلال أنني ذيله… يحرّكني كيفما شاء! لا يدري أنني أراه طفلًا يلهو بالدماء دون أن يعرف أن الدم يغرق صاحبه أولًا.
يتحرك داخل الكوخ كذئب محاصر، يمشي جيئة وذهابًا، يضرب الأرض بقدمه ويقبض على خنجره
ثم يتوقف فجأة، يرفع رأسه، تلمع عيناه ببريق ودهاء:
راجح (بصوت منخفض):
– لا، لم تنتهِ اللُعبة بعد… هذا الكوخ ليس سجنًا لي، بل خندقًا أراقب منه. سأبقى هنا، في قلب مملكة النور، أقترب منهم أكثر مما يتصورون… أسمع همساتهم، وأرى خطواتهم… حتي يحين الوقت.
يُسمع طرق خفيف على الباب، فينهض متأهبًا. يدخل أحد أتباعه، ينحني قائلًا:
– سيدي، وصلتنا رسالة من الملك بلال… يطلب لقاء عاجلً يقول:
—الخطة الأولى سقطت، لكن الثانية لا بد أن تبدأ الآن.
ابتسم راجح ابتسامة باهتة، عيناه تحملان خبثًا:
– حسنًا، سنرى يا بلال… أأنت الذئب الذي يلتهم؟ أم الشاة التي تُقاد إلى الذبح؟
ثم جلس مجددًا قرب النار، يحدّق فيها كأنها مرآة لمستقبله، وهمس:
– اللُعبة بدأت للتو…
قلق يزلزل القلوب:
عاد الليل ينسدل على مملكة النور، والقمر يطل بخجل من بين الغيوم.
فتحت غفران باب منزلها بخطوات بطيئة، وعيناها تائهتان وكأنها لم تزل في كوخ كارمن
أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، لتترك تنهيدة طويلة خرجت من صدرها وكأنها تحمل كل ما دار هناك.
جلست على السرير الخشبي الصغير في غرفتها، وضمت ركبتيها إلى صدرها.
كانت كلمات كارمن ما تزال ترن في أذنيها:
"قلبكِ لا يعرف الراحة… لكنكِ ستختارين الطريق الذي إما يفتح لكِ النور… أو يبتلعكِ الظلام."
غفران (بهمس لنفسها):
– كيف عُرفت كل هذا؟ وكيف استطاعت أن ترى ما أخفيه في قلبي؟
طرق خفيف قطع أفكارها، ثم دخلت سهام بخطوات حذرة. جلست بجوارها نظرت في وجهها المرهق، وقالت بقلق:
– أتعلمين، لم أركِ هكذا منذ زمن… عيناكِ تحملان شيئًا لا تريدان قوله. ماذا جرى معكِ؟
ابتسمت غفران ابتسامة متعبة، ومررت يدها على شعر سهام كأنها تطمئنها، ثم أجابت بصوت خافت:
– التقيت بمن جعلني أرى نفسي كما لم أرها من قبل… كلماتها اخترقتني يا سهام، جعلتني أشعر أنني مكشوفة أمامها… بلا أسرار
ارتبكت سهام، أمسكت بيد أختها بقوة وقالت:
– تقصدي بحديثك تلك العرافه كارمن اليس كذلك؟ هل أخبرتك عن… نصر الدين؟
سكتت غفران، وأخفضت عينيها كي لا تفضحها دموعها، ثم همست:
– نعم هي... حتى إن لم تذكر اسمه، كنت أشعر أن حديثها
عنه.. وعني.. وعنا سويا
ارتجفت أنفاسها، وضمتها سهام إليها، وهمست بجدية:
– لا تدعي الخوف يسيطر عليكِ. ربما كل ما قالته كان ليُرشدك، لا ليُثقل قلبك
أغلقت غفران عينيها للحظة، ثم قالت وكأنها تكلم نفسها أكثر من شقيقتها:
– لكن قلبي يا سهام… يخبرني أن القادم ليس هيّنًا
وبقيت الغرفة تغمرها صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت الريح وهي تهز نوافذ البيت، كأنها تؤكد أن الغموض يقترب أكثر فأكثر.
نسج خيوط مؤامرة جديدة:
داخل قاعة الحكم في قصر اليمامة، كان بلال يجلس على عرشه متجهم الوجه، عيناه تضطرمان غضبًا.
دخل راجح بسرعة، وعلى ملامحه خيبة أمل ثقيلة، لكنه حاول أن يخفيها وهو ينحني أمام الملك.
بلال (بصوت حاد):
– لا تحدثني عن الماضي يا راجح… لا أريد أن أسمع عن فشل! جئتني بخطة جديدة، أم أرسلك لألحقك بأعدائنا؟
راجح (بصوت ثابت هذه المرة، وكأنه حضر نفسه):
– لدي خطة يا مولاي… خطة لن تفشل. إنهم الآن في الفيروز، منشغلون بالتحالف والاحتفال، وبعده سيعودون محملين بالثقة، معتقدين أن النصر في صفهم. هناك، وفي عقر دارهم سنصطادهم
بلال (يقترب، صوته ينخفض ولكن غضبه ظاهر):
—دارهم؟ اي دار تتحدث عنها ايها الاحمق؟
راجح (بمكر):
– لن ننتظرهم على الحدود الشرقية هذه المرة، بل سنتركهم يظنون أن الخطر انتهى. سنضرب في الداخل… في مملكة النور نفسها. رجالنا هناك جاهزون لإشعال الفوضى قبل وصولهم، ليتشتت الملك فهد وجنده، ويصبح سليمان بلا حماية كافية.
أمسك بلال بمسند العرش وضغط عليه بقوة حتى ظهر بياض أصابعه، ثم قال بابتسامة باردة:
– جيد… الفوضى من الداخل. دع مملكة النور تنقلب على نفسها، وحينها لن يميزوا العدو من الصديق.
راجح (بابتسامة شيطانية):
– وفي تلك اللحظة… ستكون الطعنة أيسر ما يكون.
سكت بلال لحظة، ثم رفع رأسه وكأنه يتذوق طعم الانتصار مسبقًا:
– ليكن، يا راجح. هذه المرة، لن أقبل إلا برؤوسهم عند قدمي.
انحنى راجح ببطء، وعيناه تلمعان بالطموح، قبل أن يغادر بخطوات واثقة تاركًا خلفه القاعة وقد ثقلت بالشرّ القادم.
غضب العرافه:
داخل كوخٍ صغيرٍ غارق في الظلال، جلست كارمن أمام بلورتها المتوهجة. انعكست على وجهها أضواء زرقاء وحمراء متداخلة، عيناها تحدّقان في المشهد الذي ظهر لها: بلال على عرشه، وراجح يقف أمامه يهمس بخطة جديدة.
راحت الكلمات تتضح أكثر فأكثر داخل البلورة:
«الفوضى في مملكة النور… الطعنة في الداخل… لن يميزوا العدو من الصديق…»
ارتجفت أناملها، وضغطت على حواف الطاولة الخشبية أمامها، وكأنها تكبح صرخة تريد أن تنفلت.
همست بين أسنانها:
– أيها الأحمقان… ألا تشبع قلوبكما من الدم؟!
ثم أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول إيقاف الصور التي تنغرز في عقلها كخناجر. لكنها ما لبثت أن فتحتها ثانية، لتتأكد من المشهد. البلورة لم تخطئ أبدًا.
رفعت رأسها نحو السقف، وكأنها تئن بغضب يخرج من أعماقها:
– إنهما يظنان أن الفوضى ستكسر النور… لكن لا، لن أسمح. لن أجعل النور ينطفئ هكذا.
نهضت فجأة من مكانها، تذرع الكوخ ذهابًا وإيابًا، تمسك بطرف وشاحها بيد وترفع الأخرى للسماء، تهمس بكلمات أشبه بالتعاويذ:
– سليمان… أيها الملك المتخفي… يجب أن تعلم. يجب أن تتحرك قبل أن يسقط كل شيء.
عادت وجلست أمام بلورتها من جديد، نظراتها حادة، يختلط فيها الغضب بالإصرار، وراحت تركز بكل قواها لتفتح جسرًا روحيًا جديدًا، علّها تنقذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان
نداء وسط الزحام:
القصر الكبير في مملكة الفيروز كان يضج بالأنوار والمشاعل المعلقة، والألحان تصدح في الأرجاء، بينما جلس الملكان فهد وهاشم في مقعديهما الفاخرين يتبادلان الحديث مع الوفود القادمة من الممالك الأخرى. كان الحفل يموج بالضحكات، بالكؤوس المرفوعة، بأصوات المباركة على قرب توقيع التحالف التاريخي.
وسط ذلك الزخم، كان سليمان يقف متأهّبًا، عيناه تتحركان بهدوء بين الحضور، كقائد يحصي أنفاس المكان، لا كضيف احتفال. ثيابه الرسمية أخفت ملامح القائد المتمرّد داخله، لكن قلبه ظل يحمل ثقل الشكوك.
وفجأة، وفي اللحظة التي علت فيها أصوات العازفين وارتفعت التصفيقات، شعر كأن خيطًا من نار اخترق رأسه.
توقف الزمن حوله للحظة. تلاشى صخب القاعة، وكأن الجميع ابتعدوا، ولم يبقَ سوى صوت واحد يدوّي داخله.
صوت كارمن أكثر صرامة هذه المرة، ممتزج بغضب مكتوم:
– أيها الملك المتخفي… ما زلت واقفًا بين الأضواء، بينما الظلام يحيك حولك حبائله. إنهما هناك، يخططان لفوضى داخل مملكة النور نفسها. لا تنخدع ببريق الكؤوس ولا وعود الأمان… الطعنة قادمة من الداخل.
ارتجف صدر سليمان، لكنه لم يُظهر شيئًا على وجهه. أدار رأسه قليلًا نحو الجمع وكأنه يتابع ما يحدث، بينما عقله يشتعل بكلماتها.
همس في نفسه:
– من الداخل…! هل تقصد أن بيننا من يخون؟
عاد صوت كارمن، أو بالأحرى صدى نبرتها الحازمة:
– احذر يا سليمان… الليل لا يرحم الغافلين.
اختفى النداء فجأة، وعادت الأصوات من حوله: موسيقى، ضحكات، كلمات ملوكٍ وسفراء. لكن قلبه كان قد انقبض بقوة، وعيناه لم تعدا تبصران الاحتفال كما قبل.
ابتسم ابتسامة صغيرة مصطنعة وهو يحيّي أحد الوجهاء، لكن في أعماقه اشتعلت النار:
– لن أسمح لهم أن ينجحوا… لا راجح ولا بلال.
التحالف السري:
لم تمضِ سوى لحظات على عودة الصخب إلى القاعة، حتى تقدّم سليمان بخطوات ثابتة نحو مقعد الملك فهد، وانحنى قليلًا كمن يهمس بشيء لا يحتمل التأجيل.
ارتفعت عينا فهد إليه، وبمجرد أن لمح اضطرابًا خفيًا خلف ملامحه المتماسكة، أدرك أن الأمر ليس عابرًا.
سليمان بصوت خافت جاد:
– جلالة الملك… أحتاج إلى حديث عاجل، ليس على الملأ. اجمعني بك وبالملك هاشم… وفي الحال.
نظر فهد إليه لحظة طويلة قبل أن يومئ برأسه. ثم التفت إلى هاشم، يبتسم للضيوف، لكن صوته كان خفيضًا لا يسمعه أحد:
– هاشم اتبعني سليمان يطلبنا في أمرًا عاجل
غادرا القاعة معًا بخطوات محسوبة، وتبعهما سليمان ووراءه مباشرة نزار الذي لمح من عيني قائده ما يكفي ليُدرك خطورة اللحظة.
دخل الأربعة قاعة صغيرة مغلقة الجدران، أشعل الحراس بعض المشاعل في أطرافها ثم انسحبوا بأمر فهد. أُغلِق الباب، وخيم السكون إلا من صوت أنفاسهم.
تقدّم سليمان إلى الوسط، حدّق في الملكين بثبات وقال:
– ما جئنا من أجله، وما نحتفل به الليلة… مهدّد. ليس من الخارج، بل من الداخل.
ارتفع حاجبا هاشم بدهشة:
– الداخل؟ هل تقصد أن بيننا من يخون؟
– نعم. (قالها سليمان بحزم) راجح وبلال لا زالا يحيكان مؤامراتهما، وخططهم تتغيّر بسرعة. لن يتركوا هذا التحالف يتم بسلام. وصلتني معلومات مؤكدة أن فخًا يُنصب في مملكة النور نفسها، لا هنا.
ساد الصمت، حتى تنحنح نزار وتقدّم خطوة:
– إنهم لا يتوقفون عن زرع العيون. وأخشى أن بعض هذه العيون قريبة جدًا منا.
التفت سليمان إليهما بعزم:
– لهذا السبب… أطلب تحالفًا آخر، في الخفاء. لا يعلم به أحد غيرنا نحن الأربعة. تحالف يتجاوز ما يُقال على الموائد، تحالف يربطنا بالدم والسرّ، لا بالكلمات المعلنة.
نظر فهد إلى هاشم طويلًا، وكأنهما يتبادلان حوارًا صامتًا، ثم أومأ الملكان معًا.
مدّ سليمان يده، تبعه فهد، ثم هاشم، وأخيرًا نزار.
تجمّعت الأيدي فوق بعضها، والمشاعل ارتجفت نارها مع العهد الجديد.
قال سليمان بصوت جهوري:
– من هذه اللحظة… نحن الأربعة حائط واحد. لن يسقط إلا إن سقطنا جميعًا.