فوضى المراء ❤️🔥👥
الفصل الثاني: فوضى المرآة
مشهد 1: وشم الذاكرة
لم تنم ليلى. عادت إلى شقتها المُطلّة على المدينة المتثاقلة بالنوم، لكن النوم هرب منها. جلست أمام شاشة الكمبيوتر الضخمة في مكتبها المنزلي، تُعيد تشغيل تسجيلات جلسات عمر رجب القديمة.
صوته يملأ الغرفة، واثقاً، مفتعلاً البرودة أحياناً:
"دكتورة ليلى، الناس يرون القشرة اللامعة. أنا أختلق الإبهار كما يتنفس الآخرون. لكنكِ تعرفين السر، أليس كذلك؟ الإبهار إدمان. وإذا توقف الجمهور عن التصفيق، يبدأ الوحش في الداخل بالعواء."
كانت قد كتبت في ملاحظاتها وقتها: "يشكو من فراغ وجودي مقنّع بالإنجازات المادية. الخوف الحقيقي: أن يُكتشف أنه فارغ من الداخل."
الكلمات في ورقة القاتل كانت صدى مُشوّهاً، بل وحشياً، لتحليلها هي. كان كمن سرق جملة من قصيدة أمل وحوّلها إلى نعي.
هاتفها رنّ. لم يكن ضاحي هذه المرة. الرقم خاص.
"ليلى؟" صوت د. كريم، زوجها السابق، ناعمٌ ومدروس كما دائماً، لكنه يحمل نبضة قلق.
"سمعتُ بالخبر. عمر رجب. هذا فظيع."
"كيف عرفت؟" سألَت، حادة أكثر من اللازم.
"إنها أخبار، عزيزتي. الصحف تتحدث عن 'قاتل المعالجين'."
كانت كلمة "عزيزتي" تعلق في الهواء مثل رائحة عطر قديم، مُزعجة ومألوفة في آنٍ واحد.
"أنا لست عزيزتك، كريم. وماذا تريد؟"
"أريد أن أعرف إذا كنتِ بخير. وأن أقدم مساعدتي، إذا احتجتِ. تذكري، مهنتنا... معزولة. لا يجب أن تواجهي هذا وحدك."
كان عرض المساعدة منطقياً. كريم كان دوماً المنطق نفسه. لكن شيئاً ما في نبرته، في توقيت اتصاله، جعل جلدها يقشعر. هل كانت قلقة لدرجة الشك في الجميع؟ أم أن حدسها كان يحاول تحذيرها؟
مشهد 2: اللوحة الحية
لم تمر ٤٨ ساعة حتى جاء الاستدعاء الثاني. هذه المرة العنوان كان مرسماً فنياً في الحي القديم: مرسم "سمر".
كانت الرائحة مختلفة هنا: زيت الكتان، التربنتين، والرطوبة. الضوء الذي يتسلل من النوافذ العالية كان مغبراً وذا لون ذهبي حزين.
سمر وُجدت في وسط المرسم، جالسة على كرسي خشبي بسيط، أمام حامل رسم. لكنها لم تكن ترسم. كانت محاطة. عشرات اللوحات الصغيرة، مسنودة على الجدران والأرضيات، صورت جميعها كوابيس بصرية مُروعة: عيون تبكي دماءً، أيدي تتحول إلى جذور، وجوه تذوب في الظل. كانت تلك الصور التي كانت سمر تصفها في جلساتها أثناء نوبات الذهان، قبل أن تُسيطر عليها الأدوية.
اللوحة الأخيرة على الحامل كانت غير مكتملة. صورة لسمر نفسها، ولكن بثلاثة أعين، وفمها مفتوح في صراخ صامت.
والمُروّع: سمر كانت ميتة، لكن في يدها فرشاة ممسوكة بإحكام، وأصابعها ملطخة بألوان قرمزية وبنية داكنة. القاتل أجبرها على رسم كابوسها الأخير قبل أن يقتلها.
على الأرض، بجانب الحامل، وُجدت الورقة الرقّية الثانية.
"المريضة: سمر جلال. التشخيص: انفصام الشخصية (النوع البارانويدي) تحت السيطرة.
الأعراض الظاهرة: الإبداع المتوحش، الإحساس بالاضطهاد.
الأعراض الكامنة: حرب أهلية داخل جماجم متعددة. الاعتقاد بأن الجمال يكمن في التشويه.
الوصفة النهائية: إذا كان الفن هو هروبك من الواقع، فليكن موتكِ هو التحفة التي تلخص الهروب الفاشل. لا مزيد من الأقنعة. فقط الصراخ الأخير على القماشة."
التوقيع: "ب. ت."
لكن هذه المرة، كان هناك إضافة. جملة صغيرة مكتوبة في الزاوية السفلية، بخط مختلف قليلاً، وكأنها فكرة لاحقة:
"لمن علمتهم أن يروا جمالاً في فوضاهم: الفوضى لا جمال فيها. هي فقط تنتظر أن تبتلعكم. تحذير أخير."
لم تكن بحاجة لشرح. الرسالة كانت لـليلى. القاتل كان يتحدث إليها مباشرة الآن.
مشهد 3: الاتصال
"إنه يتصاعد." قال ضاحي، وهو ينظر إلى لوحة الصراخ غير المكتملة. "الضحية الأولى كانت سلبية. الجلوس. الانتظار. هذه... نشطة. عنيفة نفسياً. أجبرها على المشاركة في رعبها."
"إنه يلعب دور المعالج السادي." قالت ليلى، صوتها أجش من قلة النوم. "يجعلهم يواجهون ذعرهم الأساسي، ليس ليشفيهم، بل ليقويهم حتى يقتلهم. إنه 'التعريض' الأكثر وحشية على الإطلاق."
"هل تذكرين شيئاً عن جلساتها؟ أي تهديد؟ أي شخص مرتبط بها أو بـ... 'ب. ت.'؟"
تذكرت ليلى جلسة مع سمر. كانت سمر تصف كيف أن شخصية "الرقيب" الداخلية لديها كانت تتهمها بأن فنها مزيف، وأن "الوحش" الداخلي سينتصر يوماً. كانت ليلى تحاول تهدئتها، قائلة: "الفوضى داخلكِ ليست وحشاً، إنها طاقة. والفن هو الجسر الذي تعبرين به من الفوضى إلى الجمال."
القاتل سمع هذه الكلمات. أو قرأها. وحوّلها إلى نبوءة شريرة تحققت.
مشهد 4: الاختراق
في تلك الليلة، في عيادة "أورورا"، اتخذت ليلى قراراً. يجب أن تعرف من أين تسرّبت المعلومات. استدعت خبير الأمن السيبراني الذي تتعاقد معه.
سلمان، الشاب الهادئ ذو العينين المتعبتين خلف نظارته، عمل لساعات وهو يصدر همهمات قلقة.
"هناك دخول غير مصرح به، دكتورة. لكنه... ماهر."
"ماذا يعني؟"
"يعني أنه لم يكن قرصاناً عادياً. لم يكسر الجدار الناري بقوة. كان لديه... مفتاح."
"مفتاح؟"
"شهادة دخول. أو كلمة مرور. دخول من حساب مُصرّح له. انظر."
أظهر لها سجلاً. دخولاً إلى قاعدة بيانات المرضى في تاريخ محدد قبل شهرين. اسم المستخدم المسجّل لم يكن "ليلى" أو مساعداً عاماً. كان: "User_Archive_Admin".
"ما هذا الحساب؟" سألت، قلبها يخفق بسرعة.
"ليس حساباً قياسياً. تم إنشاؤه يدوياً ضمن صلاحيات النظام الأساسية. الشخص الذي فعل هذا كان يعرف نظام التشغيل الخاص بالعيادة بشكل حميمي. كأنه... مهندس النظام نفسه، أو شخص قريب منه جداً."
ظلٌ بداخل نظامها. شخص كان يعرف أدواتها التقنية كما يعرف أدواتها النفسية.
تذكرت شيئاً. قبل عام، عندما قررت ترقية النظام. المساعد الذي أوصت به شركة البرمجة... الشاب الهادئ، الذكي، الذي كان يطرح أسئلة كثيرة عن كيفية عملها، عن فلسفتها في حفظ السجلات. كان اسمه... نبيل. د. نبيل؟ لا. كان مهندساً. لكن هل كان ذلك صدفة؟
مشهد 5: النداء المسموم
عندما عادت إلى منزلها، كانت الرسالة تنتظرها. ليس على الورق هذه المرة. بل على هاتفها المحمول. رقم مجهول.
رسالة نصية:
"الجلسات الثلاث الأولى دائماً هي الأصعب. المريض يقاوم. المعالج يشك في منهجه. لكن الثقة تبنى رويداً. هل تثقين بمنهجك الآن، د. ليلى؟ أم أن الشك بدأ يأكل من يقينك، كما أكل من يقينهم؟"
ردت بسرعة، بدافع من الرعب والغضب:
"من أنت؟ ماذا تريد؟"
ظهرت علامة "القراءة". ثم، بعد دقائق طويلة، جاء الرد:
"أريد أن أريكِ الوجه الآخر للمرآة. الوجه الذي أخفيته عنهم، وعن نفسك. الضحية الثالثة ستكون الأكثر إقناعاً. ستكون الأقرب إليك. استعدي لوداع أخير."
سقط الهاتف من يدها.
الأقرب إليها؟ من؟ أمها؟ صديقتها الوحيدة؟ لا... القاتل يتحدث بلغة علاجية. "الأقرب إليك" نفسياً. المريض الذي تربطها به علاقة خاصة. المريض الذي يمثل نموذج نجاحها.
فزعت. رفعت الهاتف بيد مرتعشة وفتحت قائمة مرضاها الحاليين. مرّت بالأسماء بسرعة حتى توقفت عند الصورة الشابية الهادئة، والعينين الخجولتين اللتين بدأتا مؤخراً بالنظر إليها بثقة.
أحمد.
الشاب الذي كان سجين منزله بسبب الرهاب، والذي بدأ، ببطء وصبر، يخطو خطواته الأولى في العالم. هو نُورها في وسط هذه الفوضى. هو الدليل على أن عملها له معنى.
والآن، كان هو الهدف.
نظرت إلى رسالة القاتل الأخيرة، ثم إلى صورة أحمد على ملفه. وشعرت لأول مرة بأن القاتل لم يكن يلعب لعبة معها فحسب. بل كان يلعب لعبة داخل رأسها. وكان يربح.