الفصل الخامس
ردّت بثبات:
"رعد."
رفع حاجبه قليلًا، وكأن الاسم لفت انتباهه، لكن لم يظهر أي تعبير إضافي. قلب الأوراق أمامه ثم قال:
"قدّمتي على وظيفة السكرتارية. عندِك خبرة قبل كده؟"
تنفست ببطء:
"اشتغلت في تونس فترة قصيرة… وبعدين جيت مصر."
هزّ رأسه دون أن يعلّق، ثم قال:
"طيب… فهماني طبيعة الشغل؟"
لم تعرف ماذا تقصد الشركة تحديدًا، لكنها قالت:
"هحاول أقدّر مسؤوليتي… وأتعلّم بسرعة."
ابتسم… لكنها ابتسامة باردة، أقرب إلى اختبار منها إلى ترحيب.
ثم اتكأ على الكرسي، ونظر إليها نظرة مباشرة لأول مرة منذ بدأت المقابلة.
كانت نظرة طويلة… فيها تذكّر، وفيها شيء آخر لم تستطع تفسيره.
قال ببطء:
"أنا بسأل سؤال بسيط… هل إنتي جاهزة تلتزمي؟ الشغل هنا مش لعب."
شعرت بوخزة في قلبها من طريقته.
كأن كلامه يحمل تقليلًا منها، أو كأنه يحاول يستفزها.
قالت بجفاف هادئ:
"أنا جاية علشان أشتغل… مش علشان أضيّع وقت حد."
رفع رأسه فجأة، وكأن عبارتها لم ترق له.
حدّق فيها طويلًا، ثم قال:
"واضح."
كان صوته هذه المرة فيه حدّة لم تخطئها أذنها.
مرّت لحظات صمت بينهما.
نظراته كانت ثابتة… قوية… كأنها تريد أن تفكّك أعصابها وتختبر قوتها.
أما هي… فكانت تقاوم بكل ما لديها من كبرياء.
ثم أغلق الملف أمامه وقال:
"تمام… سيبي رقمك عند السكرتيرة برا. ونِتِجِة المقابلة هتبقى خلال 48 ساعة."
شعرت بخيبة صغيرة…
هل هذا كل شيء؟
هل سيتركها معلّقة هكذا؟
و… لماذا يتجاهل ما حدث بينهما؟
لماذا يتصرف وكأنه لم يراها تلك الليلة؟
نهضت، وقالت بصوت منخفض قليلًا:
"تمام… شكرًا."
التفتت لتخرج، لكن قبل أن تمسك مقبض الباب، سمعت صوته ينادي:
"رعد…"
توقفت.
استدارت ببطء.
نظر إليها نظرة عميقة، نظرة فيها شيء يشبه التحذير… أو السيطرة… أو ربما شيء لم تفهمه بعد.
ثم قال:
"لو اتقبلتي… الالتزام هنا مش اختياري."
كانت الجملة قاسية… لكنها ليست أكثر قسوة من طريقته في قولها.
وكأن بينهما حربًا صغيرة بدأت للتو.
خرجت، وقلبها يدق.
خطواتها على الأرض كانت خفيفة… لكنها تحمل في داخلها عاصفة.
لحظة واحدة… مجرد مقابلة قصيرة…
لكنها كان كافية لتعيد إشعال كل ما حاولت نسيانه.
وفي الطابق الأخير، بقي هو في مكتبه، ينظر إلى الباب الذي خرجت منه.
مرّر يده على الأوراق… ثم ابتسم ابتسامة قصيرة جدًا، لا تشبه أي ابتسامة عفوية.
ابتسامة رجل يعرف تمامًا ما يفعل.
لم تنم رعد تلك الليلة.
ظلت تقلب في سريرها داخل غرفتها الصغيرة في الفندق، تراقب ظلّ الإسدال المعلّق على الحائط وهو يتحرك مع نسمة الهواء الخفيفة، وتشعر بأن كل شيء حولها يتغيّر بسرعة أكبر مما تستطيع احتماله.
كيف يتجاهلها بتلك الطريقة؟
كيف نظر في عينيها وكأنها لم تكن أنفاسًا مرتجفة في حضنه ليلة الخطر؟
وكأنها لم تكن الفتاة التي سحبها من العتمة؟
لكن…
لم يكن هناك وقت لتحليل مشاعره.
عقد العمل هو ما سيبقيها آمنة… هو ما سيبقي الفندق قائمًا.
---
في صباح اليوم التالي، كانت تجلس في بهو الفندق، تحتسي كوب الشاي بهدوء مرتبك.
حين رنّ هاتفها، ارتجف قلبها.
رقم غريب.
ضغطت على زر الإجابة.
"ألو؟"
"أستاذة رعد؟"
"أيوه…"
"حضرتِك اتقبلتي في الوظيفة. المطلوب تحضري النهارده الساعة أربعة لتوقيع العقد."
تجمّدت لثوانٍ.
لم تتوقع أن تأتي المكالمة بهذه السرعة… ولا بهذه السهولة.
لكنها شعرت بارتياح مؤقت، كأن الطريق بدا واضحًا أخيرًا.