الساكن بعد منتصف ليل - أول همسة - بقلم الساكن بعد منتصف اليل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الساكن بعد منتصف ليل
المؤلف / الكاتب: الساكن بعد منتصف اليل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: أول همسة

أول همسة

لم يكن الصباح كافيًا ليبدّد ثقل الليل. استيقظ آدم متأخرًا، وكأن النوم لم يمنحه راحة حقيقية، بل تركه معلقًا بين حلمٍ لم يتذكّره، وقلقٍ لم يفارقه. جلس على السرير، وعيناه تجولان في الغرفة بحذر، كما لو أنّه يتوقّع أن يرى أثرًا لما حدث في الليل. لكن الغرفة كانت عادية. هادئة… أكثر مما ينبغي. نهض ببطء، واتجه نحو الحائط الذي سمع منه الهمسة. مدّ يده، لمس الجدار البارد، وأغمض عينيه. لم يسمع شيئًا. لا نفس، لا صوت، لا همس. قال لنفسه: «ربما كنتُ متعبًا… ربما العقل يخدع صاحبه حين يطيل السهر.» ومع ذلك، لم يستطع تجاهل الإحساس بأن البيت يراقبه بصبر. قضى يومه محاولًا ترتيب أغراضه، فتح الصناديق القديمة، أخرج كتبًا لم يقرأها منذ سنوات، وصورًا لوالده. توقّف طويلًا أمام صورة قديمة التُقطت أمام هذا البيت نفسه. كان أصغر سنًا، ووالده يقف خلفه، واضعًا يده على كتفه. لاحظ شيئًا لم ينتبه له من قبل. النافذة خلفهما… كانت مفتوحة. مظلمة، بلا ستارة. شعر بوخزة خفيفة في صدره، فأعاد الصورة إلى مكانها، محاولًا تجاهل الفكرة. حلّ المساء ببطء، ومعه عاد ذلك الصمت الثقيل. أعدّ آدم عشاءً خفيفًا، وجلس يأكل دون شهية. كان كل صوت بسيط—احتكاك الملعقة، صوت الكأس—يبدو أعلى من اللازم. وعندما دقّت الساعة الثالثة إلا خمس دقائق، توقف عن الحركة. نظر إلى الساعة مرة، ثم مرة أخرى. لم يكن يعرف لماذا، لكنه شعر بأن شيئًا ما على وشك الحدوث. عند تمام الثالثة… انطفأ المصباح. لم يكن انقطاعًا مفاجئًا للكهرباء، بل انطفاءً هادئًا، كأن أحدهم أدار المفتاح ببطء. بقي آدم واقفًا في مكانه، لا يتحرّك، وعيناه تتأقلمان مع الظلام. ثم سمعها. ليست كلمة… بل نفسٌ طويل، عميق، يخرج من مكان قريب. همس الصوت، هذه المرة بوضوح أكثر من الليلة السابقة: «أنت تسمعني الآن.» ارتجف آدم، لكنه لم يصرخ. لم يهرب. كان الخوف قد تجاوز مرحلة الصدمة، ودخل مرحلة الإدراك. قال بصوت متكسّر: – «من أنت؟» ساد صمت قصير، ثم جاء الرد… ببطء: «ساكن.» أضاء المصباح فجأة، كما انطفأ من قبل. عاد كل شيء إلى حاله. لكن آدم لم يعد كما كان. جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط، وأنفاسه متسارعة. لم يكن الصوت عدائيًا، ولم يكن غاضبًا… كان هادئًا، واثقًا، كأنه يعرف أن الوقت يعمل لصالحه. في تلك اللحظة، أدرك آدم أن ما يحدث لن يختفي بالتجاهل. وأن الهمسة… لم تكن تحذيرًا. كانت بداية.