الفصل الخامس والعشرين
مراد كان قاعد على رأس التربيزة في غرفة الاجتماعات الكبيرة، الإضاءة كانت مسلطة على شاشات العرض والمهندسين بتوع البرمجة شغالين رغي وكلام ملوش آخر عن الـ "Source Code" والـ "System Architecture" وأفكار جديدة للشراكة. لكن مراد؟ مراد كان في كوكب تاني خالص.
عينيه كانت ثابتة على الملف اللي قدامه، بس عقله كان شغال "رادار" بيدور على رزان اللي كانت قاعدة في طرف التربيزة، ماسكة النوت بوك وبدون أي تعبير بتسجل الملاحظات. مراد كان بيجلد نفسه داخلياً: "يا ترى أجيب لها ورد؟ لا، الورد مش هيمسح الكلمة اللي قلتها.. طب أعتذر قدام الكل؟ لا، دي تكسفها أكتر.. طب أسفرها؟ ماهي مش طماعة زي ما قلت يا غبي!"
كل فكرة تيجي في دماغه يرفضها، حاسس إن مفيش "كود" في البرمجة كلها يقدر يحل المشكلة اللي هو وقع فيها. السكات عمّ القاعة فجأة، ومراد لسه باصص للورق وشارد، لحد ما بشرى اللي كانت قاعدة جنبه مالت عليه ووشوشت له بصوت واطي
"مراد بيه.. مراد! الجماعة مستنيين رأيك، المهندس بيسأل لو نعتمد التحديث ده ولا نأجله؟"
مراد انتبه فجأة وحس بوشه بيسخن، حمحم بسرعة وعدل قعدته وحاول يلم الليلة، مكنش ينفع طبعاً يقولهم
"والله يا جماعة اعذروني، أصل أنا كنت بفكر إزاي أصالح مراتي اللي قافلة مني ومش طايقة تسمع صوتي بسبب لساني اللي عايز قطعه."
بص حواليه بسرعة ولقى رزان بتبص له زيها زي بقية الموظفين، بس نظرتها كانت "خالية" تماماً، نظرة برود مرعب خلاه يحس إنه غريب عنها فعلاً. قال بصوت حازم عشان يداري ارتباكه
"تمام.. الأفكار كويسة، بس محتاجين دراسة أكتر للجدوى. الاجتماع انتهى والكل يقدر يتفضل على مكتبه، والتقارير توصلني بكرة الصبح."
الكل قام وبدأوا يلموا حاجتهم، ورزان كعادتها من الصبح، كانت أول واحدة تلم نوت بوكها وتقوم. مالت على بشرى بابتسامة "مصطنعة" وقالت لها
"أنا هروح مكتبي أشوف بقية المواعيد يا بشرى." وسابت مراد واقف مكانه، حتى ما بصتش في اتجاهه، وخرجت بخطوات سريعة ومنتظمة وكأن وجوده في القاعة زي عدمه.
مراد فضل واقف مكانه، باصص لأثرها وهي خارجة، والخنقة بتزيد في صدره. "الجدار" اللي سامر قال عليه مش بس اتبنى، ده بقى مسلح بالأسمنت .
______
أسبوع كامل مرّ على مراد وكأنه سنة سجن. أول ما طلع من مكتبه في آخر يوم، بص على مكتب رزان لقاه ضلمة، عرف إنها خلصت ومشت "كالعادة" من غير ما تقوله أو تستناه. ودع بشرى بكلمتين مقتضبين وركب عربيته، ولأول مرة مراد يحس بـ "فراغ" بينهش في قلبه.
بالعادة، حتى في عز خناقاتهم في البداية، كانت رزان بتبقى مالية عليه العربية؛ بضحكتها، بحكاويها اللي مابتخلصش، بردودها اللي كانت بتعصب مراد وتضحكه في نفس الوقت، أو حتى وهي قاعدة بتبص من الشباك وسرحانة.. لكن دلوقتي، الكرسي اللي جنبه "فاضي"، والوحدة كانت بتخنقه أكتر من أي وقت فات.
الحال ده فضل مستمر أسبوع كامل، ومراد كان هيجنن خلاص. رزان بقت "ساعة مظبوطة"؛ تطلع تركب المواصلات، وهو يمشي وراها بالعربية زي "الضل" عشان يتطمن عليها من بعيد لبعيد، ولما يوصل الفيلا، يدخل يدور عليها يلقاها دخلت أوضتها وقفلت على نفسها، وادعت إنها نامت عشان بس "ماتشوفش وشه".
لحد ما جه يوم الإجازة.. مراد كان قاعد في الليفينج بيحاول يركز في كتابه، لما رزان وقفت قدامه فجأة بجمود وقالت له
"أنا عايزة أروح بيت ماما أقضي عندها ليلة."
مراد في اللحظة دي غريزة العناد عنده اشتغلت، كان عايز يقولها "مفيش خروج"، وكان عايز يزعق ويقولها "إنتي مراتي ومكانك هنا"، بس افتكر "الجدار" اللي لسه بيحاول يهده، فبلع رده وقال بهدوء وهو بيحاول يكسب ودها
"تمام يا رزان.. روحي، تحبي أوصلك؟ وبالمرة أسلم على طنط، بقالي كتير ماشفتهاش وهي دلوقتي في مقام حماتي."
رزان ردت برفض قاطع ونظرة باردة
"لا، شكراً.. مفيش داعي لكل الغلبة دي، أنا هروح لوحدي."
مراد اتنفس بضيق وسكت وهو شايفها بتدخل تجيب شنطة صغيرة فيها حاجاتها الأساسية، وخرجت من الفيلا من غير ما تبص وراها ولا حتى تقوله "سلام". مراد فضل واقف ورا إزاز الشباك، مراقبها وهي ماشية لحد ما اختفت، وحس إن البيت فجأة بقى "قبر" واسع.. رزان مخدتش معاها شنطتها بس، دي خدت "الروح" اللي كانت في البيت وسابته هو يواجه ضلمة أفكاره لوحده.
_____
رزان راحت بيت مامتها وهي حاسة إنها محتاجة تشم هوا نظيف بعيد عن ضغوط مراد، وبعيد عن "لخبطة" مشاعرها. كانت عايزة تقعد مع نفسها وتفكر في الـ "القرار" النهائي.. هل الجواز ده له مستقبل؟ ولا "الكسر" اللي عمله مراد في كرامتها ملوش علاج؟
أول ما وصلت، غيرت هدومها ولبست لبس البيت المريح، وراحت المطبخ لمامتها "رتيبة" اللي وحشتها جداً. كانت رتيبة واقفة بتغسل الخضار، ورزان بدأت تساعدها وهي بتخطط لسهرة هادية "بناتي" يفتحوا فيها قلبهم لبعض.
فجأة، الباب دق.
رزان بصت لمامتها باستغراب
"إنتي مستنية حد يا ماما؟"
رتيبة ردت ببساطة
"لا يا بنتي، تلاقيها فهرية جارتنا جاية تطمن عليا زي عوايدها، روحي افتحي لها يا رزان."
رزان راحت فتحت الباب بابتسامة وهي فاكرة إنها فهرية، لكن الابتسامة اتجمدت على وشها، وعينيها وسعت من الصدمة. قدامها كان واقف "مراد شاكر" بكامل أناقته وكاريزمته، لابس قميص كاجوال شيك، وماسك في إيده شنط مشتريات كتير وعلبة كعك فخمة.
رزان قلبها بدأ يدق بسرعة؛ مشاعرها كانت خليط بين الغيظ منه لأنه "اقتحم" مساحتها الخاصة، وبين شعور خفي بالانتصار إنه مقدرش يقضي ليلة واحدة من غيرها، وبين خوف إن مامتها تلاحظ حاجة. سألته بصوت واطي ومستنكر
"إنت.. إنت إيه اللي جابك هنا؟"
مراد رد ببرود وثقة، وابتسامة هادية مرسومة على وشه "جيت أزور نسيبي وأطمن على حماتي.. ولا ممنوع؟"
في اللحظة دي، رتيبة قربت عشان تشوف مين اللي على الباب، وأول ما شافت مراد، وشها نور واندهشت جداً
"يا خبر أبيض! مراد يا بني؟ أهلاً أهلاً يا حبيبي، نورت البيت!"
مراد سلم عليها بمنتهى الوداعة والاحترام، ورتيبة لفت لرزان ولقطت وشها المقلوب، فدبتها "كوع" في جنبها وقالت بلوم
"جرى إيه يا رزان؟ سايبة جوزك واقف على الباب كدة ليه؟ وبعدين يا خايبة، لسه واصلة من ساعة وما قلتيش إن مراد جاي وراكي ليه؟ كنت عملت حسابي في العشا!"
مراد دخل وهو بيخلع جزمته بأدب وسأل رتيبة
"أحط الحاجات دي فين يا أمي؟"
رتيبة بصت لرزان تانى بتوبيخ
"ما تاخدي من جوزك الحاجة يا بنتي! واقفة تتفرجي عليه وهو شايل ده كله؟"
رزان أخدت منه الشنط بضيق واضح، ونفخت بصوت مكتوم وهي بتبصله نظرة "توعد"، أما مراد فغمز لها بطرف عينه من ورا ظهر مامتها وكأنه بيقولها "شفتي بقى؟".
رتيبة أخدت مراد من إيده للصالة وهي بتمطر عليه عبارات الترحيب
"يا حبيبي تعبت نفسك ليه بكل الحاجات دي؟ ده إنت كفاية طلتك علينا!"
رزان اللي كانت ناوية تساعد مامتها بس، لقت نفسها فجأة هي "المشرفة الرسمية" على المطبخ والعشا، لأن رتيبة قررت إنها لازم تقعد "تضايف" مراد. مراد كان قاعد ومنبسط جداً، وبدأ يستعرض مهاراته في "كسب القلوب".
هو أصلاً كان محبوب في الحي من زمان بأخلاقه ومساعدته للكل، ودلوقتي في نظر رتيبة بقى "البرنس" جوز بنتها.
قعدوا يتكلموا، ورتيبة بتسأله عن أحوال مامته "آسيا" ورنيم، وهو بيرد بمنتهى اللباقة والهدوء، وعينه كل شوية تروح على المطبخ يراقب رزان وهي بتتحرك بغيظ، وحاسس بانتصار لذيذ إنه قدر يوصل لها في أكتر مكان كانت فاكرة إنها هتهرب فيه منه.
الوقت كان بيمر، ومراد كان قاعد مع رتيبة فاتحين مواضيع من أيام ما كان ساكن في الحي لحد النهاردة، والضحكة مش مفارقة وشهم، ولما جه وقت العشا، رزان حطت الأكل وهي "مكشرة" زيادة، وبترزع الأطباق بخفة كأنها بتقوله "كل وخلصنا". غيظها زاد لما لقت مامتها نسيت إن بنتها وحشاها، وبقت كل كلمة والتانية "كُل يا مراد يا حبيبي"، "دوق دي يا مراد دي من إيد رزان".
رزان كانت قاعدة على نار، مستنية اللحظة اللي يخلص فيها العشا عشان يلم نفسه ويمشي، لكن مراد بكل "برود" قعد للتحلية، وفتح علبة الكعك اللي جابها وبدأ ياكل ويشيد بجمال قعدة الحي الشعبي. رزان بصتله وقالت بجملة مجاملة ملغومة
"نورت يا مراد، بجد تعبناك بالمشوار ده، والوقت سرقنا والليل ليل.. أكيد وراك شغل بدري بكرة ومحتاج ترتاح في بيتك."
كانت فاكرة إنها كدة "بتطرده بشياكة"، لكن الصدمة نزلت عليها لما رتيبة لفت اتمسكت في دراعه وقالت بحزم
"يروح فين يا بنتي؟ إنتي اتجننتي؟ الدنيا ضلمت والطريق مقطوع، لا والله ما يحصل! مراد هيبات معانا الليلة دي، والبيت بيته."
مراد مكدبش خبر، وابتسم ابتسامة خبيثة داراها في شرب الشاي وقال
"والله يا طنط أنا ما يفرقش معايا، ده أنا ما صدقت لقيت لِمة حلوة زي دي.. وبعدين أنا وحشني هدوء الحي ده، والواحد عايز يسترجع ذكريات زمان والعيشة البسيطة بعيد عن دوشة القاهرة."
رتيبة بصتله بحسرة وتأثر
"يا حبيبي يا ابني، طول عمرك أصيل ومابينساش أصله."
رزان قوصت شفايفها وهي مش شايفة غير انه بيمثل على الاصول . قامت وقفت مرة واحدة كأنها ملسوعة، رتيبة سألتها
"رايحة فين ؟"
ردت رزان بغيظ مكتوم
"رايحة أجهز له الصالة ينام فيها مادام هيبيت."
رتيبة استنكرت بصوت عالي
"صالة إيه يا بت ؟ وأوضتك مالها؟"
رزان اتصدمت وبرقت عينيها
"ينام في أوضتي؟ مستحيل يا ماما!"
رتيبة كشرت باستغراب
"مستحيل ليه؟ ده جوزك يا بنتي، والناس المتجوزة بتنام مع بعض عادي، إنتي هتعملي فيها عروسة خجلانة؟"
هنا مراد دخل بـ "تمثيلية" عبقرية وقال
"لا يا طنط، رزان عندها حق.. السرير بتاعها في أوضتها القديمة صغير، وأنا مش عايز أضايقها، سيبوها تاخد راحتها وتسترجع أيام ما كانت بنت عيلة في الأوضة دي، وأنا الصالة هنا عندي بالدنيا."
رتيبة رغم إنها مكنتش مقتنعة، بس قالت
"مادام جوزك راضي يبقى إنتي حرة يا رزان، بس والله ما حد هيفرش الصالة غيري." وقامت رتيبة تجهز الكنبة رغم اعتراض مراد "الشكلي".
أول ما رتيبة دخلت تجيب الغطا، رزان قربت من مراد وهمست بغضب وزعيق مكتوم
"إنت بتعمل إيه؟ وإيه اللي جابك ورايا هنا؟ إنت عايز توصل لإيه بالظبط؟"
مراد وقف وواجهها، وقرب منها لحد ما بقى وشها في وشه وهمس برزانة
"إحنا بقالنا أسبوع ما بنتكلمش يا رزان، وأنا مش قادر أوصلك ولا إنتي مدياني فرصة أنطق بكلمة.. فكان لازم أجيلك في المكان اللي مابتعرفيش تهربي فيه مني."
رزان بصتله بقسوة ووجع
"مفيش حاجة تتقال يا مراد، إحنا مش نافعين لبعض.. الحكاية خلصت من ليلة الحفلة، وإنت بتضيع وقتك ووقتي على الفاضي."
مراد رد بنبرة فيها إصرار
"أنا وقتي مش ضايع طول ما أنا بحاول أصلح اللي انكسر.. والوقت هو اللي هيثبتلك مين فينا اللي صح."
دخلت رتيبة وقالت بفرحة
"يلا يا مراد يا حبيبي، الصالة جاهزة، تصبحوا على خير يا ولاد."
رزان انسحبت فوراً لأوضتها وقفلت الباب وراها، اترمت على سريرها وهي بتنهج من التوتر، وقلبها بيدق زي الطبل.. بدأت تفكر في ملمس إيده، في كلامه، وفي القهر اللي حسته، وفضلت تأكد لنفسها
"لا يا رزان.. ماتضعفيش، إحنا مش نافعين لبعض.. القرار ده نهائي."
______
رزان فضلت تتقلب في سريرها، تمسك الموبايل وتسيبه، تحاول تهرب من التفكير في "مراد" اللي نايم ورا الباب بشوية خطوات، لحد ما حسست بريقها ناشف. قامت بهدوء، وطلعت على طراطيف صوابعها ناحية المطبخ. وهي معدية، عينها راحت غصب عنها على الصالة.. كانت ضلمة، وهو نايم على ضهره على الكنبة، ملامحه هادية في النوم وشكله "مسالم" لدرجة توجع القلب.
دخلت المطبخ شربت المية، وهي راجعة، رجلها سحبتها ناحيته.. وقفت تتأمل ملامحه في الضلمة. فكرة إنهم في مكان واحد بس "بعاد" عن بعض كانت وجعاها وهي مش عايزة تعترف. أول ما حست إن قلبها هيلين قررت تبعد وتدخل أوضتها قبل ما تضعف، لكن لقت إيد قوية تسحبها و اتلفت حوالين وسطها، وفي ثانية كانت مسحوبة ومحشورة في حضنه على الكنبة الضيقة.
شهقت بخضة وحاولت تقوم
"مراد! إنت صاحي؟ سيبني يا مراد بدل ما.."
مراد شدد من مسكته وحاوطها بجسمه الضخم وبقى "كاتم" حركتها تماماً، وهمس في ودنها بصوت مبحوح "بدل ما إيه؟ لو زعقتي هتصحي مامتك بس، وإنتي مش عايزين فضايح."
رزان بلعت ريقها بتوتر
"سيبني يا مراد، إنت كدة بتخنقني."
رخى إيده شوية بس ماسابهاش، وفضل متبت فيها.
"مراد.."
"أيوه.."
"سيبني.."
"مش هسيبك غير لما تسمعيني يا رزان."
اتنهدت بقهر وقالت
"حتى لو سمعت، مفيش حاجة هتتغير.. إحنا مش نافعين لبعض يا مراد، حتى لو كملنا هنفضل نوجع في بعض. أنا هفضل أتوجع كل ما تشكك فيا وتقول عايزة فلوسك، وإنت هتفضل تتوجع كل ما تبص لي وتفتكر إني سيبتك زمان.. هنفضل نلف في دايرة وجع، ودي مش علاقة، ده تعذيب."
مراد سكت لحظة، وبعدين عدل نفسه شوية وبص في عينيها وقال برزانة وهدوء
"رزان.. الوجع اللي فات كان سببه إننا كنا بعاد، كان سببه غبائي وإني مديت ودني للشيطان. لو فضلنا خايفين من الوجع، عمرنا ما هنعيش. أنا عارف إني جرحتك، وعارف إن الكلمة كانت زي السم، بس والله العظيم ما كانت طالعة من قلبي.. كانت طالعة من كرامة راجل اتكسر زمان ومبقاش مصدق إن الدنيا ممكن تضحك له تاني. أنا مش عايز وجع، ولا عايز فلوس، ولا عايز شركات.. أنا عايز رزان اللي كانت بتضحك لي زمان، رزان اللي وجودها بيطمن قلبي. لو هنسيب بعض عشان خايفين نتوجع، يبقى إحنا بنموت نفسنا وإحنا عايشين."
رزان بصتله بضعف وكررت بوهن
"بجد مش نافعين يا مراد.."
مراد مقال ولا كلمة، لكنه مال وباسها بوسة خفيفة جداً على طرف شفايفها. شهقت وحاولت تدفعه، لكنه رجع باسها تاني مع كل كلمة اعتراض كانت بتقولها، لحد ما مقاومتها بدأت تدوب، ولقت نفسها بتستسلم وبتبادله "اللهفة" وسط سكون الصالة وضلمتها.
بعد عنها شوية وهمس وهو لسه محاوطها بمرح
"أهو.. طلعنا نافعين و أوي كمان."
رزان وشها سخن من الحرج وقالت بصوت مهزوز
"مراد بس إنت.."
قطع كلامها بحزم وحب
"لا بس ولا غيره.. أنا مش عايز أفهم إنتي سيبتيني ليه زمان، ولا عايز أعرف أعذار، ولا يهمني الماضي بكل قرفه. أنا عايز نكون سوا النهاردة وبكرة.. مش عايز حد تاني غيرك يا رزان. وأوعدك.. أوعدك إني هكون ليكي السند اللي بجد، وعمري ما هسمح لظنوني تهز ثقتي فيكي تاني.. هعوضك عن كل دمعة نزلت بسبب كلمتي الغبية."
رزان كانت بتسمع وقلبها بيرقص، وعينيها غصب عنها دمعت. مراد مد إيده ومسح دموعها بحنان وقالها
"اديني فرصة يا رزان.. فرصة واحدة نبدأ فيها من غير ما نفتح جراح قديمة.. أنا بحبك.. لا، أنا بعشقك يا رزان. أنا مكنتش متخيل إني هعترف لك كدة وإحنا في صالة بيتك القديم وعلى كنبة مكسرة، كنت مخطط لحاجة تانية خالص.. بس الظاهر إن ده المكان اللي قلبي ارتاح فيه بجد."
رزان حنت خدها على إيده بتسليم، وحست إن كل الجدران اللي بنتها انهارت في لحظة قدام صدق عينيه، همست له بحب
"وأنا كمان بحبك يا مراد.. بحبك أوي."
ورمت نفسها في حضنه، ومراد ضمها ليه بقوة كأنه بيحبسها جوا ضلوعه عشان ما تضيعش منه تاني، والمرة دي الحضن مكانش فيه "وجع"، كان فيه "وعد" ببداية جديدة حقيقية
_____
فضلوا في حضن بعض على الأريكة الضيقة أكتر من نص ساعة، والسكوت كان هو سيد الموقف، مفيش غير صوت أنفاسهم الهادية ودقات قلبهم. مراد ميل راسه وباس قمة راسها وسألها بخفوت وحنان
"لسه مش عارفة تنامي "
ضحكت رزان ضحكة رقيقة ورفعت عينيها ليه
"أنام إيه بس! أنا حاسة إن قلبي بيدق زي الطبل، ومصحصحة كأنه الصبح بالظبط."
مراد ضحك بصوته كله ورد بهمس
"والله ولا أنا.. والوضع ده كدة مش بيساعد خالص، الوقت اتأخر وإحنا هنا في بيت مامتك يعني محكومين." مسح على شعرها بآسف وكمل "لو كنا لوحدنا في الفيلا كنت خدتك وطلعنا نتمشى على النيل نشم هوا.. بس هنا مفيش في إيدينا حاجة."
رزان فكرت لحظة، ولمعت في عينيها فكرة شقية، قالت له "طب ما تيجي أوريك أوضتي؟"
مراد رفع حاجبه وبصلها نظرة فيها مكر وغموض، فضحكت وقالت بسرعة
"ما تخليش دماغك تروح لبعيد يا مراد! أنا قصدي أوريك المكان اللي كبرت فيه، إنت عمرك ما شفت أوضتي من جوه قبل كدة."
وقبل ما ينطق، كانت فلتت من حضنه بخفة، عدلت لبسها ومدت إيدها تسحبه من على الكنبة. مشي وراها زي المسحور لحد ما دخلوا الأوضة وقفلوا الباب بهدوء "حرامية". الأوضة كانت صغيرة وبسيطة، بس رزان كانت ملمعة كل ركن فيها ومرتباها بذوقها الرقيق.
بدأت توريه "تاريخها" كله؛ دفاتر المدرسة اللي خطها فيها لسه طفولي، ألعابها القديمة، صورها وهي صغيرة بضفائر. مراد كان بيبص لكل حاجة بتركيز وانبهار، عينيه كانت بتلمع وهو بيستكشف تفاصيل البنت اللي حبها، وكأنه بيقرأ كتاب حياتها صفحة صفحة. كان حاسس إن الصبح فعلاً طلع جوه الأوضة دي من كتر الطاقة والحب اللي فيها.
فجأة رزان افتكرت حاجة، سابت إيده ونزلت على ركبها قدام السرير، وطلعت من تحتيه "صندوق الأسرار" الخشبي. فتحته ببطء وطلعت منه "دب محشو" لونه أحمر، قديم شوية بس لسه محتفظ بجماله. وقفت قدام مراد وهي ضامّاه لصدرها وقالت
"فاكر ده؟"
مراد اتصدم، عينيه وسعت بذهول وقال
"ده الدبدوب اللي جبتهولك في أول عيد حب لينا؟ إنتي لسه شايلاه يا رزان؟"
رزان هزت راسها بحنين
"ده كان أغلى حاجة عندي.. نمت بيه سنين، وكنت بضحك على ماما وأقولها إني أنا اللي اشتريته عشان ما تشكش في حاجة."
مراد ضحك من قلبه وسحبها من إيدها قعدها على طرف السرير وهي لسة شايلة الدب في حضنها ، وميل براسه عشان يكون وشها في وشها بالظبط، وثبت عينيه في عينيها وقال بوعود صادقة
"أوعدك إني هيجيبلك أحسن منه ألف مرة، وهجيبلك كل اللي تتمنيه.. والمرة دي هتقولي لكل الناس بقلب جامد إن مراد جوزك هو اللي جابه."
رزان ابتسمت برقة، وبادرت هي المرة دي وباسته بوسة رقيقة على خده. مراد مكدبش خبر ورد لها البوسة، فضحكت وباسته تاني وتحول الموضوع لـ "تحدي" لذيذ ومناقرة بالبوس والضحك، لحد ما رزان فقدت توازنها وطاحت بضهرها على السرير، ومراد انحنى فوقيها وهو محاوطها بإيديه.
رزان بلعت ريقها بتوتر وهي شايفة نظرة الرغبة والحب في عينيه، مراد ابتسم بسخرية محببة وقالها
"وريني بقى جرأتك دي راحت فين دلوقتي؟"
لكن رزان صدمته بجد؛ رفعت راسها بسرعة وخطف بوسة من شفايفه خلت مراد يفقد آخر ذرة سيطرة على نفسه.
في اللحظة دي، مراد مابقاش شايف ولا سامع غيرها، والاتنين استسلموا لبعض تماماً.. كانوا محتاجين الليلة دي عشان يدوبوا كل الخلافات والوجع، ويبقوا "كيان واحد" وجسد واحد، في ليلة كانت بدايتها عتاب ونهايتها حب ملوش حدود.