الفصل الخامس: قلب الفندق
سامي توقف للحظة أمام المدخل الكبير للغرفة الأخيرة، غرفة لم ير مثلها من قبل.
الجو كان ثقيلاً لدرجة أن كل نفس يأخذه كاد يختنق به.
الظلال في الممرات بدأت تتحرك بشكل أسرع، تتشابك مع بعضها، وكأنها تستعد للانقضاض.
دخل الغرفة، وإذا بها قاعة هائلة، سقفها مغطى بالنجوم الزائفة، لكن كل نجمة تتلألأ باللون الأحمر الداكن، وكأن السماء تمطر دماء حمراء كثيفة.
أصوات همسات قوية بدأت تأتي من كل مكان، بعض الهمسات واضحة جدًا:
— “الآن… لن يكون هناك عودة.”
— “هذا المكان… يبتلع كل من يجرؤ على دخوله.”
في منتصف القاعة، كان هناك عرش قديم، محاط بمرايا طويلة.
كل مرآة تعكس نسخة مختلفة من الفندق… وبعض النسخ مليئة بالظلال المتحركة.
اقترب سامي من العرش، والظلال تتجمع خلفه، تحيط بكل حركة، بكل خطوة.
فجأة، ظهر شبح واحد كبير من بين المرايا، وجهه شاحب جدًا، عيونه متوهجة، يبتسم ابتسامة تجعل الهواء يشتد حوله.
همس بصوت مخيف:
— “أهلاً بك في قلب الفندق… هنا تكشف الأسرار، وهنا يختبر الظلام إرادتك.”
سامي شعر بالدوار، وكأن الأرض تتحرك، وكأن كل الجدران تتقوس عليه.
بدأت المرايا تصدر أصوات صرير قوية، وكأنها تصرخ وتشتكي من دخوله.
الظلال تتراقص على الأرض والجدران، تتحرك بحرية، بعضها يقترب، وبعضها يبتعد بطريقة مخيفة للغاية.
فجأة، بدأ شيء يسقط من السقف… قطرات حمراء كثيفة، تجعل الجو مشحونًا بالرعب وكأن السماء تمطر دماء بشكل مبالغ فيه، كل قطرة تصنع صدمة على الأرضية، والهمسات تزداد حدة.
اقترب سامي من العرش، وأمسك بكتاب قديم موضوع عليه نقوش غريبة.
بدأ يقرأ بصوت منخفض، والكلمات تتحرك على الصفحات، تظهر رموزًا غريبة تشع ضوءًا أزرق باهت.
الظلال بدأت تتكثف، تتحرك أسرع، بعضها يظهر كشبح آخر، يقف أمام سامي مباشرة.
همس الصوت مرة أخرى:
— “كل من يقرأ التعويذة يصبح جزءًا من الفندق… هل أنت مستعد لمعرفة الحقيقة؟”
سامي شعر بقوة تهزه من الداخل، كأن الفندق نفسه يختبره، يختبر إرادته، خوفه، وذكاءه.
كل خطوة يخطوها كانت تزيد من قوة الظلال، وكل وهم يظهر أمامه يجعل قلبه يخفق بسرعة.
فجأة، ظهرت جميع المرايا في القاعة دفعة واحدة، وكل نسخة منه في المرايا تتحرك بشكل مستقل.
النسخة الأساسية بدأت تذوب في الظلال، والنسخ الأخرى بدأت تهمس بأصواته:
— “لن تهرب… لن تخرج… جزء من الظلام الآن.”
سامي تراجع خطوة، لكنه رأى ضوءًا ضعيفًا في زاوية العرش.
ركض نحوه، والظلال تتقافز حوله، همسات تصرخ من كل زاوية:
— “اذهب… لا يمكنك النجاة…”
عندما وصل إلى الضوء، وجد مرآة ضخمة مختلفة عن البقية، تعكس صورة الفندق كما كان منذ زمن بعيد، مليء بالناس، الضحك، والفرح.
أدرك سامي فجأة أن الفندق يعيش على الرعب والظلام، وأن كل من دخل أصبح جزءًا منه، وكل ظل وكل همسة كان اختبارًا لعقله.
همس الصوت الأخير بحدة:
— “الآن تعرف الحقيقة… إما أن تصبح جزءًا من الفندق… أو تخرج، لكن لا أحد يضمن سلامتك بعد ذلك.”
سامي أخذ نفسًا عميقًا، وجمع شجاعته، وقرر الخروج من القاعة رغم كل الظلال والأشباح والهمسات المخيفة.
بدأ الممرات تتحرك حوله، كل خطوة صعبة، وكل ظل يلاحقه، لكن الضوء الصغير من المصباح بدا يوجهه نحو مخرج محتمل.
ركض بلا توقف، المرايا، الظلال، الهمسات… كل شيء كان يتغير باستمرار، وكل غرفة جديدة كانت أكثر رعبًا من السابقة.
وأخيرًا، بعد ساعات شعرت وكأنها دهر، رأى ضوء الفجر يلمع من نافذة قديمة.
اندفع نحوها، والظلال تتلاشى تدريجيًا، والهمسات تصبح أقل، وكأن الفندق نفسه يتركه يهرب.
عندما خرج إلى الهواء الطلق، شعر بأن قلبه ما زال يخفق بشدة، والسماء الحمراء الداكنة بدأت تتلاشى، تاركة أثرًا من الرعب في ذهنه.
نظر خلفه، والفندق يقف صامتًا، ضخمًا، وكأن شيئًا بداخله ينتظر أي فضولي جديد.
سامي عرف أن الفندق لم ينتهِ، وأن كل خطوة، كل رحلة، كل فضول، ستعيده دائمًا إلى قلب الظلال… إلى قلب الرعب الذي لن ينساه أبدًا.
اختفى الشبح الأخير في الظلال، والهمسات توقفت، لكن أثرها بقي…
سامي شعر أن الفندق أصبح جزءًا منه، وأن الرعب الذي عاشه لن يزول أبدًا.
أخذ نفسًا عميقًا، ومشى بعيدًا عن الفندق، لكنه شعر بأن عيونه تراقب كل حركة، والظلال تتبع كل خطوة.
تعلم درسًا مهمًا: الفضول يمكن أن يقود إلى أماكن لا يفهمها العقل، وأن بعض الأسرار يجب أن تبقى مخفية إلى الأبد.
وهكذا انتهت رحلة سامي في فندق الظلال… لكن الفندق… لم ينتهِ أبدًا.