الفصل الرابع: قاعة الظلال
بعد ما قضى سامي ساعات يتنقل بين الممرات والمرايا والهمسات، شعر أن الفندق أصبح كائن حي يراقبه.
كل خطوة يخطوها تصدر صدى طويل، وكأن الأرض نفسها تتنفس.
الضوء أصبح ضعيفًا للغاية، والظلال تحركت بشكل مستقل، وكأنها تنتظر أي حركة صغيرة منه.
وصل إلى باب ضخم مكتوب عليه بخط غامق:
— “قاعة الظلال”
كان الباب يئن ويصر عندما دفعه ببطء، وكأن الصوت نفسه يحذره من الدخول.
داخل القاعة، كل شيء كان مظلمًا بشكل مبالغ فيه، لكنه كان يشعر بحركة ما حوله.
فجأة، ظهر شبح واحد أمامه مباشرة، شبه شفاف، لكن ابتسامته كانت كافية لتجميد الدم في عروقه.
همس بصوت عميق:
— “أهلاً بك… لقد وصل الوقت لتعرف السر الحقيقي للفندق.”
سامي شعر أن الأرض تحت قدميه بدأت تتحرك، وكأن القاعة نفسها تتحول إلى بحر من الظلال.
أصوات همسات عديدة بدأت تأتي من كل مكان، بعضها قريب جدًا من أذنه:
— “لماذا جئت؟ لن تخرج أبدًا…”
حاول الابتعاد، لكنه شعر بأن الظلال تحيط به من كل جانب، تتشابك مع بعضها، وكأنها تحاصره.
وفي اللحظة نفسها، سقطت قطرات ثقيلة من السقف، ليس ماء، ولكن شعور وكأن السماء تمطر دماء على الأرضية، كل قطرة كأنها صدمة مفزعة.
ركض سامي نحو باب آخر، لكنه اكتشف أن كل باب يؤدي إلى نفس القاعة، ولكن من زوايا مختلفة.
كلما تحرك، الظلال تتغير، تبتعد قليلاً ثم تعود بقوة أكبر، وكأنها تعلم كل خطوة يخطوها.
اقترب من مرآة كبيرة في القاعة، ورأى انعكاسه… لكن لم يكن وحده.
خلفه ظل شبح آخر، أطول وأشرس، يتحرك بحرية على الجدار، ثم اختفى فجأة.
همس الصوت:
— “لا تحاول الهروب… لقد أصبحت جزءًا من الفندق.”
فجأة، بدأت القاعة تهتز وتتحرك، الأرضية ترتجف، الجدران تتقوس، وكأن الفندق نفسه يتفاعل مع خوفه.
كل خطوة يخطوها سامي كانت أكثر صعوبة، وكأن الظلال تحاول دفعه إلى مكان معين.
سمع صرير الأبواب القديمة من بعيد، ثم ضحك خافت جاء من كل زاوية، ضحك يبدو غريبًا ومخيفًا.
اقترب الصوت منه، ثم همس:
— “القادم… هو الذي يقرر مصيرك.”
شعر سامي بشيء يلمس كتفه، التفت… لا أحد.
لكن ظلًا طويلًا ظهر على الأرض، وكأنه يمتد من السماء نفسها.
الدهشة والخوف جعلاه يقفز، لكنه وقع أرضًا، والظلال بدأت تلتف حوله، تقترب أكثر وأكثر.
ثم ظهر شبح آخر في منتصف القاعة، شفاهه تتحرك بلا صوت، لكن سامي شعر بالكلمات:
— “هل تحب التحدي؟… أم تفضل أن تصبح جزءًا من الظلام؟”
حاول الوقوف، لكنه شعر بثقل لا يطاق على صدره، وكأن كل الهواء اختفى فجأة.
الغرفة كلها بدأت تتوهج باللون الأحمر الداكن، والهمسات أصبحت صاخبة، وكأن الدماء تتساقط من السماء داخل القاعة، لكن بلا وصف مباشر.
في الزاوية البعيدة، لمح بابًا صغيرًا مضاء بضوء ضعيف.
ركض نحوه، والظلال تطارده بسرعة، وكأنها تلاحقه لتمنعه من الهروب.
وصل الباب وفتحه، ليجد نفسه في ممر جديد لم ير مثلها من قبل، أوسع وأطول، مع مرايا على الجانبين تحاكي خطواته.
كل مرآة تظهر له نسخة مختلفة من نفسه، بعض النسخ مبتسمة، وبعضها خائفة، وبعضها شبه مختفية في الظل.
همسات جديدة بدأت تملأ الممر:
— “كل خطوة تقودك إلى الحقيقة… أم إلى النهاية؟”
سامي شعر بارتعاش شديد، لكن الفضول دفعه للاستمرار.
الممر امتد بلا نهاية، والضوء من المصابيح ضعيف جدًا، وكأن كل خطوة تقربه أكثر من أسرار الفندق المظلمة.
فجأة، انفتحت جميع المرايا في نفس الوقت، وظهر فيها شبح واحد كبير، يبتسم ابتسامة مخيفة، يهمس بصوت مرتفع:
— “أهلاً بك في قلب الفندق… الآن، ستعرف من يحكم الظلال!”
ركض سامي بسرعة، الظلال تتبعه، وهمسات الموت حوله، وكل خطوة تزيد الرعب أكثر وأكثر.
شعر أن الأرض تهتز من تحته، وكأن الفندق نفسه يحاول ابتلاعه.
وعندما وصل إلى نهاية الممر، اكتشف غرفة ضخمة مليئة بالكتب القديمة والخرائط الغامضة.
أدرك أن كل غرفة، كل ممر، وكل ظل… كان جزءًا من اختبار ضخم، وأنه لم يصل بعد إلى السر النهائي للفندق.
في هذه اللحظة، همس الصوت الأخير:
— “تذكر… كل خطوة تقربك من الحقيقة… وكل خطأ يقربك من الظلام الأبدي.”