الفصل الثالث: صرخات الظلال
بعد أن قضى سامي ساعات يتنقل بين الممرات والمرايا، شعر أن الفندق بدأ يتغير من حوله.
كل خطوة يخطوها أصبحت تصدر صدى طويلًا، كأن المكان يتنفس، يتنفس ببطء، ثم فجأة بسرعة رهيبة.
الظلال التي كانت تتبع خطواته في الطابق الثاني، بدأت تظهر على الحوائط، تتحرك بحرية وكأنها كائنات مستقلة.
اقترب من باب خشبي كبير، كان يتأرجح قليلاً وكأن أحداً يضغط عليه من الداخل.
دفع الباب ببطء، وصُدم عندما وجد غرفة واسعة مغطاة بالستائر الثقيلة، والهواء فيها رطب وبارد.
فجأة، سقطت إحدى الستائر، وكأن يد خفية دفعتها، ليكشف عن شكل غريب… ظل شاحب يشبه وجه شبح.
ارتجف سامي، تراجع للخلف، وصرخ، لكن صوته ضاع في الغرفة الواسعة.
همسات خافتة بدأت تدور حوله، تقول:
— “لماذا جئت إلى هنا؟”…
— “لم تفهم بعد… هذا المكان خطير…”
ظل الشبح اقترب منه خطوة خطوة، لكنه اختفى فجأة في الهواء البارد.
وفي اللحظة نفسها، بدأ السقف يتساقط منه قطرات ثقيلة… لم يكن ماء، بل شعور وكأن السماء تمطر دماء، كل قطرة تشبه صدمة للرؤية والسمع، يجعل كل شيء مخيفًا ومحمومًا.
سامي ركض بسرعة، الممرات تتلوى أمامه، الجدران تقترب منه، والأرضية تهتز وكأنها تتنفس.
كل خطوة تزيد من إحساسه بالخطر، وكل ظل على الجدار يبدو وكأنه كائن حي ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.
في أحد الممرات، لمح نافذة صغيرة، ومن خلالها رأى شبح آخر.
كان يرتدي رداءً قديمًا، وجهه شاحب جدًا، لكنه ابتسم ابتسامة باردة تجعل الدم يتجمد في عروقه.
همس الصوت:
— “لن تهرب… لن تستطيع العودة…”
سامي حاول الهروب، لكن الممر بدأ يتغير أمامه، وكأنه يمتد بلا نهاية.
كل باب يفتحه يؤدي إلى ممر آخر أكثر ظلامًا وريبة.
الرعب أصبح ملموسًا، الهواء ثقيل، وهمسات الظلال تحيط به من كل جانب.
فجأة، سقط شيء من السقف مباشرة أمامه… لم يكن ملمسًا صلبًا، لكنه ترك أثرًا أحمر على الأرضية، مثل قطرات دم تتساقط من السماء.
سامي شعر بقشعريرة شديدة، وكأنه أصبح محاصرًا في مكان خطير لا يمكن الهروب منه.
مرّ من غرفة مليئة بالمرايا، وفي كل مرآة كان يرى نفسه يختفي تدريجيًا، بينما ظل الشبح يقترب من انعكاسه.
كل همسة تقول له:
— “الآن… أنت جزء من الفندق… ولا مفر.”
الركض أصبح بلا فائدة، كل ممر يقوده إلى مكان آخر، وكل غرفة تخفي لغزًا جديدًا، وكل ظل يراقبه بلا هوادة.
شعر أن الفندق يختبره، يختبر شجاعته وذكاءه، وكل خطأ صغير يعرضه للمزيد من المخاطر.
اقترب من نافذة أخرى، ومن خلالها رأى مئات الظلال تتحرك في الفناء، تتقاطع وتتماوج كأنها بحر من الأشباح، وكأن السماء تمطر ألوانًا حمراء سوداء.
الصوت المجهول يهمس مجددًا:
— “هذا المكان… للذين يجرؤون فقط… هل أنت واحد منهم؟”
سامي شعر أن قلبه على وشك التوقف، لكنه أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة نفسه.
لكنه لم يستطع، لأن الظلال بدأت تتشكل على الأرض، على الجدران، حوله، وكأنها تخرج من كل زاوية، تنتظر اللحظة المناسبة.
شعر بشيء يلمس كتفه، التفت… لا أحد.
ثم سمع همسًا قريبًا جدًا من أذنه:
— “الآن… اختر مصيرك.”
كان أمامه خياران: مواصلة البحث في الفندق، أو الوقوع في الظلام الأبدي.
في هذه اللحظة، أدرك سامي أن الرعب ليس مجرد ظلال وهمسات، بل مكان حي، ذكي، يختبره ويمتحنه.
كل غرفة وكل ممر وكل ظل… جزء من الاختبار.
وقف دقيقة واحدة، ثم قرر المضي قدمًا، كل خطوة تقترب به من كشف أسرار الفندق…
لكنه لم يعرف بعد، أن الفصل الثالث كان أقوى بكثير من الثاني، وأن الرعب سيصل لذروته قريبًا.
👻