الفصل الرابع والعشرين
صوت الأنفاس في الأوضة كان عالي، أنفاس مليانة برغبة مكتومة وشوق سنين كان هينفجر في لحظة.. لكن فجأة، مراد اتنفض وقام من جنبه وكأنه لمس نار، أو كأنه استوعب "المصيدة" اللي كان هيقع فيها. رزان، اللي كانت نايمة على الوسادة ومسلمة نفسها تماماً، حست ببرودة مفاجئة سكنت جسمها مكان حرارته، فتحت عينيها بحيرة ولقت مراد واقف بيديها ضهره، وبينهج بعنف.
مراد قال بصوت مخنوق وكأنه بيجلد نفسه
"إحنا كدة بنغلط.. إحنا نسينا نفسنا يا رزان.. نسينا الحقيقة!"
رزان بدأت تعتدل في قعدتها، شعرها مبهدل وعلامات ملكية مراد لسه مطبوعة على رقبتها، بصتله بضياع، فكمل هو
"إحنا متجوزين لمصلحة.. أنا اتجوزتك عشان أهرب من جوازة تانية، وإنتي وافقتي عشان ديون خالك.. دي الحقيقة اللي لازم تفضل قدام عينينا."
رزان بصتله بوجع وتعلّق، وردت بصدق
"مش هممني يا مراد.. مش هممني السبب."
مراد بصلها بذهول، وهي كملت والدموع بلمع في عينيها "مش هممني الديون، ولا هممني إحنا بدأنا إزاي.. أنا في اللحظة دي مش عايزة غيرك إنت.. مش عايزة غير حضنك.. أنا عايزة نرجع زي زمان، أو نبدأ من جديد، المهم نكون سوا." وكملت لما شافت انه بدا يتاثر
" انا مش عايزة اندم ثاني ، مش عايزة أضيع الفرصة
خلينا نكون سوا " انهت بترجي حبيبة لحبيبها.
مراد في اللحظة دي عقله "اتسستم" على الغلط، الحب اللي في عينيها فهمه "طمع"، وكلمة "نبدأ من جديد"
" فرصة " ترجمها إنها بدأت تحبه لما بقى "مراد شاكر" الغني، مش مراد بتاع زمان الغلبان. قام وقف ووشه قلب لكتلة من الجليد، وانفجر فيها بكلام زي الرصاص
"أيوة طبعاً.. دلوقتي بقيتي عايزاني! دلوقتي بقيتي عايزة نرجع وننسى الماضي! ما هو مراد بتاع النهاردة غير مراد بتاع زمان اللي سيبتيه عشان مكنش حيلته حاجة.. دلوقتي مراد بقى صاحب شركات، وبقى يلبس ألماس ويركب عربيات، فبقيتي شايفة إن الفرصة دي ماينفعش تضيع، صح؟ بقيتي شايفة إن 'الاستثمار' فيا دلوقتي مضمون!"
رزان اتصدمت، حاولت تقاطعه بذهول
"إنت بتقول إيه؟ مراد إنت فاهم غلط خالص! أنا قصدي إني بحبك إنت، مش فلوسك! أنا قصدي إن اللحظة اللي عشناها دي كانت حقيقية، مش تمثيل.."
لكن مراد كان خلاص الشيطان ركب دماغه، ووجع الماضي خلاه يشوفها بصورة مشوهة، قطع كلامها بصرخة
"بطلي كدب! إنتي مابتتغيريش.. زمان بعتي كل حاجة بيننا عشان اللي يدفع أكتر، والنهاردة بتعملي نفس اللعبة.. أنا كنت مأمل إنك اتغيرتي، قلت يمكن لسه فيه حتة نظيفة جواكي، بس للأسف طلعتي لسه 'مصلحية' وبتعرفي تختاري الشروط اللي تناسبك.. وياسبحان الله، دايماً شروطك بتبدأ وتنتهي عند الفلوس! إنتي لسه بتبيعي نفسك للي يدفع أكتر!"
كلمة "بتبيعي نفسك" كانت القشة اللي قطمت كل حاجة. رزان مابقتش شايفة قدامها، قامت في ثانية وصفعته بالقلم بكل قوتها! قلم هز وش مراد وهز هدوء الأوضة.
عينيها كانت بتطلع شرار والدموع محبوسة في جفونها بصعوبة
"إنت عديت كل الحدود يا مراد النهاردة.. أنا سكتلك كتير، سكت على سمّك وكلامك اللي بيجرح في حقي وفي كرامتي، لكن لحد هنا وكفاية! أنا عمري ما هسامحك على الكلمة دي.. عمري!"
كانت هتحاول تزعق له تاني، بس لقت الجدار اللي باني حوالين قلبه سدّ منيع، دفعته في صدره بنظرة كره مرعبة، وجريت على الحمام وقفلته وراها بالمفتاح.
مراد وقف مكانه مذهول، القلم لسه بيحرق وشه، بس الكلمة اللي قالها كانت بتحرق روحه أكتر.. استوعب في لحظة إنه "عكّ الدنيا" وإنه داس على أغلى حاجة عند أي ست. راح وراها الحمام وحاول يفتح الباب وهو بينادي "رزان! رزان افتحي.. أنا.."
لكن رزان كانت شغلت "المرش" (الدش) بأقصى سرعة فوق راسها، وقفت تحت المية بهدومها، بفستان السواريه المبهدلة، وانفجرت في عياط هستيري. كانت بتشهق بوجع وقهر، وصوت المية كان هو الستار اللي بيغطي صوت انكسارها. في اللحظة دي، رزان اتأكدت إن اللي انكسر بينها وبين مراد مستحيل يتصلح.. هي كانت مستعدة تفتح صفحة جديدة، وهو صدمها بحقارته وظنونه السودة.
_____
طلعت رزان من الحمام وجسمها كله بيترعش، مش من سقعة المية، لكن من القهر اللي محبوس في صدرها. كانت لابسة بيجامة خفيفة وشعرها المبلول بينقط مية على كتافها، ملامحها كانت خالية من أي تعبير وكأنها "جثة" ماشية. راحت على التسريحة وبدأت تفك بقية الألماس اللي كان لسه على جسمها؛ الخلخال اللي قفله بإيده، الحلق، الغويشة.. فكتهم بعنف وحطتهم بقوة على الترابيزة لدرجة إن صوت خبطهم في الخشب كان زي الطلقات في سكون الأوضة.
مراد كان قاعد على طرف الاريكة ، ملامحه منكسرة والندم واكل وشّه، كان لابس هدوم بيت مريحة، وأول ما شافها قريبة من السرير، حاول يقوم ويقرب منها، كان عايز ينطق، يعتذر، يلمس إيدها.. لكن رزان في ثانية رفعت صباعها في وشه بإشارة "حاسمة" وناشفة
"ماتقربش.. ما تحاولش حتى تلمسني"
مراد لسه هيتكلم، قطعت كلامه بصوت طالع من وسط وجعها
"مش إنت طول الوقت بتأكد وتفكرني إننا جوازنا مزيف؟ ومجرد مصلحة؟ تمام يا مراد.. أنا النهاردة بقيت عايزة ده زيك بالظبط. من اللحظة دي إحنا أغراب، هنتصرف بمنتهى الزيف قدام الناس، ومش هنقرب من بعض ولا حتى كلامنا هيبقى إلا في الضرورة."
أخدت نفس عميق وكملت ببرود مرعب
"ولو عايز تطلقني دلوقتي، أو تنهي المسرحية دي، أو حتى تطردني في الشارع .. إنت حر، اعمل اللي إنت عايزه. سدد الديون، خد البيت، اطردني من الشركة.. بجد مابقاش فارق معايا أي حاجة، لأنك أثبتّ لي إن مفيش حاجة فيك تستاهل إني أحارب عشانها."
مراد حس بكلماتها زي السكاكين بتقطع في قلبه، قال بصوت مبحوح ومهزوز
"رزان.. أنا مستحيل أعمل كدة فيكي "
رزان ضحكت ضحكة سخرية باردة، ضحكة وجعت مراد أكتر من القلم اللي أخده على وشه
"مستحيل؟ ليه؟ ماهو إنت عملت اللي أسوأ من كدة بكتير يا مراد.. إنت قتلتني بكلامك." كانت هتبكي
وقبل ما يلحق يرد بكلمة واحدة، مدت إيدها وقفلت النور، وغرقت الأوضة في سواد شديد وموحش. رزان اترمت على السرير وادت له ضهرها وغمضت عينيها بقوة وهي بتحاول تمنع شهقاتها، أما مراد ففضل واقف مكانه في الضلمة قدام السرير، مش قادر يتحرك ولا ملي.
كان بيبص لمكانها في الظلام، ورغم السواد اللي مالي المكان، كان حافظ تفاصيل وشها كويس، حافظ رسمة عينيها وهي زعلانة، وحركة شفايفها وهي مقهورة. في اللحظة دي، مراد حس بضياع مرعب؛ حس إنه خسر رزان بجد، والمرة دي مش بسبب الفقر ، المرة دي خسرها بسبب "لسانه" وظنونه اللي خلت قلبه يعمى عن الحقيقة. كان عايز يصرخ ويعتذر، بس لقى نفسه مشلول، وكأن السواد اللي في الأوضة هو نفسه السواد اللي سكن قلبه بعد ما كسر أغلى حاجة في حياته.
_______
في اليوم التالي، كانت الأوضة عبارة عن "تلاجة" من كتر البرود. رزان كانت بتتحرك في الأوضة وكأن مراد مش موجود، بتلبس هدوم الشغل، بتسرح شعرها، وبتجهز شنطتها بمنتهى الهدوء المريب. مراد كان بيراقبها من تحت لتحت وهو بيلبس ساعته، مستني منها كلمة أو نظرة عتاب، لكنها كانت "شبح" ملوش صوت
لما جه وقت النزول، مراد فتح باب العربية ومستنيها تركب، لكنه اتفاجئ بيها بتتجاوزه وماشية في اتجاه البوابة. مراد عقد حواجبه وسألها باستغراب
"إنتي رايحة فين؟ مش هتركبي؟"
ردت ببرود وهي مكملة طريقها
"لا، مش هركب معاك."
مراد نفخ بضيق وقال بنبرة أمر
"رزان بلاش سخافة، اركبي العربية يلا عشان ما نتأخرش."
وقفت وبصتله بصمت لثواني، صمت كان أوجع من الكلام، ولما جت تمشي سحبها من دراعها، فصاحت فيه باستنكار "سيب إيدي! إنت عايز تركبني غصب ليه؟" وبصت في عينيه بقسوة خفت وراها وجع السنين وكملت
"عشان ترجع بكرة تقول عليا طماعة وركبت العربية الفخمة وهي طول عمرها بتركب مواصلات؟ لا يا سيدي، شكراً.. أنا هركب مواصلات زي العادة، وسيب عربيتك للي يستاهلها."
مراد إيده سابت دراعها فوراً وكأن الكلمة لسعته، قال بتعب وصوت مهدود
"اركبي يا رزان وخلاص، ملوش لزمة الفيلم ده."
لكنها بصتله بتحدي وقالت
"أنا قلت مش هركب يعني مش هركب." وسابته ومشيت بخطوات سريعة.
مراد فضل واقف مكانه للحظة، وبعدين عمل حاجة محدش يتوقعها؛ قفل عربيته وسابها في مكانها وجري لحقها! أيوة، مدير شركة "النواة" اللي الدنيا اتقلبت عشانه امبارح، بقى ماشي ورا رزان في الشارع.
رزان وصلت المحطة، وأول ما الأوتوبيس جه، طلعت وحاولت تلاقي مكان وسط الزحمة لحد ما قعدت جنب النافذة. المفاجأة كانت لما شافت مراد بيركب وراها! مراد شاكر ببدلته الشيك وكاريزمته، داخل يتدافع مع الناس والعمال والطلبة عشان يلاقي مكان يقف فيه. رزان كتمت دهشتها، وادعت إنها بتبص من الشباك وكأنه هوا، وهو وقف جنبها بالظبط، ماسك في الحديدة بإيد، والإيد التانية بيحاول يحمي بيها نفسه من التدافع.
المشهد كان كأنه "فلاش باك" لزمان.. زمان بالظبط لما كان بيركب وراها عشان يحميها، وكانت هي بتبقى ميتة من الخجل بسببه، لكن دلوقتي كانت "ميتة برود". الأتوبيس اتحرك وبدأ "يهبد" في المطبات، ومع كل زقة، مراد كان بينضغط من الناس، وكتفه المصاب من الحادثة كان بيسمّ عليه بوجع رهيب، لكنه كتم آهته وجز على سنانه وهو عينه عليها.
لما جه وقت النزول، مراد مد إيده للمحصل عشان يدفع للأتنين، لكن رزان بسبقته وبحركة سريعة طلعت فلوسها وقالت بحزم
"أنا هدفع لنفسي." ودفعت ونزلت وسابته، وكأنها بتقوله "مش كنت بتقول طماعة؟ أهم فلوسك عندك أهي.. مش عايزة منك مليم."
دخلوا الشركة، ورزان كانت ماشية وكأنها لوحدها، مش وراها جوزها المدير اللي عيونه كانت متعلقة بضهرها وقلقان عليها. رزان سلمت على بشرى بابتسامة حافية، خلته بيتمنى الابتسامة دي تكون ليه هو ولو لمرة.
طول اليوم، رزان كانت قمة في الاحترافية.. والبرود. تسلم على سامر، تضحك مع مروان، تتناقش مع بشرى، لكن أول ما تدخل مكتب مراد عشان تديله الملفات أو القهوة اللي بقى يطلبها كل شوية عشان بس يشوفها، كانت بتتحول لـ "آلة". بتتعامل برسمية جافة جداً، لدرجة إنها في أول يوم شغل ليها معاه ما كانتش بالرسمية دي. مفيش "مراد"، مفيش نظرة عتاب، فيه بس "يا فندم" و "تحت أمرك" ببرود بيقطع في قلبه حتت.
________
مراد كان قاعد في مكتبه مع سامر، والجو بينهم كان مشحون بتفكير تقيل. مراد حكى لسامر عن اللي حصل بالليل في العربية، وسامر سأله بشك وهو بيضيق عينيه "مراد، إنت متأكد إن ده مجرد عطل فني؟ يعني حاسس إن الموضوع وراه 'إيد' خفية ومخطط له؟"
مراد سكت لحظة وبص للفراغ، وبعدين رد بلهجة منطقية وهادية رغم القلق اللي جواه
"بص يا سامر، أنا معنديش دليل واحد ملموس في إيدي دلوقتي أرمي بيه التهمة على حد، والتحقيق الأولي ممكن يقول عطل في تيل الفرامل.. بس العقل بيقول إن العربية دي لسه طالعة من صيانة دورية، والصدفة لما بتبقى 'مضبوطة' أوي كدة في ليلة زي دي وفي طريق مقطوع بتبقى مش صدفة. مهدي سدد ديونه فجأة ومات بعدها، وأنا لما بدأت أنكش في صالة القمار حصلت الحادثة.. الخيوط كلها بعيدة عن بعض، بس لو ربطتها هتلاقي فيه 'برواز' بيجمعهم، وهو إن فيه حد مش عايزني أقرب من ملف مهدي، والفرامل دي كانت مجرد 'قرصة ودن' أو محاولة تخلص فاشلة."
سامر اتنهد وقاله بضيق وخوف صاحب على صاحبه
"عشان كدة قلتلك يا مراد، سيبك من السكة دي! قمار وديون وعالم تحت الأرض.. إنت مالك ومال الوش ده؟ مهدي غطس في الرمل ده ومات، بلاش إنت تغرق وراه وتشدنا معاك. إحنا عندنا شركة وحلم بنبنيه، ركز هنا أحسن."
مراد هز راسه بالموافقة، بس جواه كان فيه "نار" مش هتهدى غير لما يعرف مين اللي اتجرأ وعرض حياته وحياة رزان للخطر. بس قرر يأجل الموضوع ده شوية، أو يمكن "انجبر" يأجله، عشان فيه كارثة تانية بتحصل في بيته.. علاقته برزان.
فجأة، مراد سأل سامر سؤال خلاه يفتح بؤه
"بقولك إيه يا سامر.. هو إنت بتتصرف إزاي لما بلقيس بتزعل منك وقفلة معاها على الآخر؟"
سامر فهم الفولة وضحك ضحكة خفيفة
"أيوة بقا! يعني الموضوع قلب خناق بيوت.. إنت ورزان زعلانين؟"
مراد حاول يتهرب ويعدل الكرافتة بتاعته
"لا مش قصة زعلانين.. هي بس يعني.. في سوء تفاهم بسيط." لكن في الآخر نفخ بتعب واعترف "خلاص يا سامر، إحنا اتخانقنا امبارح خناقة كبيرة، وأنا اللي غلطت في حقها بكلمة تقيلة.. ودلوقتي هي قالبة وشها برود يخلي الواحد يتجمد مكانه، بتتعامل معايا كأني هوا!"
سامر اتنهد تنهيدة طويلة فيها "خبرة سنين" وقال لمراد "يا صاحبي، إرضاء الست لما تكون مجروحة بجد عامل زي اللي بيدور على قطرة مية في قلب الصحراء.. مجهود جبار والنتيجة مش مضمونة."
مراد استنكر الكلام
"ليه يعني؟ الموضوع صعب للدرجة دي؟"
سامر أومأ براسه وبدأ يشرح له بجدية
"صعب وأصعب مما تتخيل.. الست ممكن تسامحك في أي حاجة إلا إنك تجرح كرامتها أو تشكك فيها. ولو هي مبيزعقش، ده بينسحب في صمت وبيقفل كل الأبواب وراه. ومعلوماتي بقا وتجاربي مع بلقيس بتقولك: كل ما مدة الخصام والبرود ده تطول، كل ما الجدار اللي بتبنيه بينك وبينها بيعلى وبيبقى أصعب يتهد. البرود ده مش معناه إنها نسيت، ده معناه إنها بتتعود تعيش من غيرك وإنت موجود معاها في نفس الأوضة.. ودي أخطر مرحلة ممكن توصلها."
مراد حس بكلمات سامر كأنها بتأكد مخاوفه، وبدأ يفكر.. يا ترى هيعمل إيه عشان يهد الجدار اللي رزان بنته في ليلة واحدة؟
بعد ما سامر خرج وساب مراد في دوامة أفكاره، مراد سند ضهره على الكرسي وغمض عينيه وهو بيفتكر شكل رزان الصبح في الأتوبيس.. كانت جنبه بس أبعد من النجوم.
كلام سامر عن "الجدار" كان بيرن في ودنه، وفجأة قرر إنه مش هيستنى للبيت، لازم يعمل حاجة "دلوقتي".
قطع حبل أفكاره خبطة خفيفة على الباب، ودخلت رزان ومعاها ملفات وبدون ما تبص في وشه قالت برسمية تقبض القلب
"دي ملفات الشراكة اللي الأستاذ بدر طلب توقيعها يا فندم.. وفيه اجتماع بعد نص ساعة مع فريق البرمجة."
مراد مرفعش عينه عن الملفات بس صوته كان هادي ومحمل بالندم
"سيبي الملفات يا رزان.. واقفلي الباب وراكي، عايزك في كلمة."
رزان ببرود
"لو بخصوص الشغل أنا سامعة حضرتك، لو حاجة تانية فـ أنا ورايا جدول مواعيد مزدحم جداً."
مراد قام وقف وقرب منها، ولأول مرة من الصبح عينه جت في عينها، شاف فيها لمعة وجع دارتها بسرعة ورا قناع البرود. قال بصوت واطي
"سامر قالي إنك بتبني جدار.. وإني لو سيبتك بتبنيه مش هعرف أهده تاني. رزان.. أنا عارف إن الكلمة اللي قلتها امبارح كانت 'قذرة' وماتطلعش بس و الله العظيم ما كان قصدي أهينك، أنا بس الماضي والغل اللي جوايا من اللي حصلي زمان عموا عيني للحظة.. شفت فيكي كل الوجع اللي عشته، وطلعت ناري فيكي وإنتي مالكيش ذنب."
رزان كانت واقفة زي التمثال، صامدة بجسمها بس روحها بتهتز من جواها. كلامه كان بيلمس الجرح، بس لسه الوجع "طازة" والكلمة اللي قالها لسه بترن في ودنها زي الجرس. رفعت عينيها وبصتله بنظرة خالية من أي تعبير وقالت "خلصت يا فندم؟"
مراد اتصدم من رد فعلها، كان مستني عتاب، مستني صريخ، مستني حتى قلم تاني، بس مش "اللا مبالاة" دي.
رد بذهول
"أنا بتكلم بجد يا رزان.. أنا بجد ندمان."
رزان أخدت الملف من على المكتب وقالت بمنتهى الثبات "الندم ده شعور يخصك لوحدك، ما يخصنيش في حاجة. أنا هنا موظفة وبس، وحضرتك المدير. بلاش نخلط الأمور ببعضها عشان المركب تمشي."
لفت عشان تخرج، بس مراد سبقها ووقف قدام الباب، منعها تخرج وهو بيبصلها بضعف لأول مرة
"يعني خلاص؟ الجدار اتبنى؟"
رزان بصت لإيده اللي ماسكة مقبض الباب، وبعدين رفعت عينيها ليه وقالت بكلمات زي السكاكين
"الجدار ده إنت اللي حطيت أول طوبة فيه من زمان.. امبارح إنت بس كملت السقف وصبّيت الخرسانة. عن إذنك.. الاجتماع هيبدأ."
مراد غصب عنه وسع لها الطريق، وخرجت رزان بخطوات واثقة، وأول ما الباب اتقفل وراها، رمت راسها لورا وخدت نفس طويل كأنها كانت مخنوقة، ودمعة واحدة خانتها ونزلت على خدها، مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوفها ورجعت "رزان السكرتيرة" اللي مابتغلطش.
مراد جوه المكتب ضرب المكتب بقبضة إيده وهو بيشتم نفسه، وعرف إن المرة دي "الأسف" مش كفاية، وإن رزان فعلاً بدأت تتعود تعيش من غيره وهو قدام عينيها.