السوق لا يسمع الضجيج
لم يَنَم سامر تلك الليلة نومًا عميقًا.
لم يكن السبب القلق، بل الامتلاء. عقله كان يعمل بلا توقف، كأنه محرك أُعيد تشغيله بعد عُطل طويل.
لأول مرة، لم يكن يفكر في “كيف يبيع”، بل في “لماذا يشتري الناس”.
في الصباح، استيقظ مبكرًا على غير عادته. فتح هاتفه فوجد ثلاث رسائل جديدة، كلها من أرقام غير مسجلة.
“سمعت عن اللي حصل مع متجر الأدوات.”
“محتاج أتكلم معاك بخصوص مشروع.”
“ممكن تقابلني؟”
توقف سامر قليلًا، ثم وضع الهاتف جانبًا.
قال لنفسه:
«لو بدأت بالجري وراء الجميع، سأضيع قبل أن أبدأ».
قرر أن يضع قاعدة واحدة:
لن يعمل إلا مع من يفهم أن التسويق شراكة، لا حيلة.
خرج من بيته متجهًا إلى مكتبة عامة قريبة. لم يكن يبحث عن كتب تسويق، بل عن هدوء.
جلس بين الرفوف، وأخرج دفتَره. كتب في صفحة جديدة عنوانًا واضحًا:
“مشكلة السوق الحقيقية”
وتحتها كتب:
الناس لا تكره الإعلانات… الناس تكره أن يُعاملوا كأرقام.
تذكر أول حملة فاشلة شارك فيها أثناء عمله السابق.
إعلان ضخم، ميزانية كبيرة، نتائج ضعيفة.
سأل وقتها:
«مين العميل؟»
فجاءه الرد:
«أي حد».
ابتسم سامر بمرارة وهو يكتب:
أي حد = لا أحد.
في الظهيرة، قابل أول عميل جديد: شابة تُدعى ليلى، صاحبة مشروع صغير لمنتجات طبيعية للعناية بالبشرة.
قالت له بثقة مشوبة بالتعب:
«المنتج ممتاز، والناس بتشكر فيه، بس المبيعات مش مستقرة».
لم يسألها سامر عن عدد المتابعين، ولا عن الميزانية.
سأل سؤالًا واحدًا:
«ليه بدأتي المشروع؟»
صمتت ليلى لحظة، ثم قالت:
«عشان تعبت من المنتجات اللي بتضر البشرة… أختي الصغيرة كانت بتعاني».
هنا، كتب سامر ملاحظة صغيرة.
القصة وُجدت.
قال لها بهدوء:
«إحنا مش هنبيع كريم. إحنا هنبيع راحة بال».
بدأ يغيّر كل شيء: اللغة، الصور، حتى طريقة الرد على التعليقات.
لم يعد الإعلان يقول “منتج طبيعي 100%”، بل صار يقول:
“لو خايفة على بشرتك، إنتِ مش لوحدك.”
بعد أسبوعين، لم تصبح ليلى غنية، لكن شيئًا أهم حدث:
صار العملاء يتحدثون عنها، لا عن سعرها.
عاد سامر إلى بيته مساءً، متعبًا، لكنه راضٍ.
جلس يراجع يومه، وفجأة رن هاتفه.
رقم غير معروف.
– «أستاذ سامر؟ معاك هشام.»
– «أهلاً.»
– «أنا مدير تسويق في شركة كبيرة… بصراحة إحنا متابعين شغلك.»
تجمد سامر لحظة.
الشركات الكبيرة كانت دائمًا المكان الذي يشعر فيه بالغربة.
قال هشام:
«عايزين نعمل حملة مختلفة… بس مش عارفين نبدأ إزاي.»
رد سامر بهدوء:
«قبل ما نبدأ، لازم نعرف: إنتوا خايفين من إيه؟»
ضحك هشام بدهشة:
«خايفين؟»
– «آه… لأن كل شركة خايفة. الخوف هو اللي بيحرّك القرارات».
ساد صمت قصير.
ثم قال هشام:
«تحب تقابلنا؟»
أغلق سامر الهاتف، ونظر إلى السقف.
كان يعرف أن هذا اللقاء قد يغيّر مساره، أو يبتلعه.
في اليوم التالي، دخل مقر الشركة. زجاج، شاشات، اجتماعات بلا نهاية.
جلس أمام فريق كامل.
بدأوا بالحديث عن الأرقام، السوق، المنافسين.
استمع سامر، ثم قال:
«ممكن أسأل سؤالًا واحدًا؟»
– «اتفضل.»
– «إنتوا آخر مرة صدّقتوا إعلان ليكم كانت إمتى؟»
لم يُجب أحد.
أكمل سامر:
«المشكلة مش في السوق… المشكلة إنكم مش مصدّقين نفسكم.»
كانت كلمات ثقيلة، لكنها صادقة.
خرج سامر من الاجتماع دون عقد، دون وعد.
لكنه خرج مرفوع الرأس.
في المساء، كتب في دفتَره:
“النجاح ليس في إرضاء الجميع، بل في قول الحقيقة لمن يسمع.”
بدأ سامر يشعر أن رحلته لم تعد فردية.
أفكاره بدأت تجد طريقها إلى الآخرين، لا عبر إعلانات، بل عبر تأثير.
وفي ليلة هادئة، جلس أمام حاسوبه وفتح ملفًا جديدًا.
لم يكن إعلانًا، بل مسودة كتاب.
كتب في الصفحة الأولى:
“التسويق ليس مهنة… التسويق مسؤولية.”
أغلق الملف، وهو يعلم أن القادم أصعب،
لكن أوضح.