انكسارُ المرآة.. ووجهُ الحقيقة
تحولت ساحة الجامعة المهجورة في تلك الليلة إلى ساحة حربٍ كونية. كانت السماء فوق الرباط قد صبغت بلونٍ أرجواني غير طبيعي، بينما تجمدت عقارب الساعات وكأن الزمن رفض أن يشهد على فظاعة ما سيحدث.
وقفت "ملاك" متسمرة في مكانها، يتجاذبها تياران من الطاقة؛ نور آشور الذي بدأ يخبو ويصدر أزيزاً كالمصابيح المحترقة، وظلام دجن الذي انفجر كإعصار من الفحم والنار. لأول مرة، رأت ملاك "دجن" بهيئته الكاملة: محارب عظيم بجسد من دخان كثيف، وعينين تشتعلان بلهبٍ أزرق يفيض بآلام آلاف السنين. لم تكن خائفة منه كما توقع، بل شعرت برابط غامض يجذبها نحو هذا الكيان الذي طالما شعرت بأنفاسه في غرفتها.
"ابتعدي عنه يا ملاك!" صرخ دجن، وصوته يمزق الصمت. "انظري إلى مَن وهبتِ له قلبكِ.. انظري إلى حلفائه!"
بإشارة من يد دجن المشحونة بسحر الشام القديم، انقشع الضباب النوراني الذي كان يحيط بآشور. وفجأة، شهقت ملاك رعباً؛ خلف آشور، لم تكن هناك ملائكة أو جن نوراني، بل كان يقف "شيوخ الشياطين"، كيانات مسخية بوجوه مشوهة وأجنحة منسوجة من جلود الموتى. لقد انكشف العهد السري؛ الملك الذي وعدها بالخلاص، كان يحتمي بأحطّ خلق الله ليضمن بقاءه بجانبها.
التفتت ملاك نحو آشور، وعيناها تفيضان بالدموع: "آشور.. هل هذا صحيح؟ هل بعتَ طهرك من أجل تملكي؟"
لم يُجب آشور، بل تحولت ملامحه الجميلة إلى قناع من القسوة الجليدية. ضاقت عيناه، وخرج صوته مغايراً، مليئاً بصدى أصوات الشياطين: "الحب قوة يا ملاك، والقوة تحتاج إلى ثمن. دجن ليس سوى قرين متمرد، عبد لساحر دمشقي، أما أنا.. فسأكون ربكِ في عالمي الجديد!"
اندلعت الشرارة الأولى. هجم دجن بـ "رمح نزع الأرواح"، مصطدماً بآشور الذي استدعى قوى الشياطين المحيطة به. كان الصدام عنيفاً لدرجة أن زجاج نوافذ الجامعة تحطم في آن واحد. دجن يقاتل بضراوة يأس، يمزق أجساد الشياطين بيده العارية، متحملاً طعنات سحرهم المسموم في ظهره، وعينه لا تفارق ملاك. كان يقاتل كمن ليس لديه ما يخسره سوى تلك اللحظة التي تراه فيها ملاك كـ "بطل" وليس كـ "وحش".
في تلك الأثناء، ومن خلف الحجب، بدأ ملوك الجن الآخرون بالحركة. لم يعجبهم أن آشور قد استقوى بالشياطين، فبدأوا بإرسال صواعقهم لضرب ساحة المعركة، محاولين تدمير الجميع: دجن، وآشور، وملاك معهما.
صرخ دجن وهو يصد صاعقة بظهره: "ملاك! اهربي! الأرض ستنشق تحتنا!"
لكن ملاك، وبدلاً من الهرب، اقتربت من دائرة القتال. كانت قد أدركت في تلك اللحظة الحقيقة المرة؛ أن النور الذي عشقته كان كاذباً، وأن الظلام الذي خشيت منه كان درعها الوحيد. رفعت يدها، وبدأت تتمتم بكلمات من "كتاب العهود"، ليس لاستدعاء شيطان، بل لإغلاق البوابة التي انفتحت.
رآها آشور وهي تحاول تدمير خطته، فرفع يده ليضربها بسحرٍ يشل حركتها، لكن دجن رمى بنفسه أمام الضربة. اخترق السحر صدر دجن الناري، فصرخ صرخة هزت أركان المدينة، وسقط جاثياً على ركبتيه، والدم الأثيري الأسود ينزف منه.
ضحك آشور بمرارة: "لقد انتهيت يا دجن. ستموت هنا، وستأتي ملاك معي لتكون ملكة في عرش من جماجم".
في تلك اللحظة، ظهر طيف "لجد" الشيطان المكار في الأفق، يراقب المشهد بابتسامة صفراء، مرسلاً إشارة سريعة إلى "ساحر الشام" في دمشق: "لقد سقط دجن في الفخ.. حان وقت ذبح الملك، وقطف الثمرة".