فتنة النور.. وزلزال الغيرة
استمرت اللقاءات بين ملاك و"آشور" – وهو الاسم الذي كشف به ملك جن الغمام عن نفسه لها – تحت ظلال أشجار جامعة محمد السادس وفي زوايا الرباط الهادئة. كان آشور يمثل كل ما بحثت عنه ملاك في كتبها؛ كان الحقيقة المتجسدة، والنور الذي يطرد كوابيس لجد. لم يكن يخاطب جسدها، بل كان يخاطب عقلها الباحث، يروي لها أسرار السماوات السبع، وكيف تتشكل النجوم من تسبِيح الكائنات النورانية.
بالنسبة لملاك، كان الوقوع في حب آشور انزلاقاً لذيذاً نحو المجهول. لأول مرة، شعرت أنها ليست وحيدة في بحثها. كانت تظن أن "الظل" الذي يحميها هو مجرد طاقة كونية، لكن بوجود آشور، بدأت تعتقد أن هذا الملك هو مصدر ذلك الأمان. لم تكن تعلم أن "الأمان" الحقيقي كان يأتي من الوحش القابع في زوايا غرفتها، الذي يراقب الآن انهيار عالمه.
في "عالم البرزخ"، كان دجن يتحول إلى مسخ من الألم. كل ابتسامة ترسمها ملاك لآشور، كانت كخنجر مسموم يُغرس في صدر دجن الناري. كان يرى يد آشور وهي تقترب من وجه ملاك، فيكاد يمزق الحجاب الفاصل بين العالمين ليفتك به، لكنه كان يعلم أن ظهوره بهيئته الشيطانية أمامها الآن سيعني خسارتها للأبد لصالح الملك "الجميل".
"تظنينه نوراً؟" كان دجن يهمس في أذنها وهي نائمة، بصوت لا يصل إلا لوعيها الباطن. "إنه وهم.. إنه سجان في ثياب من ضياء.. أنا الذي أحرقتُ يدي لأجلكِ، أنا الذي شربتُ سموم الشام كي لا يلمسكِ لجد.. استفيقي يا ملاكي قبل أن يحرقكِ برده!"
لكن ملاك كانت قد غرقت. وفي ليلة تحت ضوء قمر مكتمل، اعترف آشور لملاك بحبه، واعداً إياها بأن يأخذها إلى "مملكة الغمام" حيث لا موت ولا سحرة ولا وجع. في تلك اللحظة، رأت ملاك في عيني الملك عالماً كاملاً من السلام، فوافقت بقلب نابض.
هنا، انكسر شيء ما داخل دجن. لم يعد الحارس، بل تحول إلى "المُنتقم".
في القبو المظلم ببلاد الشام، شعر ساحر الشام باهتزاز في "مرآة الروح". ضحك بصوت أجش وهو يرى دجن ينهار. "الآن.." همس الساحر، "الآن سيسقط دجن في فخ الغيرة، وعندما يقتل دجن مَلِكاً، ستمزقه قبائل الجن، وسيعود إليّ ذليلاً كما كان".
استدعى الساحر لجد، الشيطان المكار، وقال له: "اذهب إلى دجن.. انفر في أذنه بوعود القوة، وسلحه بسحر 'نزع الأرواح'. اجعله يظن أنه بقتل آشور سيستعيد ملاك، بينما هو في الحقيقة يكتب نهايته ونهايتها".
عاد لجد إلى الرباط، وتسلل إلى دجن الذي كان يقف فوق قمة "صومعة حسان" يراقب ملاك وآشور وهما يسيران معاً. وقف لجد بجانبه كطيف قبيح وقال: "أتراها؟ لقد باعت حمايتك بابتسامة منه. أتريد استعادتها؟ الملك لا يموت بالسيوف، الملك يموت 'بالخيانة'. خذ هذا الطلسم، إنه من بقايا سحر سيدك القديم.. اقتل الملك، وستركع ملاك تحت قدميك باكية تطلب الغفران".
دجن، الذي أعماه العشق وسحق كبرياءه الملك، مد يده والتقط الطلسم الملعون. كانت عيناه تشتعلان بسواد لا قرار له، وصوته يخرج كحشرجة الموت:
"سأقتله.. سأمزق ضياءه حتى يرى الجميع الظلام الذي يسكن خلفه.. ولو كرهتني ملاك، يكفي أن تكون حية في عالمي، لا ميتة في عالمه!"
وهكذا، بدأت طبول الحرب تُدق في خفاء الوجود. دجن، الحامي القديم، بدأ يخطط للجريمة الكبرى: قتل ملك من ملوك الجن، في سبيل حبٍ تحول إلى قيدٍ من نار.