ااصباح الاسود
الفصل الثاني: الصباح الأسود
كانت الساعة الخامسة صباحاً حين اقتحم الظلام شقة ليان.
دقات الباب لم تكن طلقة، بل كانت قصفاً متواصلاً يهز الباب الضعيف في إطاره. "افتحي! الشرطة!"
ارتجفت ليان من نومها المضطرب. لبست رداءها القديم وفتحت الباب بعينين نصف مغلقتين.
ثلاثة رجال بملابس مدنية، وجوههم جادة كشواهد القبور. "ليان محمد؟"
"نعم..."
"أمر تفتيش."
دخلوا دون انتظار الإذن. أحذيتهم الثقيلة ترسم خطوطاً قذرة على أرضيتها النظيفة. قلبوا الكتب، قلّبوا الأوراق الموسيقية، فتحوا الصناديق.
"ما الذي تبحثون عنه؟" سألت بصوت مرتعش.
لم يجيبها الرجل الأول، ذو العينين الزرقاوين الباردتين. فتح خزانة ملابسها وبدأ يفرغ محتوياتها على الأرض.
الرجل الثاني، شاب نحيل، توجه إلى الطاولة حيث كانت حقيبتها الجديدة. فتحها. أخرج محفظتها، بعض الأوراق، ثم... توقف.
"هنا."
أخرج كيسين بلاستيكيين صغيرين، يحتويان على مسحوق أبيض.
صُعقت ليان. "هذا ليس لي! لا أعرف من أين أتى!"
"طبعاً"، قال الرجل الأول بهدوء قاسٍ. "لا أحد يعرف."
قيدوا يديها خلف ظهرها. المعدن البارد اخترق جلدها. "انتظروا! هناك خطأ!"
حملوها إلى الخارج. في بهو المبنى، رأت جيرانها يطلون من الأبواب، عيونهم واسعة بالفضول والخوف.
في الشارع، تحت مصباح الشارع الأصفر، كانت سيارة شرطة تنتظر. وقفت بجانبها ريم.
"ريم! أخبريهم! هذه حقيبتكِ أنتِ أهديتنيها!"
نظرت ريم إليها. ابتسمت ابتسامة صغيرة، باردة. "أرجوكِ ليان، لا تجريني لمشاكلكِ."
"لكنكِ..."
"أعرف أنكِ مخطئة، لكن يجب أن تتحملي عواقب أفعالكِ."
أغلقت سيارة الشرطة أبوابها. من النافذة، رأت ليان ريم تخرج هاتفها وتتصل.
"نعم، تم كل شيء. هي في السجن الآن."
---
زنزانة الحجز
الغرفة كانت باردة، جدرانها مطلية بطلاء أخضر باهت تقشر في عدة أماكن. سرير حديدي، مرحاض صدئ، رائحة مطهرات رخيصة تختلط برائحة الخوف.
جلست ليان على السرير، تحاول التفكير. كيف وصلت المخدرات إلى حقيبتها؟ حقيبة ريم. الهدية. لكن لماذا؟
الباب فتح. دخل شرطي يحمل طبقاً من الطعام البارد. "طعامكِ."
"أريد محامياً."
"غداً."
"أريد الاتصال بأحد."
"غداً."
أغلقت الباب، وتركها في صمت قاتل.
في الظلام، بدأت الذكريات تتسلل:
· ريم التي أصرت على أن تحمل حقيبتها الجديدة للاستوديو.
· فارس الذي اختفى مع ريم في الاستوديو لمدة نصف ساعة.
· المال... ميراث أمها... الذي سلمته لفارس للتعاقد مع الاستوديو.
"لا"، همست لنفسها. "لا يمكن."
لكن الصورة كانت تكتمل، قطعة قطعة، كأغنية كئيبة تلعب في رأسها.
---
المحكمة الأولى
بعد ثلاثة أيام، اقتادوها إلى المحكمة. كانت ترتدي ملابس السجن الزرقاء الباهتة، يداها مقيدتان.
في قاعة المحكمة، رأت أمها تجلس في الصف الأول، عيناها حمراوان من البكاء. بجانبها... لا أحد. لا فارس. لا ريم.
"أين محاميي؟" سألت الحارس.
"محامٍ من الدولة سيدافع عنكِ."
دخل المحامي، رجل في الخمسينيات من عمره، يبدو متعباً وكأنه يحمل هموم العالم. لم ينظر إليها حتى.
بدأت الجلسة. القاضية، امرأة في الستينيات، نظاراتها تلمع تحت أضواء القاعة.
النيابة قدمت الأدلة: المخدرات في حقيبتها، تقرير الطب الشرعي.
"أنا بريئة"، قالت ليان عندما جاء دورها. "الحقيبة هدية من صديقتي، والمخدرات ليست لي."
القاضية نظرت إليها فوق نظاراتها. "هل لديكِ دليل؟ شهود؟"
فكرت ليان. ريم ستكذب. فارس... أين فارس؟
في تلك اللحظة، فتح باب القاعة.
دخل فارس.
كان يرتدي بذلة رمادية أنيقة، شعله مُصفف بعناية. مشى إلى قفص الشهود، لم ينظر إلى ليان.
"السيد فارس، ما علاقتكِ بالمتهمة؟" سألت القاضية.
"كنا... أصدقاء. وكنا نعمل على مشروع موسيقي معاً."
"وهل كنت تعلم بمشكلة المخدرات لديها؟"
توقف فارس. نظر أخيراً إلى ليان. نظرة طويلة. في عينيه، رأت شيئاً يتحطم.
"نعم"، قال بصوت واضح. "رأيتها تتعاطى عدة مرات. وحاولت مساعدتها، لكن..."
كذبة. كذبة واضحة كالشمس.
"لا!" صرخت ليان. "أنت تعلم أن هذا غير صحيح!"
"هدئي من روعكِ"، قال القاضية.
المحامي وقف. "سيدتي القاضية، المتهمة ليس لديها سجل جنائي. وتظهر عليها علامات الصدمة. أقترح..."
"ثلاث سنوات"، قالت القاضية بهدوء. "بتهمة حيازة مخدرات بقصد الاتجار."
الأرض اهتزت تحت قدمي ليان. ثلاث سنوات. شبابها. أحلامها. كل شيء.
نظرت إلى فارس. كان قد التفت عنها، يتحدث مع محامٍ آخر.
أمها تبكي بصمت، تمسك بمنديل أبيض أصبح رمادياً من الدموع.
أخذوها بعيداً. في الممر، مرت بفارس.
توقفت للحظة. نظرت إليه.
"لماذا؟" همست.
نظر إليها. وعيناه اللتان كانتا دافئتين، أصبحتا كالحجر.
"كنتِ عائقاً"، قال بهدوء. ثم مضى.
في تلك اللحظة، بينما كانت تُساق إلى السجن، ولد شيء في قلب ليان. ليس ألماً، ولا حزناً. بل شيء أقسى، أصلب.
جمرة صغيرة، في ظلمة صدرها، اشتعلت.
وهمست لنفسها كلمات ستتردد في رأسها لأشهر:
سأعود.