الياقوت المزدوج - شباك الملكية - بقلم ريهام عياط | روايتك

اسم الرواية: الياقوت المزدوج
المؤلف / الكاتب: ريهام عياط
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: شباك الملكية

شباك الملكية

الجزء الأول: الظل الصامت الفصل 3 أسبوعان مرّا على حادثة قطعة الفسيفساء الزرقاء. اليوم، وقفت يارا أمام مرآة الحمام الصغيرة في شقتها، تحاول تهدئة نفسها. كانت ترتدي فستاناً أسود بسيطاً، شعرها الأسود الطويل مربوطاً في كعكة غير متقنة. نظرت إلى التذكرة التي وضعتها على حوض الغسيل. "مسرح القصر القديم - الصف الأول - ٨ مساءً". الساعة السابعة والنصف. "أنا مجنونة"، قالت لنفسها بصوت عالٍ. "سأذهب إلى عرض مسرحي أرسله لي مجهول." لكن فضولها كان أقوى من خوفها. من يكون هذا الشخص؟ ولماذا يختارها هي تحديداً؟ خرجت من شقتها، قلبها يدق كطبل. في الطريق إلى المسرح، كانت تلتفت حولها بين الحين والآخر، تتفحص الوجوه في السيارات، الظلال في الأزقة. شعرت كأنها بطلة في فيلم رعب، لكن بدلاً من الخوف المرعب، كان هناك نوع من الإثارة الغريبة. توقف التاكسي عند مدخل المسرح القديم، المبنى العثماني المهيب الذي حوّل إلى مسرح قبل خمسين عاماً. الأضواء الذهبية تتلألأ على الواجهة الحجرية، والناس بأناقتهم يتدفقون نحو المدخل. عند البوابة، قدمت تذكرتها للحارس. نظر الرجل إليها ثم إلى التذكرة، ثم أشار لها بداخل. "الصف الأول، المقعد رقم ٥. استمتعي بالعرض، آنسة." دخلت إلى القاعة الفخمة. السقف العالي المزين بالزخارف النباتية، الكراسي المخملية الحمراء، الإضاءة الخافتة التي تخلق جوّاً من الحميمية. وجدت مقعدها – في المنتصف تماماً، مع رؤية مثالية للمسرح. جلست، حقيبتها على حجرها، عيناها تفحصان القاعة. كل الوجوه غريبة. رجال ونساء بأناقة، بعضهم يهمس، آخرون يقرأون برامج العرض. ثم أطفئت الأنوار. بدأت الموسيقى، وانفتح الستار. عند الفاصل، بينما كان الجميع ينهضون للذهاب إلى الصالة، شعرت يارا بنظرة ثقيلة عليها. التفتت ببطء إلى اليمين. في الصف الخلفي، بعيداً في الزاوية المظلمة حيث تسقط إضاءة الممر بزاوية حادة، وقف رجل. كان يرتدي بذلة سوداء، واقفاً وحيداً، يداه في جيوبه. المسافة كانت بعيدة، والضوء خافت جداً، لكنها رأت نظارته السوداء التي تلمع تحت الضوء الخافت. طويل القامة، هيكل عريض لكن أنيق. لم يتحرك، فقط وقف هناك، وكأنه تمثال. نظرت إليه، وهو نظر إليها. على الرغم من النظارات السوداء، شعرت بأن عينيه مثبتتان عليها. لمدة عشر ثوانٍ طويلة، كان هناك اتصال صامت عبر القاعة شبه المظلمة. ثم، ببطء، رفع يده اليمنى من جيبه. لم يلوح، لم يبتسم. فقط رفعها، وأشار بإصبعه السبابة إلى صدره، ثم أدار يده وأشار بإصبعه نحوها. "أنتِ... لي." قرأت الكلمة على شفتيه أكثر مما سمعتها. قفزت يارا من مقعدها، قلبها يخفق كطائر محبوس. هرعت نحو المخرج، تتخطى الناس الذين بدأوا بالعودة إلى مقاعدهم. "عفواً... عفواً..." دفعت باب الخروج الخلفي بقوة. خرجت إلى شارع جانبي مظلم، تتنفس بصعوبة. الهواء البارد ضرب وجهها. اتكأت على الحائط، تحاول استعادة أنفاسها. "ماما؟ ماما؟ كلّي خير؟" نظرت لترى بائع فول صغير يحدق بها بقلق. "نعم... نعم... شكراً." سارت بخطوات سريعة بعيداً عن المسرح، لا تريد العودة إلى الداخل. وصلت إلى شارع رئيسي مزدحم، حيث الأضواء والمقاهي والناس. توقفت عند واجهة مقهى زجاجية، تنظر إلى انعكاسها المرتعش في الزجاج. ثم رأت الانعكاس خلفها. في الجانب الآخر من الشارع، واقفاً تحت مصباح شارع، كان هو. نفس الرجل. البذلة السوداء. النظارات السوداء. واقفاً ساكناً، يحدق نحوها. تحركت يارا بسرعة، دخلت إلى المقهى المزدحم، اختبأت بين الطاولات والناس. جلست في زاوية مظلمة، ظهرها إلى الحائط، عيناها على الباب. انتظرت. خمس دقائق. عشر دقائق. لم يدخل. تنفست الصعداء. ربما كان خيالاً. ربما كانت تتوهم. طلبت شاياً، يدها ترتعش وهي ترفع الكوب. ثم نظرت إلى حقيبتها. كان هناك شيء لم يكن هناك من قبل. ظرف أبيض صغير، موضوع في الجيب الخارجي للحقيبة. فتحته بيد مرتعشة. ليست رسالة. فقط صورة. صورة قديمة، باللونين الأبيض والأسود. لفتاة صغيرة، تقف أمام المتحف الوطني. ترتدي فستاناً وردياً، وتحمل بالوناً أزرق. كانت هي. كان عمرها ست سنوات في تلك الصورة. اليوم الذي ذهبت فيه مع والدتها للمتحف لأول مرة. اليوم الذي قررت فيه أن تصبح "من تعيد الحياة للقطع الجميلة المكسورة" كما قالت لأمها. لم تكن تملك هذه الصورة. والدتها توفيت قبل خمس سنوات، وكل ألبومات الصور فقدت في حريق شقتهم القديمة. لكن هنا كانت. واضحة. ناصعة. وعلى ظهر الصورة، كُتب بخط يد أنيق، نفس الخط على تذكرة المسرح: "منذ ذلك اليوم.. وأنتِ ياقوتتي الزرقاء" سقطت الصورة من يدها على الطاولة، بينما كانت دموع الخوف والارتباك والحيرة تملأ عينيها. وفي الخارج، عبر الشارع، داخل سيارة سوداء فاخرة واقفة في الظل، أزال يازن نظارته السوداء. عيناه الرماديتان الباردتان تتطلعان نحو نافذة المقهى حيث تجلس يارا. هاتفه يرن. أجاب بصوت منخفظ، بارد: "نعم؟" "سيدي، كل الترتيبات جاهزة للاجتماع غداً مع ممثلي المتحف. كما طلبت، سيتم تقديم عرض الدعم المالي المشروط بتعيين يارا ناصر كمشرفة على قسم الترميم الجديد." "جيد." أغلق المكالمة. نظر مرة أخرى نحو النافذة، حيث كانت يارا تجمع أشيائها بيد مرتعشة. "لا تخافي، ياقوتتي"، همس، وكأنه يتحدث مع نفسه. "كل خطوة محسوبة. كل شيء من أجلك." أدار المحرك، وابتعدت السيارة السوداء بهدوء في الظلام، تاركة يارا وحيدة مع أسرارها وأسئلتها التي تزداد عمقاً وغموضاً.