الياقوت المزدوج - ضل الضلام - بقلم ريهام عياط | روايتك

اسم الرواية: الياقوت المزدوج
المؤلف / الكاتب: ريهام عياط
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ضل الضلام

ضل الضلام

الجزء الأول: الظل الصامت الفصل 1 كانت نهاية يوم طويل. هبت رياح الخريف الباردة بين أزقة حي "الضويح" القديم، حاملةً رائحة المطر والأرض البلّية. يارا، ملفوفة بمعطفها الصوفي الباهت، سحبت مفاتيح شقتها من حقيبتها البالية. أصابعها المتعبة من ساعات الترميم الدقيقة كادت تُسقط المفتاح. "تعبانة يا بنت؟" سمعت صوت الجارة أم محمود من خلف الباب المقابل. "اليوم كان طويلاً يا أمي"، أجابت يارا بابتسامة متعبة. دخلت إلى شقتها الصغيرة، التي تفوح منها رائحة القهوة والورق القديم والزيت. ألقت بحقيبتها على الأريكة وأضاءت المصباح الجانبي. الضوء الدافئ أضاء رفوف الكتب المزدحمة وطاولة العمل المليئة بالفرش والأصباغ. قبل أن تتمكن من خلع معطفها، لاحظت ظرفاً أبيض أنيقاً على الأرض، مُنزلقاً من تحت الباب. لم يكن هناك طابع بريد أو عنوان. فتحته بحذر. بداخله، تذكرة مسرح. ليست أي تذكرة، بل تذكرة للصف الأول لمسرحية "رسائل من غرناطة"، العرض الذي كانت تتمنى مشاهدته منذ أشهر ويُنفد تذاكره دائماً. وعلى التذكرة، كُتب بخط يد أنيق: "لأصابع تبعث الجمال من رقدته". وقفت يارا حائرة، التذكرة في يدها المرتعشة. من؟ مدير المتحف العجوز البخيل؟ مستحيل. أحد زملائها؟ لا أحد منهم يعرف شغفها بهذا العرض تحديداً. خرجت إلى الشرفة الصغيرة المطلة على الزقاق الضيق. الظلام يلف الحي، والنوافذ تتلألأ بأضواء خافتة. شعرت بدفقة غريبة في صدرها – خليط من الفرح والقلق. ثم، بشكل غريزي، رفعت نظرها نحو أسطح المنازل المقابلة. في الظلام الدامس، عند حافة سطح المبنى القديم الذي يحوّل إلى استوديوهات فنية، لمحت شيئاً. ظلاً قاتماً، ساكناً، وكأنه جزء من الليل. لم تستطع تمييز معالمه، لكنها شعرت بنظرة ثقيلة تتجه نحوها. ارتعشت. أسرعت بالدخول وأغلقت باب الشرفة بقوة، قلبها يخفق بشدة. وضعت التذكرة على الطاولة وكأنها قطعة من الجمر. في الخارج، على السطح البعيد، تحرك الظل أخيراً. ارتدى صاحبه معطفه الأسود الطويل واختفى في الظلام، تاركاً فقط بصمة سيجارة منطفئة على حافة السطح، وابتسامة بالكاد مرئية على شفتيه.