الفصل الرابع
بعد حوالي اسبوع كانت رعد تفتح نافذة غرفتها في الفندق كل صباح، تُزيح الستارة الثقيلة قليلًا وتترك ضوء الشمس يتسلّل برفق. رغم الزحام وضجيج الشوارع، كان الفندق بالنسبة لها المكان الوحيد الذي يمنحها بعض الطمأنينة.
غرفة صغيرة… لكنها حدود عالمها في مصر.
في تلك الليلة، وبينما كانت تستعد للنزول إلى الردهه لشراء بعض الحاجيات، سمعت أصواتًا غريبة. أصوات خطوات متلاحقة، استدعاء موظفين، وحوارات مشحونة بالتوتر. نزلت السلالم بهدوء وهي ترتدي إسدالها الواسع، وطرحتها التي تهبط فوق كتفيها بثبات.
لمّا وصلت إلى الأسفل، رأت رجال تفتيش رسميين يراجعون الأوراق بشدة، والمدير يقف أمامهم مضطربًا.
اقتربت من موظف الاستقبال وهمست:
"خير… في حاجة حصلت؟"
أجاب بقلق واضح:
"التفتيش… وطلع إن في أوراق ناقصة. لو ما اتكمّلش الموضوع بسرعة… الفندق هيتقفل يا أستاذة."
جفّ حلقها.
إن أغلق الفندق… إلى أين تذهب؟
كيف ستجد مكانًا آمنًا في مدينة لا تعرفها؟
بعد دقائق خرج مدير الفندق، وجهه شاحب وملامحه متعبة. ولما رأى رعد واقفة، قال لها:
"إنتِ نزيلة عندنا… صح؟"
أومأت برأسها.
تنهد وقال:
"همّ طالبين إثبات إن كل الأجانب اللي مقيمين هنا وضعهم قانوني… وللأسف… محتاجين منّك عقد عمل. من غيره الوضع هيبقى صعب… جدًا."
سقط الكلام على قلبها كالمطر البارد. لم تتوقع يومًا أن تُحاصر بين قوانين وورق. عادت لغرفتها مُثقلة، وجلست على طرف السرير، تُمسك أطراف إسدالها بين أصابعها، وكأنها تبحث عن ثبات داخلي.
كان عليها أن تجد عملًا.
وبسرعة.
فتحت هاتفها وبدأت تبحث بلا توقف، حتى ظهر أمامها إعلان لوظيفة سكرتارية في شركة كبيرة. الشروط مناسبة، العمل للسيدات فقط، وقبول للأجانب.
شعرت أنها فرصة… ربما الوحيدة.
ضغطت على زر التقديم.
---
في صباح اليوم التالي، وقفت أمام المرآة الصغيرة في غرفتها.
عدّلت إسدالها الساتر، ثبّتت حجابها الشرعي بإتقان، وتأكدت من أن كل شيء مرتب ومحترم كما اعتادت دائمًا.
ثم حملت حقيبتها ونزلت.
المبنى الذي وصلت إليه بدا فخمًا، واجهته الزجاجية تعكس ضوء الشمس بلمعان لافت.
وقفت لحظات أمام المدخل، تأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تدخل.
قادها موظف إلى الطابق الأخير.
الممر واسع وهادئ، والسجاد يمتص خطواتها كأن المكان يحبس أنفاسه.
فتح لها الموظف باب مكتب كبير.
وقفت تنتظر… لا تعرف من المدير، ولا أي شيء عن صاحب المكان.
سمعت خطوات من الخارج… خطوات ثابتة، لها إيقاع ثقيل لكنه مألوف بطريقة غريبة.
صوت موظف يقول:
"اتفضل يا فندم… المتقدّمة للوظيفة وصلت."
تجمدت.
قلبها خفق فجأة… كأنه يتعرف على صاحب الخطوات قبل أن تراه.
دخل الرجل.
رفعت عينيها ببطء…
وانكشفت الحقيقة.
هو.
الرجل الذي أنقذها في تلك الليلة المظلمة.
الرجل الذي لم تتخلّص من صورته منذ ذلك اليوم.
لكن هذه المرة…
كان واقفًا أمامها بثبات المدير… لا باندفاع الشخص الذي حملها وأبعدها عن الخطر.
نظر إليها نظرة سريعة… ثابتة… ثم قال بنفس الصوت القاسي قليلًا:
"اتفضلي… اقعدي."
وكأن ما حدث بينهما لم يكن.
وكأن الليل لم يجمعهما يومًا.
وهكذا… بدأت المواجهة الثانية.
من غير أن تكون مستعدة…
ومن غير أن تعرف أن القدر يعيدها إلى الرجل نفسه
جلست رعد على الكرسي المقابل لمكتبه، تحاول أن تُخفي ارتباكها خلف هدوء مصطنع. وضعت حقيبتها على ركبتها، وضمّت أطراف إسدالها بيديها كأنها تستمد منه قوة إضافية.
أما هو… فجلس ببطء خلف مكتبه، وألقى نظرة سريعة على أوراق أمامه قبل أن يتكلم، وكأن وجودها حدث عادي لا يستحق التوقف.
الغرابة في عينيه أربكتها.
هل يتجاهلها… أم لا يتذكرها؟
مستحيل.
الليلة تلك لم تكن شيئًا يمكن نسيانه.
قال أخيرًا، بنبرة محايدة لكنها تحمل صرامة خفية:
"اسمُك؟"
ردّت بثبات:
"رعد."