الفصل الثالث
التفتت رعد بحدة…ورأته أدهم كانت عيناه مشتعلة أكثر من شوارع القاهرة المضاءة أمسك الرجل من قميصه ورماه أرضًا وهو يقول بصوت منخفض مخيف:
— "إوعى تقرّب منها تاني… فاهم؟"
حاول الرجل النهوض، لكن أدهم ركله مرة أخرى.
— "قوم… وامشي قبل ما أدفنك هنا."
ركض الرجل وهو يتعثر في خطواته، اختفى بسرعة.
. عمّ الصمت لحظات بين أدهم ورعد.
نظرت إليه ببرود ملتهب:
— "إنت ليه بتتدخل في حياتي؟"
اقترب خطوة، تلك الخطوة التي تزعجها دائمًا:
— "لأنك ما تعرفيش تمشي لوحدك."
اشتعلت أعصابها:
— "أنا ضابط! مش طفلة!"
ردّ بلهجة مصرة هادئة لكنها مستفزة:
— "أصل الضابط بيتصرف… مش يستنى يتحرّشوا بيه."
صمتت، تلك الجملة أصابتها.
حاولت الرد، لكنه قاطعها بصوت منخفض:
— "بعدين… إنتي لِسه جديدة هنا. البلد مش أمان زي ما فاكرة."
رفعت ذقنها بعناد:
— "أنا أعرف أحمي نفسي."
ابتسم ساخراً:
— "والله؟ باين…"
شعرت بحدّة الكلمات… ضربها في كبريائها.
قالت بحدّة:
— "لو سمحت… ابعد عني."
استدار ليمشي… لكنه توقف.
نظر إليها وكأنه اتخذ قرارًا دون إذنها:
— "تمام… هبعد."
شعرت بالراحة لثانية واحدة.
قبل أن يضيف بجملة قصفت قلبها:
— "بس غصب عنك… هتحتاجيني."
حدّقت به بذهول وغضب:
— "عمرك ما تعرف إيه اللي أحتاجه!"
لم يرد، بل أشار نحو الفندق:
— "بدل ما تعاندي… ادخلي. الدنيا هتسود بعد شوية."
تجاهلته تمامًا وصعدت الدرج بخطوات سريعة.
حاولت إغلاق الباب خلفها بقوة…
لكنها توقفت.
يدها ارتعشت للحظة… من الغضب؟ الخوف؟ أم شيء آخر؟
دخلت غرفتها وأغلقت الباب بهدوء.
سقطت على السرير، قلبها يدق بعنف غريب.
لم تكن معتادة على رجال مثل أدهم… رجال يرون ما تحاول إخفاءه.
تمتمت لنفسها:
— "غبي… ومغرور…"
لكنها لم تستطع نسيان عينيه حين أمسك الرجل.
في الخارج، كان أدهم يقف تحت الفندق، ينظر إلى النافذة التي تنام خلفها.
قال لعمر الذي لحق به متأخرًا:
— "البنت دي… هتقلب حياتي."
انفجر عمر ضاحكًا:
— "إنت اتجننت ولا إيه؟"
رد أدهم بصوت منخفض لا يسمعه سوى الليل:
— "هي مش أي حد… واللي بينّا بدأ خلاص."
رفع عمر حاجبه وقال:
— "شكلنا داخلين على مشكلة… ومشكلة تقيلة."
في الصباح حل يوم جديد لا يعلم أحد ما يخفيه من اسرار
تشبك أصابعها وتحدّق في الفراغ كأنها تبحث عن نقطة تهرب منها ولا تجد.
فتحت هاتفها، رأت عشر رسائل من خيال. تجاهلتها للحظة ثم تنهدت وفتحت إحدى الرسائل، فظهر صوتها في تسجيل قصير: “طمنيني يا بنتي… قلبي مش مرتاح.” كان صوت خيال كافيًا ليهزّ شيئًا في داخلها، لكن رعد ضغطت على زر القفل سريعًا، وكأنها تحاول إغلاق الباب على وجع لا تريده أن يخرج انقضى الليل ورعد لم تنم الا ساعتين فقط
قامت من مكانها وهي تتمتم: “لازم أركز… أنا جيت هنا عشان هدف، مش عشان حد يعطّلني.” دخلت الحمّام، رشت ماءً باردًا على وجهها، ثم خرجت وأخذت إسدالها الأسود هذه المرة. أحبّت الأسود… فهو يخفي ما لا تريد أن يراه أحد.
نزلت إلى بهو الفندق، تنوي النزول إلى الشارع، لكن صوته جاء من الخلف فجأة:
— “واضح إننا هنقابل بعض كتير.”
توقفت دون أن تستدير.
نبرة صوته وحدها أزعجتها.
استدارت ببطء، وعيناها تلمعان بتحذير:
— “انت بتتتبّعني ولا إيه؟”
ابتسم أدهم تلك الابتسامة التي يغضب منها أغلب البشر:
— “ولو بتتبّعِك… هتزعلِي؟”
تقدمت خطوة، رفعت حاجبها بحدة:
— “أيوه، هزعل. وبعدين… أنا مش فاضية لهزارك.”
ضحك عمق صدره وهو يقول:
— “طب أنا جاي بجد. عايز أطّمن.”
— “تطّمن؟ عليا أنا؟ بتكلّم بجد؟”
— “انتي امبارح عملتي مطاردة نص الرجالة بيخافوا يعملوها… طبيعي أقلق.”
— “أنا مش من اللي حد يقلق عليهم.”
— “واضح… بس يمكن يعجبني أقلق.”
أدهم كان يتكلم بثقة زائدة، وربما لهذا كانت رعد تزداد توترًا.
فهي لم تتعوّد أن يقف رجل أمامها دون أن يخاف حدّتها… دون أن يتراجع لنظرتها.
بل كان يقترب.
قالت بحدة قاطعة:
— “عايز إيه
— “هفطّرِك.”
شهقت بخفة، مصدومة من وقاحته:
— “تفطّرني؟ ليه يعني؟”
— “عشان جعان… وعشان انتي قدامي.”
— “طب روح كل لوحدك.”
— “مش هعرف.”
— “دي مش مشكلتي.”
— “تبقى مشكلتي أنا… وإنتي هتحليها.”
صمتت.
كانت تشعر أنها لو أكملت معه جملة واحدة ستنفجر.
وفي اللحظة التي همّت فيها بالانسحاب، خرج عمر من باب الفندق وهو يصرخ كعادته:
— “أدهم! يا ابني كفاية جري ورا البنت! عيب!”
كاد أدهم يصفعه:
— “اقفل بوقك!”
ضحك عمر واقترب منهما:
— “مساء الخير يا أختي… أنا عمر… الراجل المجنون اللي معاكي ده أخويا.”
ردّت رعد ببرود:
— “حلو… خده وامشوا.”
ضحك عمر بصوت أعلى:
— “والله دي جامدة يا أدهم.”
— “جامدة عليا أنا… بس عادي.”
— “اتفضل امشِ يا عمر قبل ما أقطعلك لسانك.”
غادر عمر وهو يلوّح لها بإشارة فيها مزاح ثقيل، فتنهدت رعد وقالت:
— “خلاص؟ في حاجة تاني؟”
نظر إليها أدهم طويلًا، نظرة لم تكن مزاحًا هذه المرة، نظرة رجل يرى شيئًا ويعجز عن تفسيره.
قال بهدوء مفاجئ:
— “انتي… مالِك؟ زعلانة؟ خايفة؟ مجروحة؟”
ارتجفت يدها دون أن يظهر ذلك في ملامحها.
ثم أجابت ببرود قاتل:
— “أنا… لا يخصّك.”
— “بس أنا شايف بعيني.”
— “سيب عينيك في حالها.”
— “مش قادر… ولا ناوي.”
في تلك اللحظة، أحسّت رعد أن صدرها ينقبض… ليس من خوف، بل من شيء آخر.
شيء يشبه الخطر… يشبه بداية مشكلة كبيرة.
قالت بحزم:
— “اسمع… أنا مش جاية مصر عشان أدخل في مشاكل.”
— “بس شكلك هتدخّلي.”
— “مش معاك.”
— “معايا… ومع غيري.”
— “أنا مش عاملة صحاب.”
— “أيوه… انتي قولتي.”
— “ومش عايزاك تفرض نفسك.”
— “وأنا مش هسمع الكلام.”
— لو سمحت… ابعد.”
اقترب خطوة واحدة فقط… لكنها كانت كفيلة بأن يختل نفسُها لثانية.
وقال بصوت منخفض جدًا:
— “أنا مش هقرب… غير لما انتي بنفسِك تقولي لي أقرب.”
انفتح فمها لتردّ، لكن الكلمات خانتها.
فهي ليست معتادة على رجل يواجهها بهذا الشكل… دون خوف، دون تردد، دون احترام للمسافة التي تحمي قلبها من الخراب.
وقبل أن ينطق أحدهما كلمة أخرى… رنّ هاتفها فجأة.
نظرت إلى الشاشة، فإذا بالاسم يظهر واضحًا:
خيال تتصل…
ضغطت زر الرفض بسرعة، وكأن الوجع الذي في تونس يطاردها حتى في القاهرة.
سأل أدهم برفق يخالف كل وقاحته السابقة:
— “مش هتردّي؟”
— “ملكيش دعوة.”
— “دي حد مهم.”
— “ كفاية.”
— “طيب… بس قوليلي، إنتي كويسة؟”
— “أنا تمام.”
— “كذب.”
— “قلت لك ابعد!”
ثم استدارت ومشت.
مشيت بثبات، بخطوات عنيدة… لكنها كانت تشعر أنها تحمل خلف ظهرها عينين تراقبانها وتتبعان كل حركة.
أدهم وقف في مكانه ينظر إليها وهي تبتعد.
توترت يداه، ارتفع صدره بانفاس ثقيلة.
قال لنفسه بصوت خافت:
— “البنت دي… هتجرّني لمصيبة.”
أما رعد…
فكانت تمشي وهي تشعر بنار أخرى تشتعل داخلها.
نار ليست غضبًا… بل ما هو أخطر
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…