الفصل الثاني
التفتت رعد بخفة.
كان رجل الأمن التابع للمطعم يركض خلف شاب صغير أمسك شيئًا بيده… بدا المشهد مألوفًا لرعد على نحو مزعج، وكأن القدر يعيد عليها لقطة شاهدتها ألف مرة.
رفع أدهم حاجبه بضيق وهو يرى الشاب يندفع خارح المطعم، ثم التفت إلى رعد بحدسٍ غريب:
— "ثانية واحدة…"
لم ينتظر ردها، بل اندفع خلف اللص.
أمّا عمر فصرخ رافعًا يديه: — "أدهم! يا ابني تعالى هنااااااا… دا مش شغلتك!"
لكن أدهم كان قد اختفى.
وقفت رعد بلا حركة لثوانٍ.
شيء في داخلها اشتعل… ذلك الشيء الذي يقفز دائمًا حين ترى ظلمًا أو خطرًا.
ترددت… فهي في بلد غريب، في إجازة، لا عمل ولا صلاحيات.
ومع ذلك…
لم تستطع أن تغضّ بصرها.
أغلقت حقيبتها جيدًا ثم ركضت خلف الاثنين، بخطوات سريعة وثابتة.
---
كان الشارع مزدحمًا، ضوضاء السيارات تختلط بصوت الباعة، والناس يتدافعون في كل اتجاه.
رأت رعد الشاب يقفز فوق درّاجة واقفة، يراوغ الناس بمهارة لصٍ محترف.
أما أدهم، فكان يلاحقه بسرعة لا تتناسب مع حجم جسده، قفزة تلو الأخرى، خطوات ثابتة… حتى بدا كأنه يعرف الشوارع عن ظهر قلب.
صرخت رعد بصوت عالٍ: — " وقف يا ولد!"
لكن صوتها ضاع وسط الزحام.
لم تفكر طويلًا… فقد حرّكت جسدها كما لو أنها في مطاردة رسمية.
وثبت فوق حاجز صغير، ثم انزلقت بين سيارتين، وتجاوزت عربة بيع الذرة، حتى اقتربت أكثر.
رآها عمر من بعيد وصرخ مذهولًا: — "هوووو! والله دي مش بنت عادية!"
واصلت رعد جريها، حتى وجدت نفسها إلى جانب أدهم تمامًا.
قال أدهم بلهاث خفيف حين لمحها: — "إنتي؟! بتجري ورايا ليه؟!"
ردّت بحدّة وهي تركز عينيها على اللص: — "مش وقت كلام!"
ابتسم رغم التعب: — "عجباني والله."
تجاهلته، وركزت في هدفها.
اقترب اللص من زقاق ضيق، وقفز فوق صندوق قمامة، فأمسكه أدهم من طرف قميصه… لكن القماش تمزّق وانفلت الشاب.
صرخ أدهم: — "ابن اللــ…!"
ولم يكمل، لأن رعد سبقته.
قفزت أمام اللص مباشرة، قفزة محسوبة… فاضطر للتوقف لحظة كي لا يصطدم بها.
مدّت يدها بسرعة خاطفة، أمسكت بمعصمه، لوت يده بقوة جعلته يسقط أرضًا صارخًا: — "آاااخ! اسيبييييي!"
جلست فوقه تثبّت يديه خلف ظهره: — "هات الحاجة اللي سرقتها."
— "ماخدتش حاجة! والله ماخدت! يا أختي سيبيني!"
صرخت رعد: — "قول الحقيقة قبل ما أدوّرك على الأرض!"
في تلك اللحظة وصل أدهم، واتسعت عيناه دهشة وهو يرى القبضة المحكمة، الحركة الاحترافية، السيطرة الكاملة.
لم تلتفت له، بل نزعت من يد اللص البطاقة التي سرقها.
أخذها أدهم منها: — "دي بطاقة الموظف… الولد سرقها وهرب."
رفعت رعد رأسها نحوه، ونبرة البرود التي في صوتها كانت كفيلة بأن تهزّ رجلاً أكبر منه: — "كفاية، سيبه يمشي."
قال اللص بخوف: — "بجد؟!"
— "امشِي… قبل ما أغيّر رأيي."
ركض الشاب بسرعة، واختفى في الزقاق.
وقف أدهم، يضع يديه في جيب سرواله يحدق فيها بدهشة لم يحاول إخفاءها: — "أوّل مرّة أشوف واحدة تعمل كدا … ده أنا جريت وراه في نص الحارة و ممسكتوش!"
قامت رعد وهي تعدّل إسدالها، وقالت ببرود قاتل: — "اتربّينا على الشغل ده."
اقترب أدهم خطوة: — "يعني… إنتي شغلك إيه؟"
نظرت إليه لحظات، ثم قالت دون تردد: — "أنا ضابط شرطة."
اتسعت عينا أدهم: — "ضابط؟! في مصر؟"
— "لأ… في تونس."
أطرق رأسه لحظة، ثم قال ضاحكًا: — "طب والله العظيم أنا كنت حاسس إنك مش عادية… بس مش متوقّع كده."
لوّحت بيدها: — "المهم… الأمور خلصت، سلام."
التفتت لترحل، لكن أدهم مد يده أمامها ليوقفها دون أن يلمسها: — "استني…"
نظرت إليه ببرود: — "في إيه؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة: — "مش هنرجّع البطاقة للمطعم؟"
هزّت رأسها: — "تمام."
سارا معا عودتا للمطعم
وهكذا…
كانت الشمس تميل نحو الغروب حين خرجت رعد من المطعم بخطوات سريعة، كأنها تهرب من شيء لم تفهمه بعد. سلّمت البطاقة للموظف ثم اندفعت إلى الخارج، لكن صوت خطوات ثقيلة خلفها جعلها تتوقف للحظة.
كان أدهم يلحق بها دون أن تنتظر.
قال بصوت منخفض وهو يراقب ملامحها المتحفّزة:
— "إنتي دايمًا مستعجلة كده؟"
لم تلتفت إليه، بل أكملت سيرها بثبات بارد:
— "أنا مش بحب الكلام الكتير."
اقترب خطوة منها، خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتضرب أعصابها:
— "طب ما يمكن أنا اللي بحب أكلمك؟"
هنا توقفت.
استدارت ببطء… ورفعت عينيها السوداوين نحوه بنظرة لو وُضعت فوق جبل لانهار.
— "بلاش… أنا مش جاية أعمل صحاب."
ابتسم أدهم ابتسامة فيها ثقة مستفزة:
— "ده لو إنتي جاية تهربي أصلاً."
اهتزّ قلبها لحظة… فقط لحظة.
جملة واحدة أصابت المكان الأكثر وجعًا فيها.
— "ما تعرفش عني حاجة… ومش عايزاك تعرف."
أجاب بلا تردد:
— "غلط… لأني ناوي أعرف."
تحركت مبتعدة، لكنه اعترض طريقها بخفّة، دون أن يلمسها.
قربه وحده كان إزعاجًا.
— "ابعد… أنا مش من النوع اللي بيتعرف عليه بسهولة."
ضحك بخفة، صوتها كأنه يلمس أعصابها عمدًا:
— "وأنا مش من النوع اللي بييأس بسهولة."
أطبقت قبضتها نفسها صار أثقل.
هذا الرجل… وقح، واثق، ويدخل حدودها بلا إذن.
— "أنا بضابطتك لنفسي… بس ده مش شغلك."
اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تلامس الهواء قرب وجهها، دون أن يقترب فعليًا:
— "من النهاردة… هيبقى شغلي."
رمقته بنظرة حادة، نظرة تجعل أقوى رجل يتراجع خطوة…
لكن أدهم لم يتراجع.
— "جرب تقرّب تاني… وتشوف هعمل إيه."
ثم مرّت بجواره، كتفها لامس الهواء قربه فقط، لم تلمسه… لكنها تركته واقفًا كمن تلقّى صفعة لا صوت لها.
راقب ظهرها وهي تبتعد.
لم يفهم لماذا اشتعل شيء غريب داخله منذ رآها.
لكن شيئًا ما فيه استيقظ، ولن يعود للنوم.
أما رعد…
فكانت تمشي وهي تشعر بنار في صدرها من هذا الرجل الوقح
كانت خطواتها سريعة، عينيها ثابتتان على الطريق أمامها، تهرب من صوتٍ ظلّ يطارد عقلها.
كانت السماء قد بدأت تظلم، والمدينة تشتعل أضواءها شيئًا فشيئًا.
وضعت يدها داخل حقيبتها تتحسس مسدسها… شيء بداخلها كان مضطربًا.
لكنها لم تفهم السبب.
وقفت أمام الفندق، همّت بالدخول… لكنها شعرت بظلّ يقف خلفها التفتت بسرعة، يدها تقترب من الخِصر حيث تخفي مسدسها كان شاب ضخم، ملامحه قاسية… وعيناه تتحركان على جسدها بطريقة أثارت غضبها. قال بصوت خشن:
— "أختي… تِسلّمي على الجمال ده كل يوم ولا ده أول يوم؟"
رمقته رعد بنظرة قاتلة، نظرة تعلّم الرجال كيف يتراجعون.
— "ابعد… قبل ما تندم."
ضحك بخفة مقززة:
— "ده انتي دَبّاحة شكلِك."
اقترب منها خطوة، خطوة زادت من نبضها ولكن ليس خوفًا… بل غيظًا.
رفعت يدها لتبعده… لكن يده قبضت على معصمها بقوة.
— "إنت فاكرة نفسك في بلدِك؟"
هم يقرب وجهه منها
فجأة، يد قوية جذبت الرجل للخلف بعنف.
صرخة قصيرة خرجت من فم المتحرش وهو يرتطم بالجدار.