خيانة الذاكرة🖤
وفي الداخل، علا صوت الملك أميغوس:
– أحضروا لي السيّد سيد!
دخل الوزير وانحنى ببطء، لكن عيني الملك كانتا ترميانه بشررٍ من غضب. قال بصوت يملأ القاعة:
– سيد… ما الذي حملك على رفع الضرائب على القبائل؟ من أعطاك هذا الحق؟ وكيف تتجرأ أن تفعل شيئًا من دون أمري؟
ارتبك الوزير وقال:
– مولاي الملك، أنا…
قاطع الملك غاضبًا:
– اصمت! لقد تجرأت على الحكم من خلف ظهري، وستدفع ثمنًا باهظًا. ألا تعلم ما جزاء من يخون ثقة الملك؟!
ارتجف الوزير، ثم انحنى وانسحب من القاعة مطأطئ الرأس.
أدار الملك وجهه إلى الحراس قائلاً:
– أبقوا علي خان في القصر الليلة، فقد غابت الشمس، وليُستَضف كضيفٍ للمملكة.
اقترب الحراس من علي خان وأخبروه:
– إن مولانا الملك يأمرك أن تبيت في القصر هذه الليلة
انحنى علي خان وقال باحترام:
– كما يشاء سموّ الملك.
أشار أحد الحراس إليه وأضاف:
– تفضل، سآخذك إلى الغرفة التي ستقيم فيها هذه الليلة.
وبينما كان الحراس يرافقون علي خان، كانت أتاسيا تراقب الموقف من بعيد، وابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيها حتى كادت تبلغ أذنيها. وما إن سمعت الخبر، حتى أمرت جاريتها أن تبلغ علي خان بدعوة منها، قائلة:
– اخبريه أنني أعزمه لاحتساء القهوة في الحديقة الخلفية.
وبالفعل، وصلت الرسالة إلى علي خان، فتهيأ للذهاب، وقلبه مثقل بالدهشة والتساؤل.
لبّى علي خان الدعوة، وجلست أتاسيا أمامه وقالت:
أتاسيا: أشكرك على قبولك الدعوة.
أتاسيا (مبتسمة بتردد): لحظة… هل أنت متزوج؟
نظر علي خان باستغراب وأجاب بنبرة مصاحبه الاستغراب:
– ليس بعد.
أتاسيا: يعني أنك مرتبطًا؟
علي خان: كنت.
أتاسيا (بتأفف): هل بإمكانك أن تتوقف عن الرد بكلمة واحدة؟ قل جملة على الأقل، أي شيء… لكن لا تكتفي بكلمة.
علي خان (مبتسم استسلامًا): كما تريدين.
ابتسمت أتاسيا ثم سألت: لاحظت انك لا تتكلم كثيرًا؟ أم أنك لا تحب الحديث؟
علي خان: احيانا أجد أن الحديث هباء.
أتاسيا: ولماذا؟
علي خان: أحيانًا تعجز الكلمات عن التعبير عما بداخلنا و لو كنا قد كتبنا كتب تأتي لحظه تشعر بها بأن لا الحروف حروفك و لا الكلمات كلماتك.
أتاسيا: وما الذي أوصلك لهذه الفكرة؟
علي خان: حسن الظن الذي بات مرض لا يحله الا النسيان و النسيان دواء باهظ الثمن و نادر.
أتاسيا (بثقة): لا تقلق، حلّها سهل وبسيط.
علي خان (مبتسم قليلًا): وما هو الحل؟
أتاسيا: تجعل النسيان سلطانًا على قلبك وعقلك.
رفع علي خان عينيه إلى السماء وسرح طويلًا، فقطعَتْ شروده قائلة:
أتاسيا: الحل سهل… ببساطة، انسَ.
علي خان (بحزم وحزن): لم أنسَ، ولن أنسى، ولا أريد أن أنسى… إن النسيان خيانة للذاكرة، وأنا لست خائنًا.
نظرت إليه أتاسيا بدهشة وقد صدمتها كلماته:
أتاسيا: وما الذي لا تريد نسيانه؟
اغرورقت عيناه بالدموع، ونهض من مقعده وقال بصوت متأثر:
علي خان: سمو الأميرة… هل تأذنين لي بالمغادرة؟
لمعت عينا أتاسيا العسليتان وهي تراقب دموعه، ثم أومأت موافقة. خرج علي خان مسرعًا، وظلت عيناها تتبعه باستغراب.
ربما كان هاذا عيب اتاسيا الوحيد و هو الفضول. ربما كانت تفوق ما يسمى الفضول بكثيرر
نهضت اتاسيا وتوجهت إلى قاعة الملك.
أتاسيا: أبي… أريد أن أذهب إلى قبيلة السافاي.
أميغوس: إلى هناك؟ ومتى ستذهبين؟
أتاسيا: أبي، لن أذهب للتجوال.
أميغوس: إذن لماذا؟
أتاسيا: أريد أن أبقى هناك مدة من الزمن.
أميغوس: وكم ستكون هذه المدة؟
أتاسيا: لا أعلم… ربما أسبوع، شهر، يومين… حتى أنا لا أعلم حقًا.
أميغوس: هذه المرة سوف يرافقك الحرس، أليس كذلك؟
نظرت أتاسيا إلى الملك بعينيها البريئتين ولم تجب.
أميغوس: لا!
أتاسيا (بإصرار): أجل.
أميغوس (رافعًا صوته): قلت لا!
أتاسيا (مبتسمة بخبث طفولي): أجل.
تنهد الملك وهو يراقب ابتسامتها التي أربكته، ثم قال:
أميغوس: متى ستذهبين إذن؟
أتاسيا (مبتسمة): ربما…غدًا.
في صباح اليوم التالي، وبينما كان علي خان يوشك على مغادرة القصر، رأى موكب الأميرة أتاسيا يقترب منه. أوقف حصانه جانبًا، فوقف الموكب بالقرب منه، ونزلت الأميرة بخطوات واثقة.
قالت أتاسيا:– علي خان، اركب معي في الموكب.
تردد علي خان قليلًا وقال:
– وماذا عن "اليراي"، حصاني؟
ابتسمت أتاسيا مطمئنة:
– لا تقلق، سنجعل أحد الفرسان يقوده معنا.
ظلّ علي خان لحظة مترددًا، ثم رضخ لأمرها وصعد الموكب بجانبها. تحرك الموكب، وصارت الخيول تخترق الطرق الممتدة بين السهول. مرّت ساعة كاملة، ولم ينبس علي خان بكلمة واحدة، فقد كان مشغولًا يتأمل الأراضي والوديان، ويشهد الطبيعة المترامية أمامه، بينما كانت أتاسيا تراقبه بصمت، تتساءل عن سر هذا الصمت الثقيل.
قطعت أتاسيا صمته وقالت:
– هل بإمكاني أن أسألك سؤالًا؟
نظر إليها علي خان للحظة ثم قال:
– تفضلي.
أتاسيا (بتردد):لكن من الممكن ألا ترغب في الإجابة.
ابتسم علي خان بخفة وقال:
–من الاشياء التي لديها ببراعه إني لا أعجز عن الإجابة على أي سؤال، ولا أترك سؤالًا بلا جواب.
أطرقت أتاسيا قليلًا ثم رفعت عينيها نحوه وسألت:
– من كنتَ تقصد حينما قلت: لم أنسَ، ولن أنسى، ولا أريد أن أنسى؟
تجمّد علي خان في مكانه، وغرق في صمته. سرح طويلًا، والخيول تمضي بالموكب عبر المروج، إلى أن خرج صوته أخيرًا متهدجًا:
– قصدت حبيبًا مضى… دون سلام، ولا حتى عتابا.
سكت بعدها، كأن الكلام أثقل قلبه، بينما بقيت أتاسيا تحدّق به بدهشة، محاولة أن تفهم سر حزنه. التي قادها إلى الذهاب الى قريه لم تسمع عنها يوم
أتاسيا تفكّر في الحقيقة، وبنظرة حزينة صوبت عينيها نحو علي خان.
وبصوت خافت سألت:– هل من أعجبتُ به قلبه مع شخص آخر؟
–يا ليته كان هذا
وبصوت خافت سألت أتاسيا:
– وماذا لو عادت؟
ابتسم علي خان، فارتجف قلبها من ابتسامته، لكنها أحسّت أنها ممزوجة بالمرارة، ثم قال بحزم:
– والله… لو عادت كماءٍ يتفجر من نبع الجبال الصخرية، ما نظرت إليها. والله… لو أصبحت حوّاء وأنا آدم، ما عدت أنظر لها.
فرحت أتاسيا بعمق، وفرحتها ارتسمت على وجهها، حتى كادت ابتسامتها أن تشقّ خديها.
وبعد مرور نصف ساعة من الصمت، قطع علي خان السكون وسأل الأميرة لأول مرة:
– عذرًا يا سمو الأميرة، هل لي أن أعلم إلى أين وجهتك؟
أتاسيا: إلى قبيلة السافاي، إلى قرية السافاي.
علي خان (متعجبًا): هل لهذا سبب؟
أتاسيا (بهدوء): لا… مجرد زيارة.
وما إن دخل الموكب قرية السافاي حتى بدأ الناس ينظرون بدهشة، وتجمّع كل من في القبيلة يراقبون الموكب بفضول. توقّف الموكب في منتصف القرية، فنزل علي خان أولًا، ومدّ يده ليساعد الأميرة أتاسيا على النزول.
ما إن وضعت قدميها على أرض القرية حتى التصقت عيون الجميع بها، وخصوصًا أميلة، الفتاة التي أحبّت علي خان منذ صغرها. كانت نظراتها لا تفارق الأميرة، خليطًا من الغيرة والدهشة.