الجزء التاسع الطلب
عادت نور إلى المكتبة بعد ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام حاولت فيها إقناع نفسها أن ما حدث كان مجرد صدفة.
أن الرجل لم يكن سوى غريب بلسانٍ فصيح.
أن الورقة… وهم.
لكن الألم لم يهدأ.
وصورة أحمد وحوراء معًا كانت تلاحقها في كل مكان.
دخلت المكتبة هذه المرة وهي تعرف لماذا جاءت.
كان المكان كما هو:
هادئ أكثر من اللازم،
والهواء ثقيل برائحة الورق القديم.
بحثت بعينيها بين الرفوف.
في البداية لم تره.
شعرت بخيبة قصيرة…
ثم سمعته.
— رجعتي.
التفتت بسرعة.
كان يقف خلفها،
كأنّه لم يغب أصلًا.
— قلت لك…
قال بهدوء،
— الرجوع اختيار.
ابتلعت نور ريقها. — أنا ما جيت أسأل أسئلة اليوم.
رفع حاجبه قليلًا. — أجل؟
نظرت إليه بثبات،
رغم أن قلبها كان يخونها. — أبي أعرف الطريق.
ساد صمت.
صمت ثقيل،
كأن الجدران نفسها تستمع.
— أي طريق؟
سأل.
— الطريق اللي يخلي مشاعر شخص
تتغير…
بدون ما ألمسه.
بدون ما يعرف.
لم يظهر على وجهه استغراب.
ولا دهشة.
فقط… قبول.
— الكراهية شعور سهل،
قال.
— لكنها ما تجي من فراغ.
— هي ما تحبه مثل ما تدّعي،
قالت نور بسرعة،
— أبغى الحقيقة تطلع.
ابتسم ابتسامة خفيفة. — كل اللي يدخل هذا الباب
يقول نفس الشي.
تقدّم خطوة،
لكن ترك مسافة بينهما. — قبل ما أقول أي شيء،
لازم تفهمين شي واحد.
رفعت رأسها. — إيش؟
— ما في سحر يشتغل بدون ثمن.
مو لازم يكون دم…
أحيانًا يكون نومك،
هدوءك،
أو صورتك عن نفسك.
ارتجفت نور،
لكنها لم تتراجع.
— أنا مستعدة.
نظر إليها طويلًا.
ثم أدار ظهره،
وسحب كتابًا نحيفًا من درج مخفي خلف الرف.
لم يناولها إياه.
— هذا مو كتاب تعليم،
قال،
— هذا اختبار.
— اختبار إيش؟
— اختبار نيتك.
فتح الصفحة الأولى،
وقرأ بصوت منخفض: — “هل تريدين أن تتألمي أقل…
أم أن يتألم غيرك أكثر؟”
أغلقت نور عينيها لثانية.
ثم قالت: — أبغى أنسى الوجع.
أغلق الكتاب. — الكذب على النفس
أسوأ من أي لعنة.
مدّ لها ورقة صغيرة. — خذي هذا.
اقريه الليلة.
لو رجعتي بعده…
نبدأ.
نظرت إلى الورقة. — ونبدأ بإيش؟
قال بصوت خافت: — نبدأ نفصل الحب عن صاحبه.
خرج وتركها واقفة،
والورقة في يدها تحترق دون نار.
حين عادت إلى المنزل،
فتحت الورقة.
كان مكتوبًا:
“الخطوة الأولى ليست فعلًا…
بل نية صافية بالكراهية.”
أغلقت نور الورقة ببطء.
جلست على سريرها،
ونظرت إلى الفراغ.
همست: — أنا جاهزة.
لكن في أعماقها،
كان شيء ما يهمس أيضًا…
وأنا كذلك.
يتبع… 🕯️🖤