(( الطائف الجزء الثاني ))
السيرة النبوية العطرة (( الطائف الجزء الثاني ))
______________________________
جلس صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة ، وأفاق من الصدمة والأزمة التي مر بها ، والأوجاع والدماء تسيل منه صلى الله عليه وسلم
وكان هذا الموقف من أشد المواقف التى مر بها النبي صلى الله عليه وسلم
يوم معركة أُحد ، لما شج رأس النبي صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته في فكه السفلي [[ الرباعية هو السن الذي يقع بين الثنية والناب ]]
وجرحت شفته السفلية وسالت منه الدماء صلى الله عليه وسلم
فسألته السيدة عائشة رضي الله عنها ، وهي تصب له الماء يغسل وجهه من الدماء
هل أتى عليك يوم كان اشد من هذا اليوم ؟؟
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم {{لقد لقيت من قومك، فكان أشد ما لقيت منهم يوم رحلة الطائف }}
_____________________________
جلس تحت الشجرة ،ثم رفع طرفه إلى السماء ودعا بهذا الدعاء
{{اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت ربُّ المستضعفين ، وأنت ربّي إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهَّمني ، أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي ، ولكنَّ عافَيَتَك أوسعُ لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخره ، من أن تُنزل بي غضبك أو يَحِلَّ عليَّ سخطُك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك}}
_______________________________
لما دعا صلى الله عليه وسلم ، بهذا الدعاء الخارج من قلب خير خلق الله على الإطلاق ، العلوي والسفلي
[[ يعني الملائكة والبشر والجن ، خيرهم جميعاً على الإطلاق ]]
خرج هذا الدعاء من قلب
خير رجل محزون مهموم [[ هذا الدعاء عمل إنتفاضة في السماوات السبع ، ضجت ملائكة السماء كلهم كيف ينال النبي هذا ؟؟ وأي واحد من ملائكة السماء يستطيع أن يدمر الطائف كلها ، ولكن الله هو البصير السميع ، سمع ما قال أهل الطائف وسمع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمر جبريل أن يهبط ]]
فنظر صلى الله عليه وسلم فإذا بغمامة [[ غيمة ]]
تهبط عليه من السماء تظله ، وإذ عليها جبريل
يقول صلى الله عليه وسلم ومعه رجل لا أعرفه ، فاقترب جبريل وسلم
وقال :_ يا محمد هذا ملك الجبال [[أي الموكل بأمور الجبال]] أرسله الله إليك ليطيعك فيما تأمره .. فأمره بما شئت
فتقدم ملك الجبال
وقال :_السلام عليك يارسول الله .. إن الله أمرني أن أطيعك فيما تأمرني ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين [[ أي جبلين في مكة ]]
وإن شئت دمدمت عليهم [[أي أهل الطائف دمرتهم ، وخسفت فيهم الأرض ]] فلا ترى بعد ذلك منهم عدو
___________________________
{{هذا حبيب الله ، هذا المصطفى ، هذا لرب العالمين رسولُ }}
صلى الله وسلم عليك يا حبيبي يارسول الله
دمائه تنزف ، ودموعه على لحيته ، وما أفاق من الصدمة بعد ، تخيلوا معي
كل إنسان فيكم ، والنبي لا ننسى أنه بشر ، كلنا نعرف لو شخص ، ظلمنا وذقنا طعم الظلم المر ، تتمنى أنك تملك أمر الظالم يوم ، تقول
[[ياريتني أحكم بهالناس يوم واحد أفرجيكم ايش أعمل فيهم ]]
هذا محمد رسول الله ، وقد أعطاه الله الحكم الآن الحكم بين يديه وهو مظلوم ، وملك الجبال خادم عنده
كلمة واحدة من رسول الله ينتهي أمر قريش والطائف
______________________
وإذا به صلى الله عليه وسلم يضم ملك الجبال إلى صدره ويقول :_ لا لا يا أخي ، إني لأرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئاً
فنظر إليه جبريل
وقال :_صدق من سماك رءوفٌ رحيم !!!!
قال تعالى {{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ }}
_________________________
{{ رءُوف رحيم }} اسمان من اسماء الله عزوجل
اعطاهم الله للنبي صلى الله عليه وسلم
في الله هما إسم
وفي النبي وصف
______________________
وفعلاً خرج من ذرية الطائف كثير من كبار العلماء الذين نشروا هذا الدين
______________________
عتبة وشيبة كانوا في البستان ، نظروا من بعيد فشاهدوا الدماء تسيل منه صلى الله عليه وسلم
وقد علموا بما فعل به أهل الطائف ، وكانوا هم أصحاب البستان الذي يجلس فيه رسول الله ، وكان شيبة وعتبة من سادة قريش
فلما شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ، بهذا المنظر حزين والدماء تسيل منه ، دخل العطف لقلبهم ، وتعاطفوا معه لأنه من صلة رحم ، فهم من بني عبد شمس ، والنبي من هاشم وجدهم الأكبر عبد مناف شعرا شيبة وربيعة بالتعاطف مع النبي صلى الله عليه وسلم
وكان عندهم غلام نصراني على دين المسيح إسمه {{ عداس }}
فأرسلوا عداس بطبق عليه عنب وماء بارد
وقالوا :_ إذهب إلى ذلك الرجل ، وضع الطبق والماء أمامه لعله يأكل ويشرب
فأقبل إليه عداس وجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم
وهو لا يعرفه ولا النبي يعرفه
وقال :_ أيها الرجل أرسل إليك سيدي ، بهذا تفضل وكُّل منه [[النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدم له أهل الطائف أي ضيافة ، ومضت أيام له في الطريق من مكة للطائف مشي على الأقدام وها هو الآن عائد إلى مكة فهو في جوع وعطش]]
فمد يده للعنب
وقال :_ {{ بسم الله الرحمن الرحيم }}
فتعجب عداس
قال :_ من أنت وماذا تقول ؟ !!!!
والله هذه الكلمة لا يعرفها أهل هذه البلاد أبداً
فقال له صلى الله عليه وسلم:_ ما إسمك ومن أين أنت ؟ قال :_ أنا عداس رجل نصراني من نينوى [[ نينوى بلد في شمال العراق]]
فإبتسم النبي
وقال له :_ من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟
فقال عداس بلهفة ودهشة :_وما أدراك من يونس بن متى؟ !!!!
والله لقد خرجت منها منذ سنين ، ليس في نينوى عشرة رجال يعرفون من يونس بن متى
فما علمك به وأنت في بلد الأُميين ؟؟ [[بلد الأُميين يعني بها هذا البلد يعبدون الأصنام ، ولم يرسل فيهم أي نبي كل الأنبياء كانت من بني إسرائيل ، العرب ما بعث فيهم نبي إلا محمد العربي صلى الله عليه وسلم ]]
فقال له النبي وهو مبتسم :__ ذلك نبي وهو أخي وأنا نبي مثله
يقول عداس رضي الله عنه ، وهو صحابي
قال {{والله أخبرني خبره ، وما وقع له مع قومه }}
أي ذكر له قصة نبي الله يونس مع قومه
_______________________
بشكل مختصر عن قصة نبي الله يونس عليه السلام
نبي الله يونس عليه السلام ، دعا قومه الى الله فلم يستجيبوا له
قالوا :_ يا يونس إن رأينا اسباب الهلاك آمنا بك [[ وهي النذر ، التي تمر علينا في هذا الزمن كل يوم ، وخير امة ، غارقون بالدنيا نسوا الله فأنساهم انفسهم ، إلا ما رحم ربي ]]
وأي نبي إذا أنذر قومه العذاب ، ولم يستجيبوا له ، تركهم وهجر تلك المدينة
فهجرهم نبي الله يونس ، ومضى يريد السفر عن طريق البحر لما أحس باليأس من قومه ، وامتلأ قلبه بالغضب عليهم لأنهم لا يؤمنون، وخرج غاضبا وقرر هجرهم ووعدهم بحلول العذاب بهم
فلما جاءت نذر الله على قوم يونس
امتلأت السماء بالغيوم شديدة السواد ، وكان يخرج منها دخان شديد ، ثم يهبط الدخان فوق رؤوسهم حتى ملأ مدينتهم
فتذكروا يونس وكلامه ، وافتقدوه فلم يجدوه ، فألقى الله في قلوبهم الهداية ، والتوبة ، والندم
فعند ذلك قاموا و لبسوا المسوح
[[ المسوح هو لباس خشن كان يصنع من شعر الماعز الأسود ، متعب ومؤلم جدا لمن يلبسه لدرجة كبيرة ، من أراد ان يعبر عن ندمه وحزنه ، يلبس المسوح ويجلس على الرماد ويضع الرماد على راسه ،بمعنى اللي عملته انا خراب بيوت وانا نادم على مافعلت اشد الندم ]]
لبسوا المسوح تعبيرا عن ندمهم وذلهم
وأخرجوا المواشي
واخذوا الاطفال الصغار من امهاتهم ، وفرقوهم
وايضا فرقوا بين كل بهيمة و ولدها
فضاجت المدينة كلها بالصراخ والبكاء ، بكى الاطفال ، والنساء ، والرجال ، وخارت البقار ، وارتفعت اصوات الحيوانات
وصرخوا يستغيثون
يا حيّ حيث لا حي، ويا حي يحيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت.
اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجلّ، فافعل بنا ما أنت أهله ، ولا تفعل بنا ما نحن أهله.
فلما علم الله الرحمن الرحيم ، اللطيف الودود
منهم الصدق تاب عليهم ، وصرف عنهم العذاب
وكي لا اطيل عليكم كلنا نعرف بعدها ركوب نبي الله يونس السفينة وكيف هاج البحر [[ إشارة من الله لنبيه يونس لإنه لم يصبر على دعوة قومه لله ]] وكيف ألتقمه الحوت
____________________________
اخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، عداس خبر نبي الله يونس مع قومه
وقرأ عليه قوله تعالى
{{ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ }}
فلما سمع عداس هذا !!!!!
قال :_ أشهد أنك رسول الله المنتظر خاتم الأنبياء ، وهبّ عداس يقبل رأسه ويديه وقدميه ، صلى الله عليه وسلم
___________________________
وعتبة وشيبة ينظران من بعيد
لما شاهدوا عتبة وأخوه شيبة ، عداس يُقّبل رأس النبي ويديه وقدميه
قال أحدهم للآخر:_ أما غلامنا فقد أفسده محمد !!! فرجع إليهم
قالوا له :_ ويحك ؟؟!!!!
[[ويحك عند العرب كلمة تعجب وإستغراب]]
ويحك أرسلناك تطعم الرجل وتسقيه ، قمت تقبل رأسه وقدميه ما الذي دهاك ؟ !!
قال :_ يا سيدي والله ما على وجه الأرض كلها ، رجل خير من هذا الرجل إنه خير خلق الله
قالوا له :_ويحك سحرك محمد
يا عداس .. دينك خير من دينه فلا تسمع له
قال :_ لا بل هداني إنه نبي
قالوا وما علمك بذلك ؟
قال لهم :_ أخبرني بأمر لا يعرفه إلا نبي
لقد أخبرني بيونس بن متى نبي بلادنا مع قومه ، وقرأ علي ما أنزل الله عليه ، وهو موافق لما نعلمه نحن أهل الكتاب وهذا لا يعرفه إلا نبي .
______________________
أسلم عداس
[[ لنتقدم قليلا بالسيرة ]]
معركة بدر وكان {{ شيبة وعتبة }} في صف المشركين من قريش وقبل المعركة كانوا يستعدون للخروج للمعركة
قالوا لعداس :_أخرج معنا
قال :_ إلى أين ؟
قالوا :_للحرب
قال :_حرب من ؟
قالوا :_حرب محمد
فقال عداس لهما متعجباً مندهشاً :_ أتريدان حرب ذلك النبي الذي جلس يوم كذا تحت الشجرة في البستان وقدمنا له الطعام وأسلمت على يديه ؟ !
قالوا :_أجل
قال عداس :_والله الذي لا إله إلا هو ، إن هذا الرجل لا تقف في وجهه الجبال كلها لو إجتمعت .. أنصحكم لا تخرجوا .. فلم يسمعوا منه وتركوه وخرجوا فكانا أول قتيلين في معركة بدر .
_______________
رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف متجه إلى مكة ولم يلقى من أهل الطائف أي خير ، ولكنه لقي من الله كل الخير والتأييد له ونصرته
يتبع ان شاء الله .... أيمان الجن في طريق رجوعه لمكة صلى الله عليه وسلم
____