الفصل الحادي والعشرين
في عربية مروان، اللي كانت مركونة في ركن هادي جنب الجامعة..
كانت رنيم قاعدة جنبه في فترة الراحة بين المحاضرتين، والتوتر باين على وشها. هي اللي طلبت منه ييجي عشان محتاجة تتكلم معاه في الموضوع اللي شاغل بالها ومنغص عليها حياتها. الحكاية وما فيها إنهم كانوا متفقين يفتحوا موضوع ارتباطهم قدام مراد، بس جواز مراد المفاجئ من رزان والقلبان اللي حصل في البيت والشركة خلى مروان يفرمل ويقول "مش وقتها خالص"، وأجلوا الفكرة لإشعار آخر.
رنيم كانت فاكرة إن مروان النهاردة جاي يقولها
"يلا بينا"، بس اتفاجئت برد فعله. مروان بصلها بهدوء وقال
"رنيم.. بلاش نفتح الموضوع دلوقتي خالص. إحنا داخلين على إعلان شراكة ضخم وشغل تقيل، والجو بيني وبين مراد لازم يفضل صافي ومركزين في البيزنس. أي توتر عائلي دلوقتي ممكن يبوظ الدنيا."
رنيم اتضايقت وبوزت، وقالت بنبرة فيها عتاب
"يعني هنفضل نأجل لحد إمتى يا مروان؟ أنا مش بحب الاستغماية دي، وكنت فاكرة إنك هتبقى أشجع من كدة قدام أبيه مراد."
مروان مسك إيدها بيحاول يهديها وقال بابتسامة حنينة "يا حبيبتي الموضوع ملوش علاقة بالشجاعة، الموضوع له علاقة بالوقت الصح. مراد لسه بيستوعب حياته الجديدة مع رزان، والشركة على كف عفريت بسبب الصفقة دي. صدقيني، أول ما الشراكة تعلن والأمور تستقر، هكون أول واحد واقف قدام أخوكي وبقوله إني عايزك. وافقي بقى وخلينا نعدي الفترة دي على خير."
رنيم فضلت ساكتة شوية، بتبص من شباك العربية وهي بتفكر، وفي الآخر اتنهدت بقلة حيلة ووافقت. قرروا سوا يسيبوا الموضوع مقفول عليه لحد ما حفلة الشراكة والغلبت دي تخلص .
______
رنيم نزلت من العربية بسرعة عشان تلحق محاضرتها، ومن استعجالها سابت "النوت بوك" الصغير بتاعها على الكرسي، ومروان انطلق بسيارته ومخدش باله خالص إنها نسيت حاجة، وطار على الشركة.
أول ما وصل، مروان كالعادة لازم يعدي على مكتب مراد، وطبعاً طريقه لازم يمر بمكتب بشرى. سلم عليها بابتسامته المعتادة وسألها
"مراد جوه يا بشرى؟"
بشرى ردت
"نزل القسم اللي تحت يا مروان بيه، زمانه راجع، لو حابب تتفضل تستناه في مكتبه."
مروان قالها تمام، وقرر يروح ناحية مكتب رزان يدردش معاها شوية كنوع من تمضية الوقت لحد ما مراد يطلع.
مروان قرب وبص، فلقى المكتب فاضي ومفيش حد، فكر إن رزان كمان مش موجودة. بس الحقيقة إن رزان كانت "تحت المكتب" حرفياً! كانت بتدور على غطا القلم اللي وقع منها وغطس في ركن بعيد، فكانت موطية تماماً ومش باينة لأي حد واقف.
في اللحظة دي، موبايله رن.. طلع الموبايل وشاف الاسم، فابتسم ابتسامة عريضة ورد بنبرة كلها دلال وغزل
"إيه يا حبيبتي؟ لحقت أوحشك بالسرعة دي؟ ده أنا لسه منزلِك من العربية مكملتش عشر دقايق يارنيم!"
رنيم على الناحية التانية كانت متوترة وقالتله إنها نسيت النوت بوك بتاعها معاه ومحتاجاه ضروري دلوقتي عشان المحاضرة. مروان نفخ بضيق مصطنع وقال
"يا نهار أبيض! يعني لسه واصل الشركة وهعمل مشوار تاني لسه؟"
رنيم ردت عليه بضيق ولوم فلقى نفسه بيضحك وتنهد باستسلام
"خلاص خلاص.. جاي يا ستي. بس قوليلي، هو إنتي ليه كل حاجة بتاعتك بتسيبيها عندي كدة؟ ناوية تحتلي العربية ولا إيه؟"
رنيم ردت بتهكم
"أصلها وقعت مني بالغلط يا أستاذ مروان.. يلا بلاش رغي وتعال بسرعة." وقفلت السكة.
مروان لف وطلع يجري عشان يلحقها، والهدوء رجع للمكان.. بس في اللحظة دي، رزان بدأت تطلع من تحت المكتب ببطء، وشها كان ملون زي الورقة، وماسكة غطا القلم في إيدها وإيدها بتترعش. كانت مبرقة وعينيها وسعت من الصدمة، وكل كلمة سمعتها كانت بترن في ودنها زي الجرس.
"رنيم ومروان؟ حبيبتي؟" رزان قعدت على الكرسي وهي مش مصدقة انه هما سوا ...
وعقلها بدا يربط الاحداث يعني لما شكت المرة اللي فاتت انه رنيم عندها حاجة لمروان ماكانش احساس غلط
دي شكلها غارت عليه منها .
وضحكت غصب .
_______
دخلت رزان مكتب مراد وهي شايلة ملفات تقيلة، كانت ناوية تسلمها وتخرج بسرعة، بس المنظر اللي شافته خلّاها تتسمّر مكانها. مراد كان غرقان حرفياً في الشغل، شعره مبهدل شوية، وعيونه باين عليها الإجهاد، وقدامه "ترسانة" من أكواب القهوة الورقية الفاضية المرصوصة زي الطوابير، وماسك في إيده كوباية لسه بيشرب منها.
قالت بصوت واطي وهي واقفة قدامه
"الملفات اللي طلبتها "
مراد من غير ما يرفع عينه من على الشاشة، رد
"تمام.. حطيها على جنب."
رزان كانت لسه هتلف وتمشي بعدما حطتها، بس مقدرتش تسكت وهي شايفاه بيرفع كوباية القهوة الـ "مش عارف رقم كام" عشان ياخد رشفة تانية. في لحظة اندفاع، مدت إيدها وسحبت الكوباية من إيده بقوة.
مراد اتصدم، رفع راسه وبصلها نظرة "حارقة" كلها ذهول وغضب من جراءتها، وكأنه بيقولها
"إنتي اتجننتي؟".
رزان محادثتش نظراته، وردت بحدة وخوف حقيقي عليه "مراد، اللي بتعمله ده جنان مش شغل! القهوة دي هتموتك، إنت بقالك كام ساعة مابطلتش كافيين؟ وشك بقى لونه أصفر!"
مراد حاول يشد الكوباية منها وقال بصرامة
"هاتي القهوة يا رزان، أنا عندي إعلان شراكة ومحتاج أركز، مش وقت محاضراتك دلوقتي!"
رزان سحبت الكوباية لورا بسرعة وهي بتقول
"مش هتاخدها يا مراد!"
بس من لخمتهما، الكوباية مالت من إيد رزان واتدلق منها شوية قهوة على كام ورقة مهمة من اللي قدامه. مراد في كسر من الثانية سحب بقية الملفات بعيد عشان ما تغرقش، ورزان وقفت مكانها مصدومة، مبرقة لعينيها، والورق اللي اتبل قدامها.
"أنا.. أنا بجد آسفة! مكنتش أقصد والله!" رزان قالتها وصوتها بيترعش من القلق والندم، كانت خايفة ينفجر فيها، وخصوصاً إنه تعبان وشغال بهستيريا من الصبح.
مراد ملقاش حل غير إنه يقوم من مكانه، مسكها من كتافها بهدوء وثبتها قدامه، ونزل براسه لمستوى وشها وهو بيبص في عينيها وقال بنبرة هادية بشكل مفاجئ
"رزان.. اهدي، خلاص، كل حاجة تمام."
رزان ردت بدموع محبوسة
"تمام إيه؟ أنا خربت لك الشغل اللي سهران فيه!"
ابتسم بخفوت وقال
"تمام يعني هعيدهم، مفيش كارثة حصلت، اهدي بس."
ساب كتافها وراح جاب محارم وبدأ ينشف الورق المبلول بهدوء غريب، ورزان واقفة بتبصله بقلق وتأنيب ضمير.
اما مراد فلم المحارم المبلولة، وجمع كل الأكواب الفاضية اللي كانت زحمة المكتب ورماها في الزبالة، ونظم مكتبه في دقايق تحت نظراتها المتوترة
بعد ما خلص، بص لها وقال
"أهو.. كدة كل حاجة تمام."
رزان سألته بلهفة
"طب والشغل اللي باظ؟"
رد ببساطة
"هعيد اللي اتبل وخلاص، مش حكاية يعني."
هنا رزان صممت، وقالت بجدية مفيهاش فصال
"لا، أنا اللي هعيده.. قولي بس المطلوب إيه وإنا هعمله فوراً."
مراد حاول يعترض
"يا رزان روحي إنتي، أنا هخلصهم.."
قاطعته وهي بتسحب الكرسي وبتقعد قدامه بكل حزم "قلت أنا اللي هعملهم.. مش هتحرك من هنا غير لما يخلصوا."
مراد اتنهد تنهيدة طويلة فيها استسلام وراحة خفية، وقال بابتسامة مهزومة
"تمام.. طالما صممتي، يبقى هنخلصهم سوا."
قعد مراد على كرسيه، ورزان قدامه، وبدأوا يشتغلوا في صمت ....
_______
فضلوا يشتغلوا سوا في صمت وهدوء، مفيش غير صوت تكتكة الكيبورد وحركة الورق. رزان كانت مركزة جداً وهي بتبيض الورق اللي اتبل وبتحاول تطلعه في أحسن صورة، ومراد ورا نظارته عينيه بتتحرك بسرعة البرق على الشاشة، بيرد على آخر إيميلات اليوم عشان يقفل ملف الشراكة ده ويقدر ينام وهو مرتاح.
رزان رفعت عينيها بالصدفة وبصت في الساعة، لقتها بقت 8 بالليل.. اتخضت وقالت في سرها
"يا نهار أبيض، الوقت سرقنا فعلاً!" في الوقت ده، كانت بشرى مشيت من بدري، وطبعاً مشيت وهي مطمنة لأنها عارفة إن رزان مع مراد في المكتب.
وفجأة، طلع صوت "قرقرة" عالي ومحرج من معدة رزان.. هي اتكهربت وبسرعة عدلت جلستها وضغطت على بطنها بإيدها عشان تكتم الصوت وتداري كسوفها، وعملت نفسها مركزة في الورق.
مراد سمع الصوت طبعاً وكشفها، رفع عينه من على اللابتوب وبصلها نظرة فيها لمحة ابتسامة خفية وقال "خلاص.. كفاية كدة، يلا بينا."
رزان ردت بلهفة
"طب إنت خلصت؟ كمل اللي وراك الأول وأنا هستناك.."
مراد ماداهاش فرصة، قفل اللابتوب بحسم وشال نظارته وقال
"قلت يلا.. روحي هاتي حاجتك وتعالي."
رزان لمت الورق بسرعة ونظمت المكتب ورجعته زي ما كان، وخرجت لمكتبها لبست الجاكيت الشتوي التقيل وأخدت شنطتها، وأول ما طلعت لقت مراد واقف مستنيها وهو لابس جاكيته الأسود الطويل وشايل في إيده المظلة السودة الكبيرة.
سألته بعفوية
"هي بتمطر برا؟"
مراد أومأ براسه من غير كلام.
نزلوا وخرجوا من باب الشركة، وفعلاً كانت السما مغيمة والجو برد والمطر شغال. رزان مدت إيدها لبره بتلقائية تتحسس نقط المطر وهي مبتسمة، وفجأة حست إن الدنيا "ضلمت" فوق راسها.. رفعت راسها لقت مراد فتح المظلة فوقها.
مراد كان واقف جنبها بالظبط، ماسك المظلة بإيد وميلها بوضوح ناحية رزان عشان يحميها هي من المطر، لدرجة إن كتفه هو بدأ يتبل بس مكنش فارق معاه.. كان مهتم إنها هي اللي تفضل ناشفة. مشيوا سوا في الهدوء ده لحد ما وصلوا لعربيته، ومراد بـ "شياكة" فتح لها الباب وهو لسه رافع المظلة فوقها عشان مفيش ولا نقطة مية تلمسها، وحط إيده التانية "الحرة" فوق سقف الباب عشان راسها ما تخبطش وهي داخلة..
ركبت وقفل الباب، ودار هو الناحية التانية وركب. العربية مشيت في صمت لحد ما رزان حبت تكسر الجمود وسألته "بشرى كانت بتقول إن فيه احتفال بمناسبة الشراكة كمان يومين؟"
مراد أومأ وقال بصوته الرزين
"أيوه.. في النوع ده من الشراكات الكبيرة لازم يتعمل حفلة رسمية، بيحضرها رؤساء الشركات والمستثمرين عشان نعلن التعاون قدام الكل."
رزان كانت بتسمع باهتمام، الحكايات دي جديدة عليها تماماً، وفجأة.. "قرقرة" معدتها طلعت تاني وأقوى من المرة اللي فاتت! رزان بصت لبطنها بإحراج رهيب وتمنت لو الأرض تنشق وتبلعها.
مراد مكنش عنده أي رد فعل غير إنه هدا السرعة ووقف العربية فجأة قدام مطعم شيك جداً، وبصلها وقال
"انزلي."
رزان تنحت
"أنزل فين؟ إحنا مش هنروح الفيلا؟"
مراد اتنهد بقلة صبر مصطنعة
"رزان.. أنا زهقت من كتر الأسئلة، انزلي ويلا عشان ناكل."
دخلوا المطعم، وأول ما مراد دخل، الاستقبال كان فوق الخيال.. النادل والمدير رحبوا بيه بحفاوة "أهلاً مراد بيه"، ورزان كانت مبهورة. مراد وضح لها وهو بيسحب لها الكرسي
"أنا متعود آجي هنا كتير مع مروان وسامر، المطعم ده أكله ممتاز."
المطعم كان فخم جداً بس في نفس الوقت فيه روح كدة بتخلي الواحد مرتاح مش متقيد.
قعدوا، والنادل جاب المنيو. مراد سند ضهره لورا باريحية وقالها
"اختاري اللي يعجبك."
رزان فتحت المنيو واتصدمت من كثرة الأطباق وأسعارها اللي كانت "تخض".. بصت لمراد وقالتله ببراءة وهي بضيق عينيها من تحت المنيو
"إنت متأكد؟"
مراد استغرب
"متأكد من إيه؟"
ردت بتهكم طفولي
"متأكد إني أطلب اللي أنا عايزاه؟ مش بعد ما ناكل ونمشي تقول عليا طماعة تاني وأكلت بقد كدة؟"
مراد بصلها بذهول من سذاجة تفكيرها، وبعدين قرب براسه منها لدرجة إنها ارتبكت وقال بنبرة واثقة
"اطلبي اللي إنتي عايزاه.. ومتقلقيش، مش هقول عليكي طماعة."
رزان ابتسمت براحة وبدأت تبص في المنيو بجد، كانت جعانة جداً والصور كانت تشهي. اختارت أطباق شكلها يجنن (زي ستيك مشوي مع صوص مشروم وباستا كريمي)، ومراد طلب لنفسه حاجات خفيفة وطلب للنادل ينفذ الأوردر فوراً.
_______
أول ما الأطباق نزلت على السفرة، رزان عيونها لمعت زي الأطفال، انبهارها كان باين في كل تفصيلة في وشها. ريحة الأكل كانت بتداعب حواسها، والتقديم كان "شيك" لدرجة خلتها تتردد تمد إيدها، بس الجوع انتصر في الآخر. قررت تبدأ بالشوربة الأول عشان تدفي نفسها من برد المطر اللي لسه كانت تحته.
أخدت أول معلقة، وبمجرد ما داقتها غمضت عينيها واستسلمت للطعم الغني الكريمة.. همست بتلقائية
"يا نهار أبيض.. دي طعمها يجنن بجد! عمري ما دقت شوربة بالحلاوة دي."
مراد كان مراقبها بهدوء، نظرة عينيه كانت غريبة، مزيج بين الاستمتاع بسعادتها وبين حنين مكتوم. ساب طبق الشوربة بتاعه خالص، ومد إيده بمنتهى البساطة ، سحب طبق الستيك اللي هي طلبته وبدأ يقطعهولها حتت صغيرة متساوية بالشوكة والسكينة بحرفية عالية، ورجعه قدامها تاني من غير ما ينطق بكلمة.
رزان أول ما شافت الطبق متقطع قدامها، الزمن وقف بيها. اللحظة دي رجعتها سنين لورا.. فكرتها بماضي كان فيه "مراد" برضه بيعمل نفس الحركة دي. فكرت في نفسها بمرارة
"حتى دي لسه مغيرتهاش يا مراد؟ لسه فاكر إني مبعرفش أتعامل مع السكين؟" افتكرت اللحظة اللي سابته فيها زمان في المطعم وقامت مشيت، والوجع اللي كان في عينيه وقتها. لكن هزت راسها بسرعة عشان تنفض "الأفكار السودا" دي من دماغها، وقررت إنها مش هتبوظ اللحظة دي.. هتاكل وتتمتع باللحمة.. "معاه".
بدأت تاكل وهو بدأ ياكل بهدوء ورزانة، الصمت كان سيد الموقف بس كان صمت "مريح" مش تقيل. رزان رفعت راسها وبصت للمكان حواليها بإعجاب وقالت
"المكان هنا بجد تحفة ، عجبني أوي الهدوء اللي فيه."
وكملت بابتسامة واسعة " والاكل مكان!"
مراد كان جواه بركان كلمات، كان عايز يقولها: "لو عجبك، هجيبك هنا تاني وتالت وعاشر، ومستعد أعمل أي حاجة عشان أشوف الابتسامة دي دايماً"، بس كالعادة، كبرياؤه لجم لسانه. اكتفى بس بابتسامة خفيفة جداً، ودارى عينيه في طبق الأكل بتاعه وكأنه مركز في الأكل بس.
وفجأة، موبايل مراد اهتز على الطاولة بصوت مسموع. بص للاسم لقى "سامر صاحبه" هو اللي بيتصل. ملامح مراد اتغيرت وبقت جدية، كأنه افتكر حاجة تابعة للشغل أو موضوع مهم بينهم.
استأذن منها بصوته الرجولي الهادي
"ثانية واحدة"
وقام وابتعد عن الطاولة وراح ناحية منطقة هادية في المطعم عشان يرد براحته وبعيد عن الدوشة.
______
مراد وقف في ركن بعيد عن الزحمة، ملامحه كانت مشدودة وهو بيرد على سامر. المكالمة دي مكنتش مجرد مكالمة شغل، دي كانت بخصوص "اللغز" اللي مراد مش عارف ينام بسببه: حكاية مهدي، خال رزان.
سامر قاله بصوت واطي وواضح
"مراد، أنا وصلت لخيط مهم بخصوص مهدي ده. زي ما طلبت مني، المعارف بتوعي قلبوا الدنيا وبدأوا يسألوا في الأماكن اللي كان مهدي بيتردد عليها.. والكل أكد لي إن مهدي كان غاوي 'قمار' تقيل، وكان بيروح صالات معينة أكتر من مرة."
مراد ضيق عينيه بتركيز وسأل
"وصلت لصالة معينة؟"
سامر كمل
"أيوة، صالة قمار معروفة في منطقة مدارية شوية.. اللي قدرت أوصله إن مدير الصالة دي سبق ودين مهدي مبلغ كبير، والمفاجأة إن مهدي رجع الفلوس دي بسرعة الصاروخ، وده اللي خلى المدير نفسه يستغرب! إزاي واحد 'فاشل' زيه ومخسران في اللعب، يقدر يأمن مبلغ زي ده في وقت قصير؟"
مراد اتنهد بضيق وشكره
"تمام يا سامر، كتر خيرك على المعلومات دي ياصاحبي، أنا هكمل خيوط الليلة دي من عندي."
سامر سأله بفضول
"مراد.. هو إيه الحكاية بالظبط؟ ليه مهدي ده شاغل بالك كدة؟"
مراد فك أول زرار في قميصه وكأنه بيحاول يتنفس
"عندي وساوس يا سامر.. مهدي لما استلف مني فلوس زمان، مكنش بيفكر يرجعها، وساب الحمل كله على رزان. اللي أنا شاكك فيه إن مهدي كان بياخد الفلوس وهو خلاص خرج من دايرة الراجل الكبير ، زي ما الديانة حكولي بقا مديون ليه.. الراجل ده هو اللغز، وموتة مهدي شكلها وراها حكاية تانية خالص غير إنها حادثة."
سامر حس بجدية الموضوع فطلب منه يهدي نفسه
"روق يا مراد.. بلاش تفتح على نفسك أبواب جهنم دلوقتي، إحنا محتاجين نركز في حفلة الشراكة اللي بعد يومين، والصفقة دي لازم تتم على خير. سيبك من مهدي والراجل الكبير دلوقت."
مراد وافقه بقلة حيلة
"عندك حق.. سلم لي على بلقيس، وتصبح على خير."
قفل مراد المكالمة وفضل واقف مكانه لثواني، عيونه راحت لبعيد لحد ما استقرت على رزان.. كانت قاعدة بمنتهى الراحة، بتاكل بالشوكة قطع الستيك اللي هو قطعها لها، وبتمسح بؤها بالمنديل وهي مش دارية إن جوزها بيحاول يحل لغز "خالها" اللي ممكن يقلب حياتهم كلها.
على الناحية التانية، في بيت سامر..
سامر كان قاعد مستند بضهره على السرير، بيفكر في كلام مراد والقلق اللي في صوته. في اللحظة دي، طلعت بلقيس من الحمام وهي بتنشف شعرها، شافته لسه ماسك الموبايل وسرحان، فقربت منه بابتسامة رقيقة
"بتكلم مين يا حبيبي في وقت زي ده؟"
سامر رفع عينه ليها وابتسم
"ده مراد.. كان بيسأل عن شوية ترتيبات."
بلقيس قعدت جنبه وسألته باهتمام
"خير؟ كل حاجة تمام؟ شغل برضه؟"
سامر سحبها برفق ناحيته، وأخد منها المنشفة وبدأ يجفف لها شعرها بحنان، وقال بصوت هادي عشان يطمنها
"كل حاجة تمام يا حبيبتي.. متقلقيش، دي مجرد تفاصيل عشان حفلة الشراكة الكبيرة اللي جاية، مراد عايز كل حاجة تطلع مثالية كالعادة."
بلقيس استسلمت لمساته الحنينة وسامر فضل يكمل تجفيف شعرها، بس عقله كان لسه مع مراد في "متاهة" مهدي والراجل الكبير.