البيت الذي يتنفس
الجزء الرابع عشر: البيت الذي يتنفس
في الليلة الثالثة لغياب شجاع، استيقظت ليان على صوتٍ لم تسمعه من قبل.
لم يكن همسًا، ولا خطوات…
كان صوت تنفّس.
جلست في فراشها، تحبس أنفاسها، تستمع.
الصوت يأتي من الجدران نفسها، بطيئًا، عميقًا، كأن البيت حيّ.
نهضت بحذر، وضعت قدمها على الأرض الخشبية، فصدر صوت صرير خافت، لكن الصرير لم يتوقف…
تابع وحده، وكأن الأرض تتحرك تحتها.
تقدّمت نحو الممر.
الظلال على الجدران لم تعد ثابتة، كانت تتمدد ثم تنكمش، وكأنها تراقبها.
شعرت ليان بوخز في رأسها، إحساس غريب يقول لها إن المكان يعرف اسمها.
من القبو، ارتفع صوت أوضح هذه المرة:
«وحدكِ الآن…»
أغلقت أذنيها، لكنها استمرت في سماعه داخل عقلها.
تذكّرت تحذير شجاع، وشعرت بندم حاد لأنها بقيت هنا.
فجأة، انفتح أحد الأبواب بقوة.
الهواء اندفع كأنه صرخة، والمصباح في السقف بدأ يتأرجح بعنف.
على الجدار المقابل، ظهرت كتابة سوداء، كأنها تُحفر ببطء:
لا تنتظريه
تراجعت ليان خطوة، قلبها يكاد ينفجر.
«اخرسوا!» صرخت، ولم تعرف لمن.
في تلك اللحظة، سُمع طرق عنيف على الباب الخارجي.
طرقة واحدة… ثم صمت.
اقتربت ببطء، يدها ترتجف وهي تمسك بالمقبض.
فتحت الباب.
لم يكن هناك أحد.
لكن على الأرض، وُجدت قطعة قماش سوداء، ملطخة بالتراب، تحمل نفس الرمز المحفور على يد شجاع.
في داخلها، عرفت شيئًا مرعبًا:
ما يحدث هنا… مرتبط بما يفعله هناك.
وكلما تأخر، ازداد البيت جوعًا.
أغلقت الباب بسرعة، وأسندت ظهرها عليه.
كانت وحدها، تمامًا كما قال.
لكنها لم تكن آمنة.
وفي أعماق الغابة، عند قبيلة الغسق، كان شجاع يقف أمام النار المشتعلة مجددًا، يسمع كلمات لم تُقال منذ عقود…
كلمات تعني أن العودة، هذه المرة، قد لا تكون ممكنة.