الأيام التي بلا ظل
مرّ اليوم الأول ببطء ثقيل.
ليان كانت وحدها في البيت، تشعر أن الجدران اقتربت أكثر مما ينبغي، وكأنها تنصت لأنفاسها.
غياب شجاع لم يكن مجرد فراغ بشري، بل فراغٌ في التوازن نفسه.
في الليل، بدأت الأصوات.
لم تكن همسات القبو وحدها، بل خطوات خفيفة في الممر، تتوقف كلما التفتت.
ليان أقنعت نفسها أن الخوف يصنع الأوهام، لكنها كانت تشعر بشيء آخر… شيء يعرف أنها وحدها الآن.
في اليوم الثاني، حاولت تجاهل تحذيره.
لم تبحث عن الحقيقة، لكنها نظرت إلى المخطوطة أكثر من اللازم.
الرموز بدت مختلفة، كأنها تتحرك ببطء، وكأنها تنتظر عودته.
أغلقت الكتاب فورًا، وتذكرت كلماته:
إن حاولتِ، ستموتين.
في تلك الليلة، رأت حلمًا غريبًا.
غابة كثيفة، نار مشتعلة في وسطها، ورجال يقفون في دائرة، وجوههم مخفية بالظلال.
وفي وسط الدائرة… شجاع، راكع، يضع يده على الأرض، والدم يسيل من كفه.
استيقظت فزعة.
قلبها يخفق بعنف، واسم شجاع كان أول ما نطقت به.
أما بعيدًا عنها، في عمق الغابة، كان شجاع قد وصل إلى قبيلته.
قبيلة الغسق لم تكن كما يذكرها.
الوجوه جامدة، العيون حادة، والنار في الوسط لا تبعث دفئًا بل رهبة.
تقدّم نحوه شيخ القبيلة، صوته منخفض كأنه صادر من الأرض:
«عدتَ متأخرًا… واللعنة تقترب من الاكتمال.»
لم يرد شجاع.
مدّ يده فقط، وأظهر الرمز الأسود المحفور في جلده.
ساد الصمت.
قال الشيخ أخيرًا:
«هل أخبرتها؟»
أجاب شجاع بصوت ثابت، بلا أي أثر للظرف أو المزاح:
«لا… ولن تعرف.»
في تلك اللحظة، سقطت شرارة من النار، وانطفأت.
وكان ذلك نذيرًا بأن الأيام القادمة لن تكون مجرد انتظار…
بل بداية شيء لن يمكن إيقافه.