الهمس الاول
اللعنة السوداء
الجزء الأول: الهمس الأول (متابعة)
كانت البلدة تستيقظ كل صباح على صمتٍ أثقل من الضباب. السَّرو لم تكن مكانًا يلفت الانتباه؛ بيوت حجرية قديمة، شوارع ضيقة، ونوافذ تُغلق قبل الغروب بلا سبب واضح. في ذلك اليوم، عادت ليان بعد غياب سنوات، تحمل حقيبة صغيرة وأسئلة أكبر منها.
نزلت من الحافلة عند آخر الطريق، حيث تنتهي الإسفلتات ويبدأ التراب. لم يكن في الاستقبال سوى لافتة خشبية باهتة كُتب عليها اسم البلدة، وتحتها خدوش سوداء كأن أحدهم حاول محو الحروف بأظافره. شعرت ليان بوخزة باردة في صدرها، تجاهلتها ومشت.
البيت القديم كان بانتظارها. منزل جدّتها، الذي قيل لها إنه مهجور منذ وفاة العجوز. الباب انفتح بسهولة مريبة، والهواء في الداخل كان راكدًا، تفوح منه رائحة خشب مبتل وشيء آخر… شيء يشبه الرماد. وضعت الحقيبة قرب المدخل، ولمحت مرآة طويلة مغطاة بقماش أسود.
مدّت يدها لرفع القماش، ثم توقفت.
همسٌ خافت مرّ بجانب أذنها.
لم يكن كلمة… بل نداء.
سحبت يدها بسرعة، وتراجعت خطوة. قلبها بدأ يخفق بقوة غير معتادة. حاولت الضحك على نفسها، لكنها لم تستطع.
مع حلول المساء، جلست قرب النافذة، تراقب الشارع الخالي. الساعة تقترب من السابعة. فجأة، بدأت الأضواء في البيوت تنطفئ واحدًا تلو الآخر، بانتظام مخيف. كأن البلدة تتنفس… ثم تحبس أنفاسها.
آخر ما انطفأ كان المصباح المقابل للمنزل.
بعده، ساد الظلام الكامل.
في منتصف الليل، أيقظها صوت.
ليس عاليًا… بل دقيق، متكرر.
جرّ… توقف… جرّ.
فتحت عينيها، جسدها متصلّب. الصوت يأتي من الأسفل.
القبو.
جلست على السرير تحاول إقناع نفسها بأنه وهم. بيت قديم يصدر أصواتًا. لكن الصوت تكرر. ومعه عاد الهمس.
أوضح هذه المرة.
«رجعتِ…»
انقطع نفسها.
لم يكن الصوت من الخارج.
كان من داخل الجدران.
نهضت ببطء، وقدماها ثقيلتان كأن الأرض لا تريدها أن تتحرك. عندما خرجت إلى الممر، كان الظلام كثيفًا، لكن في نهايته ظهر ضوء خافت يتسلل من أسفل باب القبو.
لم تتذكر أنها فتحته.
نزلت الدرج درجة درجة. الهواء صار أبرد، والهمس تحول إلى نغمة منخفضة، جماعية، بلا كلمات مفهومة. عند آخر درجة، توقفت.
الغبار يغطي الأرض.
وفيه… آثار أقدام.
حديثة.
خطت خطوة واحدة فقط، فانطفأ الضوء.
الظلام ابتلع كل شيء.
ثم…
أنفاس.
قريبة جدًا.
شعرت ببرودة تمر بمحاذاة كتفها، لا تُرى، لكنها حقيقية بما يكفي ليقف جلدها. حاولت الصراخ، لكن صوتها خانها.
وفي تلك اللحظة، فهمت شيئًا واحدًا بوضوح مرعب:
البلدة لم تنسَها.
واللعنة… لم تمت.