انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل التاسع عشر - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر

كانت رزان واقفة في نص المكتب، عينيها وسعت من الذهول وبتبصله وهي مش مصدقة اللي حصل.. مذهولة من رد فعله العنيف، ومن اعترافه الصريح قدام الكل إنها مراته. كانت عارفة ومدركة إنها لو خرجت من باب المكتب ده دلوقتي، هتلاقي الشركة كلها مفيش وراها سيرة غير "جواز المدير من سكرتيرته". مراد فجأة وكأنه فاق لنفسه، ساب دراعها اللي كان قابض عليها بقوة، وقبل ما هي تفتح بؤها وتنطق بكلمة، رفع صباعه في وشها بإشارة "سكوت" وقال بنبرة مخنوقة وصارمة "ولا كلمة .. ولا كلمة، لأني بجد على آخري ومش شايف قدامي." رزان جتها "لحظة إدراك" مفاجئة.. معقول هو زعلان ومنهار كدة عشان الفلوس اللي اتصرفت؟ بصت للشنط اللي في إيديها، وفي حركة سريعة هربت ناحية الأريكة (الكنبة) اللي في مكتبه، حدفت الشنط وحطت ركبها على الأرض وبدأت تفتحهم بلهفة وتطلع الهدوم الجديدة اللي ماركاتها "أوريجينال" وغالية جداً، وبدأت تشد "التيكت" (بطاقة السعر) من عليهم بكل قوتها. مراد كان واقف بعيد، بيرجع شعره لورا بحركة عصبية متوترة، بيحاول يهدي ضربات قلبه ويستوعب الفضيحة أو "الاعتراف" اللي قاله برا. وقف يبص عليها باستغراب وهو مش فاهم هي بتعمل إيه بالظبط، فسألها بذهول "إنتي بتعملي إيه؟" رزان من غير ما ترفع عينها وتنظر له، وإيديها بتتحرك ببراعة وسرعة بين الشنط، قالت بصدق وبراءة طفولية "بشيل التيكت .. بشيلهم عشان ما تعرفش ترجعهم المتجر تاني وتاخد فلوسك!" مراد جاله ذهول من طريقة تفكيرها، وسأل نفسه داخلياً: "هي للدرجة دي شايفة إني بخيل أو فارق معايا الفلوس؟" لقى نفسه بيقرب منها ببطء وهي قعدت مسندة ضهرها للأريكة وهي لسه في الأرض، وبتحاول تداري الشنط والحاجات اللي جابتها "عناد" فيه. نزل مراد لمستواها وقعد "جلسة القرفصاء" قدامها، وبص في عيونها المتوترة اللي بتلمع بالخوف والتحدي في نفس الوقت. وفجأة، سألها بنبرة ناعمة وهادية جداً، نبرة خلت رزان تتشل مكانها وعيونها تتعلق في عيونه بضعف "نفسك فيها ؟" وكأنه كان شايف النسخة المصغرة من رزان بتاع زمان . رزان بلعت ريقها وأومأت براسها من غير ولا كلمة. فحست بصوابعه بتلامس بشرة وشها بحنية، وهو بيرجع خصلات شعرها الويفي ورا ودنها ببطء، صوابعه كانت دافية وملمسها خلى جسمها كله يقشعر. مراد همس لها بهدوء "خلاص.. هي ليكي." بصتله بشك وسألت بصوت واطي "يعني.. يعني إنت مش زعلان عشان اشتريت كل ده؟ مش هتطلب مني أرجعهم؟" ضحك مراد غصب عنه، ضحكة خفيفة خلت ملامحه القاسية تلين، وقال "أنا مش قلتلك من الأول إن الكريدت كارد بتاعك وتعملي فيه اللي إنتي عايزاه؟" رزان رمشت بعينيها وهي بتبصله بذهول.. هو إيه اللي بيحصل؟ مش ده مراد اللي كان امبارح قاسي وسمعها كلام زي السم؟ ليه دلوقتي حنين كدة لدرجة تخلي قلبها يدق بالسرعة دي؟ قبل ما ترد، سمعوا خبط سريع على الباب، فمراد قام وفتحه لقى مروان واقف ووشه مخطوف من الصدمة، ودخل يقول الخبر "مراد! الشركة كلها عرفت.. الخبر انتشر زي النار في الهشيم إن رزان مراتك!" مراد بص بطرف عينه لرزان اللي كان واضح عليها التوتر والارتباك، لأنها من الأساس مكنتش عايزة حد يعرف عشان تفضل براحتها في الشغل. مراد سحب الجاكيت بتاعه من على الكرسي وسأل مروان ببرود "عندك شغل زيادة النهاردة يا مروان؟" مروان رد باستغراب "لا.. ليه؟" مراد وطى أخد شنط رزان في إيد، وبالإيد التانية مسك إيد رزان بقوة وقال لمروان "يبقى خد مكاني النهاردة " وخرج من مكتبه، إيده في إيد رزان، تحت أنظار بشرى اللي كانت هتموت من الدهشة ، وتحت أنظار كل الموظفين اللي وقفوا يراقبوا المشهد بذهول. رزان كانت ماشية وراه وهي بتبص لإيده اللي ماسكة إيدها بقوة وتحكم، وكأنه بيعلن للعالم كله وبأكد إن "رزان بجد مراته". خرج بيها برا الشركة وساب الكل ياكل في نفسه من الكلام، وهو سارح في طريقه وكأنه مش شايف غيرها. ______ بعد اليوم ده، الشركة حرفياً اتقلبت رأساً على عقب! الكل مابقاش وراه سيرة غير المدير القوي، الوسيم، اللي كان "بعبع" الشركة، إزاي اتجوز مرة واحدة كدة؟ ورزان اللي كان كل حلمها تكمل شغلها في هدوء، بقت حاسة إنها ماشية تحت الميكروسكوب؛ الناس بتضحك معاها وبيهزروا، بس هي عارفة إن أول ما تدي ضهرها، الألسنة بتبدأ تشتغل. كانت بتقول في سرها بغصة "يا ريتكم تعرفوا إن ده مجرد جواز ورق!" في يوم، كانت قاعدة في مكتبها، عينيها في شاشة الكمبيوتر وبتنقل البيانات بتركيز، وفجأة شافت خيال حد دخل مكتب بشرى.. كانت هي! بلقيس. رزان طبعاً متعرفهاش بالاسم، بس فاكراها كويس؛ دي الست اللي شافتها مع مراد المرة اللي فاتت، واللي بسبب ضحكهم سوا قامت خناقة كببرة وانتهت بإهانة مراد ليها. رزان وشها كشر تلقائياً، وأول ما بلقيس خرجت من عند بشرى، عملت نفسها غرقانة في الشغل ومش واخدة بالها، بس جواها كان فيه "حريقة" قايدة وخوف إنها تدخل لمراد مكتبه. لكن المفاجأة إن بلقيس وقفت على عتبة مكتب رزان وبدأت تتأملها بابتسامة غامضة. رزان رفعت راسها وقالت بنبرة عملية "ناشفة" شوية "مستر مراد في مكتبه يا فندم، لو عايزة تدخلي له اتفضلي." بلقيس ردت بمنتهى البساطة والهدوء "بس أنا مش عايزة مراد.. أنا عايزاكي إنتي." رزان رفعت حواجبها بذهول، وقبل ما تنطق بكلمة، لقت نفسها محاطة بحضن دافي وقوي من بلقيس! بلقيس حضنتها بحب، وبعدين بعدت شوية وقرصت خدود رزان اللي كانت متجمدة مكانها من الصدمة، وقالت بفرحة "يا روحي! دي مرات مراد طلعت قمر بجد.. حلوة أوي الله يحميكي" في اللحظة دي مراد خرج من مكتبه عشان يطلب قهوة، شاف المنظر فزفر براحة وتنهد، وبعدها نادى "رزان.." الاثنين بصوا له، وبلقيس بعدت عن رزان وهي لسه بتضحك وبتتعامل معاها وكأنها بنتها الصغيرة مش مجرد سكرتيرة أو زوجة صديق. داخل المكتب ... مراد قعد في مكانه، ورزان وبلقيس قعدوا قدامه في الكراسي المتقابلة. رزان كانت قاعدة "مبلمة" حرفياً لما عرفت إن بلقيس تبقى مرات الأستاذ سامر! هي أصلاً مكنتش تعرف إن سامر متجوز. بلقيس رفعت إيدها وورّت رزان الخاتم الألماظ وقالت بسعادة "إحنا متجوزين من خمس سنين، ولسه محتفلين بعيد جوازنا من كام يوم.. مراد هو اللي ساعد سامر في كل الترتيبات والمفاجأة." وبصت لمراد بعتاب واستغراب "إيه يا مراد؟ ما قولتلهاش ولا إيه؟" رزان في اللحظة دي حست إن الدنيا بتلف بيها.. بدأت تربط الخيوط ببعض؛ يعني بلقيس مرات سامر، ومراد كان غايب عشان بيساعد صاحبه في عيد جوازه، مش عشان كان "بيتفسح" معاها زي ما خيالها صور لها! ضحكت في سرها على نفسها وعلى الغيرة اللي كانت هتاكلها من غير لزمة. بلقيس اتنهدت وقالت لرزان بشكوى لذيذة "أصل مراد ده مش هيتغير أبداً، زيه زي سامر بالظبط.. كتومين بشكل ينقط! لو مطلعناش الكلمة منهم بالعافية مش هيتكلموا، كل الرجالة كدة يا بنتي." رزان ضحكت من قلبها، وتنهدت وهي بتبص لمراد اللي كان باصص لبلقيس كأنه متعود على "رغيها" ده. و فجأة، بلقيس قامت وشدت رزان من دراعها وقالت لمراد بلهجة مفيهاش فصال "بقولك إيه يا مراد، أنا هاخد رزان معايا النهاردة، عايزة أتعرف عليها ونقضي اليوم سوا." رزان ردت بتوتر "طب والشغل؟" بلقيس ردت وهي بتسحبها لبره "بشرى موجودة، وبعدين مراد بيه بيعرف يدير أموره كويس لوحده.. يلا بينا!" وبكده قضت رزان اليوم مع بلقيس، واكتشفت إنها ست عفوية جداً وقلبها أبيض وكبير بجد. بلقيس حكت لها إنها بتحب سامر جداً، وإن جوازهم كان صعب في الأول بسبب كلام الناس عن "فرق السن" إنها أكبر منه بسنتين، وسامر وقتها كان لسه بيبدأ حياته. بلقيس طلعت بنت المستثمر الغني اللي آمن بمراد ومروان وسامر لما كانوا لسه "تحت الصفر" وعندهم مجرد برنامج، وهي دعمتهم بكل قوتها قبل وبعد ما بقت مرات سامر، وعشان كدة هي بتشوف مراد ومروان زي إخواتها بالظبط، وهما كمان بيشيلوا لها الجميل ده وبيعتبروها أختهم الكبيرة وسندهم. ________ في يوم ... رزان كانت قاعدة في ركن من مكتب مراد، مركزة جداً في الشغل اللي قدامها وبتحاول متبصش ناحيته خالص. بشرى هي اللي بعتتها بحجة إن فيه ملفات محتاجة تخلص، وكانت بشرى بتعمل كدة "بخبث" وحسن نية، فاكرة إنها بتقربهم من بعض، وهي متعرفش إن رزان بتموت من التوتر وهي لوحدها معاه، ولا طبعاً تعرف سر جوازهم اللي "على الورق". بعد حوالي ساعة وشوية من الصمت المطبق، رزان خلصت كل اللي وراها وبعتت الملفات لمراد. رفعت عينيها وبصتله؛ كان غرقان في الحاسوب، لابس نظارته الطبية اللي بتديله هيبة، وصوته مطلعش من ساعة ما دخلت المكتب. الساعة بقت سبعة، رزان قطعت الصمت وسألته بصوت واطي " في حاجة تانية محتاجها قبل ما أمشي؟" مراد هز راسه بالنفي من غير ما يبعد عينه عن الشاشة، وبعدين بص في موبايله لقى إن الدوام فعلاً خلص، فقال ببرود "لا شكراً، تقدري تمشي." رزان كانت لسه هتتحرك، بس سألته بفضول "و أنت مش هتمشي؟" مراد عدل نظارته ورد بجمود "لا، أنا لسه عندي عشا شغل برا.. بلال طالب يقابلني كتعويض عن الاجتماع اللي اتلغى المرة اللي فاتت، فمش هروح دلوقتي." رزان وقفت وأومأت براسها، وبصت من الشباك الكبير لقت السما مغيمة أوي وريحة المطر بدأت تظهر، وقالت في سرها "يا خبر.. لازم ألحق الأتوبيس بسرعة قبل ما الدنيا تشتي وتغرقني." لسه بتلف ضهرها عشان تخرج، اتفاجأت بمراد بيقول بنبرة آمرة بس فيها لمحة اهتمام "استني.. بما إني مش هقدر أوصلك بعربيتي عشان مشواري، أنا هطلب لك السواق يروحك بالفيلا." رزان فتحت بؤها عشان تعترض وتقول إنها هتاخد أتوبيس، بس هو كان أسرع منها، سحب الموبايل وكلم الشوفير وبلغه يجهز العربية فوراً. بعد ما قفل المكالمة، بص لها وقال بصرامة "روحي جهزي حاجتك عشان العربية مستنياكي تحت." وبالفعل، رزان لمّت حاجتها بسرعة، لبست المعطف بتاعها ونزلت. أول ما خطت رجلها برا باب الشركة، لقت السما بدأت تنقط مية خفيفة والبرد زاد. ركبت العربية الفخمة في الكرسي اللي ورا، والسواق اتحرك بيها في هدوء ناحية الفيلا . _____ رزان خلصت العشا مع آسيا هانم وزهور، وبصفتها رزان الهادية اللي بتحب الذوق، ساعدت زهور في لم السفرة رغم اعتراض زهور، وبعدها طلعت أوضتها. أخدت شاور سخن طويل، حست فيه إن المية بتغسل تعب وتوتر اليوم كله من على جسمها. طلعت وهي لافة شعرها، ولابسة بيجامة حرير بلونها الناعم اللي مديها طلة رقيقة جداً، وأول ما مسكت السيشوار عشان تجفف شعرها، موبايلها رن.. كانت مامتها "رتيبة". رزان ابتسمت وردت فوراً "أيوه يا ماما.. وحشتيني، طمنيني عليكي." فضلوا يتكلموا في أحاديث عادية، لحد ما رتيبة قالت جملة خلت رزان تسكت وتتسمر مكانها "عارفة يا رزان، بقالنا كذا يوم والديانة والرجالة اللي كانوا بييجوا يهدوا الباب عشان ديون مهدي مابقوش يظهروا.. اختفوا تماماً يا بنتي، وكأن الأرض انشقت وبلعتهم." رزان سكتت، وقلبها دق بسرعة.. فهمت. مراد أكيد هو اللي خلص الموضوع ودفع الديون دي كلها من غير ما يفتح بؤه بكلمة. قالت لنفسها: "أكيد ده عشان الاتفاق اللي بينا مش أكتر"، بس من جواها كان فيه إحساس تاني خالص.. امتنان، راحة، وحاجة شبه "الأمان" بدأت تتسلل لقلبها ناحيته. بعد ما قفلت مع مامتها، راحت وقفت ورا الستارة، بصت لشوارع القاهرة اللي بقت ضلمة وغرقانة تحت المطر.. الجو كان شاعري وبارد، وهي عقلها مشغول بسؤال واحد: "هو لسه مرجعش ليه؟" عارفة إنه قال عشا شغل، بس الوقت اتأخر أوي. حاولت تشغل نفسها، حطت كريمات العناية بالبشرة، وشغلت المسلسل التركي بتاعها، بس عينها كانت كل شوية تروح ناحية الباب أو الموبايل.. كانت بتستناه وهي مش عايزة تعترف لروحها. بدأت تتثاوب وغلبتها النوم وهي قاعدة، بصت في الساعة لقتها 11 بالليل.. "يا ترى أكلمه؟ طب هقوله إيه؟ إنت فين؟ لا طبعاً هيفتكرني بدخل في حياته." تراجعت في آخر لحظة ورجعت رمت نفسها على السرير. فجأة، سمعت صوت عربية بتقف قدام الفيلا، نطت من السرير بلهفة وبصت من ورا الستارة.. شافته وهو نازل، فاتح شمسية سودة كبيرة وبيمشي بخطواته الرزينة. أخدت نفس عميق ورجعت مكانها بسرعة عشان ميبانش إنها كانت مراقبة الطريق. مراد وهو داخل، رفع راسه وبص للفيلا، لقاها كلها ضلمة فاستنتج إن الكل نام، وده العادي لأنه دايماً بيوصيهم محدش يستناه. بس أول ما دخل اللوبي، لقى رنيم نازلة تشرب مية ببيجامتها الطفولية وشعرها المتضفر. رنيم أول ما شافته جريت عليه وحضنته "كل ده شغل يا أبيه؟ حرام عليك نفسك." مراد ابتسم بتعب وطبطب عليها "معلش يا حبيبتي، خلاص خلصت.. اطلعي إنتي نامي." رنيم بدأت تدفعه بضحك ناحية السلم "طب يلا قدامي على الأوضة عشان ترتاح، أنا اللي هوصلك بنفسي." مراد ضحك على جنان أخته وباسها من خدها وقالها "تصبحي على جنة يا رنيم." فتح باب الأوضة بهدوء وهو فاكر إن رزان نامت، بس اتفاجأ بصوت التلفزيون وشافها قاعدة. رزان أول ما شافته بررت "أصل.. أصل المسلسل حلقاته طويلة أوي وكنت عايزة أخلصها قبل ما أنام." مراد ما علقش، اكتفى بإيماءة هادية وبدأ يطلّع غيار له من الخزانة عشان ياخد شاور يفك عضلات جسمه المشدودة. رزان فضلت مكانها، عينيها مثبتة على الشاشة وكأنها مركزة في المسلسل، بس الحقيقة إنها كانت حاسة بكل حركة بيعملها في الأوضة _____ مراد طلع من الحمام وهو بينشف شعره بالمنشفة، وفي اللحظة دي رزان قامت بسرعة بحجة إنها رايحة تغسل سنانها، بس الحقيقة إن الكلام كان واقف في زورها ومحتاجة تطلعه. أول ما قربت منه، وقفت وبصت له بتردد وقالت بصوت واطي "مراد.. أنا عرفت إن الديانة مابقوش ييجوا البيت، وعرفت إنك سددت ديون مهدي كلها." مراد اكتفى بنظرة هادية وباردة، وكأنه معملش حاجة تذكر، ورد باختصار"عادي.. ما تشغليش بالك." رزان مكنتش عايزة الموضوع يعدي كدة، كانت عايزة تشكره بجد وتحسسه إنها مقدرة اللي عمله، بس هو قاطعها بجمود "ده كان الاتفاق يا رزان، مفيش داعي للشكر، أنا بنفذ اللي وعدت بيه مش أكتر." رزان حاولت توقفه بضيق "أيوه عارفة إنه اتفاق، بس برضه الأصول بتقول.." وقبل ما تكمل كلمتها، رجلها اتزحلقت على أرضية الحمام المبلولة. لسه كانت هتقع وتخبط في الأرض، لقت إيد مراد القوية لفت حوالين خصرها وسحبتها عليه بسرعة البرق عشان يسندها. في اللحظة دي، الزمن وقف.. رزان لقت نفسها محبوسة بين إيديه، وشها مفيش بينه وبين وشه غير سنتيمترات بسيطة. عيونهم اتقابلت في نظرة طويلة مليانة كلام مش مفهوم؛ عيون رزان كانت واسعة من الخضة والارتباك، وعيون مراد كانت مركزة فيها بهدوء غريب وترقب. ريحة الشاور وفحة المية السخنة كانت مالية المكان، ورزان حست بضربات قلبها بتسمع في ودنها من كتر قوتها، وفي لحظة الضعف دي، حست إنها مش عايزة تبعد. كسر مراد الصمت ده بابتسامة خبث مكرة، وهمس وهو لسه ماسكها "وبعدين؟ ناوية تفضلي في حضني كدة كتير ولا إيه؟" رزان أول ما سمعت الجملة، فاقت لنفسها ونفضت إيديه عنها بسرعة وهي وشها بيغلي من الكسوف، وقالت وهي بتحاول تلم شتات نفسها "إيه الغرور ده؟ أنا بس اتزحلقت، وبعدين حضن إيه اللي بتتكلم عنه؟ ده ولا فارق معايا أصلاً، ولا إنت من النوع اللي بيأثر فيا يا مراد!" كملت بثقة مزيفة وهي بتشاور بإيدها في الهوا: "ده أنا أصلاً مش شايفاك كدة.. يعني ماببصش ليك كراجل بيلفت نظري، إنت مجرد شريك في اتفاق وبس." مراد رفع حاجبه باستنكار، وابتسامة خطيرة اترسمت على شفايفه.. ابتسامة "تحدي". بدأ يقرب منها بخطوات بطيئة ورزان ترجع لورا بخوف وارتباك، لحد ما لقت ضهرها لزق في حيطة الحمام الباردة. و مراد محاصرها بذراعيه يمين وشمال، مفيش مخرج. ميل راسه وهمس في ودنها بصوت خلى جسمها كله يقشعر "بجد؟ يعني بتقولي إنك مش شايفاني راجل؟ متأكدة من الكلمة دي يا رزان؟" رزان حاولت تبان قوية وهزت راسها بـ "أيوه"، بس عيونها كانت بتقول عكس كدة تماماً. ابتسامة مراد وسعت بتحدي مستفز وقرب من وشها أكتر "طب تحبي أعرفك الراجل بيعمل إيه في موقف زي ده؟" رزان اتصدمت من جرأته اللي وصلت للسما، وفهمت هو قصده إيه، بس لسانها خانها وسألته بتهتهة: "إ.. إزاي؟" غمضت عينيها بقوة وهي حاسة بأنفاسه قريبة جداً منها، وقلبها خلاص هيوقف من الرعب والتوتر.. كانت مستنية "حاجة" تحصل، بس فجأة حست ببرودة المكان حواليها. فتحت عينها لقت مراد بعد عنها بمنتهى البرود، أخد منشفته وكمل تنشيف شعره وهو رايح ناحية السرير وقال بلامبالاة "تصبحي على خير.. أنا عايز أنام." رزان فضلت واقفة مكانها في الحمام، ساندة على الحيطة ونفسها مقطوع، ومش قادرة تستوعب إزاي مراد بيقدر يلعب بأعصابها بالشكل ده ويسيبها "شايطة" ويمشي ينام بكل بساطة. _____ كانت رزان غارقة في النوم، ونفسها المنتظم هادي في الأوضة، أما مراد فكان متسطح على الأريكة، عينه للسقف وبيحاول يطرد الأفكار من دماغه عشان ينام.. بس كلامها عن الديون والشكر اللي حاولت تقدمه له، خلاه يفتح "صندوق أسود" من الحكايات اللي عرفها وهو بيسدد المبالغ دي. مراد فعلًا دفع الديون، بس وهو بيلم الموضوع، اكتشف حاجات خلت الشك ينهش في عقله. هو استغرب في البداية؛ إزاي الديانة دول وافقوا يسلفوا مبالغ خرافية لواحد زي مهدي، لا شغل ولا مشغلة وصايع؟ لكن الإجابة كانت إن مهدي "كان" بيلتزم في الأول، ده غير إنه اشترى "بيت رزان" فجأة وبكاش، وهو سؤال فضل يلف في دماغ مراد: "مهدي جاب الفلوس دي كلها منين؟" الخيط اللي خلى مراد "يشب" ويهتم بجد، كانت جملة سمعها من واحد من الديانة .. الراجل اللي كان بيخبط على باب رزان زمان وهو مرعوب من فكرة إن الفلوس ما ترجعش، قال لمراد إن فيه حد تقيل ورا مهدي، سماه "الراجل الكبير". الراجل ده هو اللي كان بيسلف مهدي الفلوس، بس الحكاية ما كانتش مجرد سلف؛ ده كان فيه "شراكة" أو "ورطة" دخل فيها مهدي، وشكله مهدي غرز مع الراجل الكبير ده في مشاكل، أو يمكن الراجل طلب فوائد أكتر من اللي مهدي يقدر عليها. مراد حاول يضغط عشان يعرف مين هو "الراجل الكبير" ده، بس الإجابة كانت دايماً: "مانعرفش، مهدي كان هو الوصلة الوحيدة بينا وبينه." هنا مراد بدأ يربط الخيوط ببعضها.. مين هو الراجل ده؟ وإيه مصلحته مع مهدي؟ والأهم من ده كله، إن شكوك مراد بدأت تروح لمنطقة خطيرة: "هل معقول موتة مهدي في الحادثة كانت قضاء وقدر فعلًا؟ ولا فيه حد قرر يخلص منه عشان الحسابات كترت؟" كل ده كان مجرد تحليل وتخمينات في عقل مراد، بس النظرة اللي في عينيه كانت بتقول إنه مش هيسكت لحد ما يعرف الحقيقة، ويعرف "الراجل الكبير" اللي لسه مستخبي في الضلمة.