الفصل الثالث
بدأ اليوم كأنه نسخة متكررة من أمس… لكن يبدو أن القدر قرر زيادة جرعة الفوضى.
ليان كانت تمشي بسرعة في الممر، تحاول ألا تصطدم بأي شيء… وبأي أحد، خصوصًا بعد حادثة الصباح.
لكن يبدو أن العالم كله قرر أن يكون معاديًا لها، لأنه في اللحظة نفسها التي رفعت فيها نظرها… اصطدمت برائد مرة أخرى.
«أوه… هل تعشق الاصطدام بي؟» قالت ليان، وقد تحولت ملامحها إلى مزيج من الغضب والانزعاج.
ابتسم رائد ابتسامة واثقة، كأن كل كلمة تقولها تزيده مرحًا:
«لا… فقط أحرص على ألا تنسي أن وجودي يجعلك حذرة.»
تجاهلت ليان تعليقه، لكن عينيها لم تفارقه.
«حسنًا… لكنك ستدفع ثمن هذا!» قالت، وهي تحاول الإمساك بحقيبتها المتعثرة.
وفجأة، انقلبت حقيبتها على الأرض، وخرجت الأوراق تتطاير كالعصافير، بينما رائد مدّ يده لمساعدتها… بطريقة غريبة جعلتها تتراجع خطوة إلى الخلف.
«أيمكنك الابتعاد قليلاً؟» قالت بغضب، لكنها لم تستطع منع ابتسامتها الصغيرة من الظهور رغم كل شيء.
ابتسم رائد مجددًا، وكأن هذه الابتسامة تحقّق له انتصارًا صغيرًا:
«يبدو أنني أصلح الفوضى أينما ذهبت.»
في المكتب، وبين الاجتماعات والملفات، بدأ الاثنان يلاحظان شيئًا غريبًا…
كل مصادفة تجمعهما، كل لقاء عابر، كان يجعل القلوب تهتز قليلاً… بطريقة لم يفهماها بعد.
حتى زملاؤهما لاحظوا التوتر الطريف بينهما، وضحكوا في صمت على الطريقة التي يتبادلان بها النظرات، وكأنهما في مسرحية كوميدية لا نهاية لها.
وفي لحظة قصيرة، شعرت ليان بأن قلبها يرفرف بلا سبب واضح، بينما رائد بدا أكثر فضولًا، أكثر متعة… وكأن كل تصادم صغير، كل نكتة، كل مواجهة، تقربهما أكثر من بعضهما… رغم كل الاستفزازات والمواقف الكوميدية.
وهكذا، بدأت علاقة غريبة تتشكل، علاقة مليئة بالفوضى، الضحك، والتحديات…
لكن خلف كل مواجهة، هناك شيء آخر… شيء صغير، خفي، لا يستطيع أي منهما اعترافه بعد…