الفصل السابع عشر
فتحت رزان عينيها ببطء على صوت حركة خفيفة في الأوضة، فضلت ثواني بتحاول تستوعب هي فين وسقف الأوضة ده شفته فين قبل كدة؟ لحد ما افتكرت.. دي أوضة مراد اللي بقت أوضتها، وهي نايمة على سريره اللي طلع مريح بشكل مش طبيعي، لدرجة إنها نامت "نومة هنية" بجد ما نامتهاش من سنين.
حاولت تقوم بس لقت نفسها مش قادرة، خايفة من فكرة الاحتكاك بمراد في أول صباح ليهم، والأهم من كدة إنها كانت عارفة إن شكلها "ما يسرّش عدو ولا حبيب". أول ما سمعت صوت باب الحمام اتقفل، قامت جرى تبص في المراية.. في النهاية هي لسه سكرتيرته ولازم تروح الشغل معاه بطلّة مناسبة.
بصت لنسختها في المراية واتصدمت: شعرها منكوش وكأنه طالع منه كتاكيت، وجانب فمها كان ملطخ بآثار اللعاب من كتر ما كانت غرقانة في النوم! برطمت بغيظ
"ماشي يا رزان، هي دي قومة الهوانم؟ لو شافني كدة غروري كأنثى هيتفرم في الخلاط، حتى لو مش جوزي بجد."
مسكت المشط وبدأت تسلك شعرها بعنف وبسرعة قبل ما يخرج، وفجأة.. المشط "عشق" في خصلات شعرها ورفض يتحرك. وفي اللحظة دي بالظبط، الباب اتفتح وخرج مراد!
مراد خرج عاري الصدر تماماً، وشعره مبلول، وشكله نسي ياخد المنشفة معاه جوه. الاثنين اتسمروا مكانهم وبصوا لبعض؛ رزان عينيها زاغت غصب عنها على عضلات جسمه اللي اتغيرت وبقت قوية ورياضية جداً عن زمان، ومراد عينه جت على رزان اللي كانت واقفة في نص الأوضة والمشط مغروس في نص شعرها وشكلها يضحك.
بسرعة البرق، كل واحد لف وشه الناحية التانية. رزان رجعت تصارع المشط بوش محمر، ومراد سحب المنشفة بتاعته وجرى على الحمام التاني يكمل لبسه وهو بيبرطم بكلمات مش مفهومة.
الأوضة اتحولت لساحة معركة "تجهيز". ده بيلبس قميصه هناك، وهي بتعدل الجاكيت بتاعها هنا، الهدوء كان سيد الموقف لحد ما الاثنين رشوا "البرفيوم" بتاعهم في نفس اللحظة. ريحة عطر مراد الرجالي القوي اختلطت بريحة عطر رزان الأنثوي السكري، والدنيا اتملت روايح خنقت الجو، لدرجة إن مراد فجأة "عطس" بقوة.
بصلها وهو بيمسح مناخيره وقال بضيق
"إيه العطر اللي يكتم النفس ده؟ "
رزان حطت إيدها في وسطها وردت باستنكار
"نعم؟ عطري أنا؟ ما عطرك إنت اللي ريحته قالبه الفيلا وأقوى من عطرى بمراحل!"
مراد هز راسه بزهق
"مش وقت مناهدة، ورايا شغل مش عايز أضيعه."
أخدت شنطتها وطلعوا من الأوضة وكل واحد مش طايق التاني. لما نزلوا، مراد استغرب إن "رنيم" مش موجودة وهي اللي علا طول كان يوصلها بنفسه الجامعة ، وسأل مامته فقالت له بمغزى
"رنيم راحت لوحدها النهاردة."
مراد فهم فوراً إنها لسه شايلة منه ومقموصة عشان ماسهرش معاها.
آسيا عزمتهم على الفطار، بس مراد كعادته اعتذر
"ماليش نفس يا أمي." بص لرزان لقاها بتبتسم وبتقول بأسف "معلش يا طنط، أنا كمان مش بقدر آكل حاجة الصبح."
آسيا رفعت حاجبها بدهشة
"يا سلام! يعني حتى في دي طالعين زي بعض؟"
خرجوا من الفيلا، وقبل ما رزان تركب العربية، وقفت مكانها. مراد اللي كان بيفتح باب السواق وقف وبصلها باستغراب، رزان قالت بحزم وهي بتهز براسها برفض
"إحنا مش هنقدر نروح الشركة سوا يا مراد."
مراد استغرب وعلق
"ليه إن شاء الله؟"
رزان كملت بتوتر
"عشان الكل هيقول إزاي وكيف؟ ماحدش يعرف إننا اتجوزنا، وفي النهاية أنا السكرتيرة وإنت المدير.. هيطلع علينا كلام كتير."
مراد كان شايف الموضوع تافه وعادي، بس رزان كانت خايفة على سمعتها في المكان اللي بدأت ترتاح فيه. سألته بوضوح
"إنت ناوي تقولهم إن سكرتيرتك بقت مراتك؟"
مراد رد ببرود وهو بيركب
"مش هقول.. ومش هخبي."
رزان بصتله بحيرة
"يعني إيه مش هقول ومش هخبي؟ فسرلي!"
مراد بصلها وقال بلهجة قاطعة
"اركبي يا رزان، فيه شغل مستنينا."
ركبت رزان وهي مقررة جواها
"أول ما نقرب من الشركة هنزل، أنا مش ناقصة إشاعات ولا عايزة الناس تتعامل معايا بحذر وخوف عشان 'مدام المدير'.. أنا حبيت الشركة دي وعايزة أفضل فيها براحتي."
مراد ضحك بسخرية وهو بيسوق
"ياااه! للدرجة دي صدقتي الدور "
وبعدها سألها لما استوعب
" انتي حبيتي الشركة ؟"
رزان ردت بصدق وهي تبص للطريق
"أيوه يا مراد، بجد بحبها."
مراد هنا سكت تماماً، وفضل مركز في الطريق بملامح غامضة وهو بيزود السرعة.
_____
لما قربوا من مبنى الشركة، رزان بدأت تتوتر وبصت لمراد بلهفة "مراد، وقف العربية هنا.. لو سمحت"
لكن مراد كأنه ركب وش الخشب، ملامحه ثابتة ومبصش ناحيتها أصلاً، وكأنه مش سامعها بتنادي عليه.
رزان بصت للطريق وللشركة اللي بقت خلاص على بعد خطوات، وبدأت تهز في ذراعه بتوتر
"يا مراد وقف! الكل هيشوفنا!"
لكن هو ولا هو هنا، لحد ما وصل قدام المدخل الرئيسي ووقف العربية بكل ثبات. رزان في ثانية غطست في الكرسي ونزلت راسها لتحت وهي مستخبية، وعينيها بتراقب الموظفين اللي داخلين يبدأوا دوامهم بشكل طبيعي.
مراد نزل من العربية بكل هدوء ، سحب شنطته الجلد من الكرسي اللي ورا، ولف ناحية رزان وفتح لها الباب. رزان رفعت راسها ببطء، كانت مكمشة في نفسها وشكلها يضحك من كتر الخوف، مراد حرك راسه بحزم بمعنى "انزلي"، ولما لقاها مترددة، شاور بالمفتاح اللي في إيده وقال بسخرية "هتنزلي ولا أقفل عليكي العربية وأسيبك هنا؟"
رزان جمعت شتات نفسها بسرعة، وسحبت شنطتها رفعتها قدام وشها عشان تداري ملامحها، ونزلت وهي بتتسحب زي الحرامية. مراد زفر بقلة حيلة وقفل العربية ومشي قدامها بخطواته الواثقة، وهي أخدت نفس عميق ولحقت وراه وهي بتهمس لنفسها
"دي ضريبة الجواز من المدير في نفس مكان الشغل.. يا فضيحتك يا رزان!"
عند الباب، الحراس وقفوا بانتباه
"صباح الخير يا فندم"، ومراد رد بإيماءة هادية. فجأة طلع لهم "عم جابر" (اللي كان الشاهد وراح مع مراد يطلبها)، وابتسم لمراد وبعدين بص لرزان وقال بترحاب
"صباح الفل يا ست رزان.. نورتي الشركة."
رزان ردت عليه بتوتر وهي بتبلع ريقها، ودخلت بسرعة لجوّه.
لكن الصدمة الحقيقية كانت مستنياهم في "اللوبي"، مروان وسامر كانوا جايين بيجروا ناحيتهم، مروان وقف وهو بينهج ومعاه سامر .
مراد بصلهم باستغراب
"إيه النشاط ده من بدري؟"
مروان رد انه ركن عربيته ركنها في مكان غلط ولو مارحش دلوقتي مش هيلاقيها اما سامر فحد بيستناه وصل .
وبعدها الاثنين بصوا لرزان .
مروان لفت عينه لرزان، كان متعود يهزر معاها ويناقرها لما كانت سكرتيرة مراد وبس ، بس دلوقتي الوضع اختلف تماماً، دي بقت "مدام مراد شاكر". مروان اتوتر وبقى يفرك في إيده مش عارف يقول إيه
"صباح الخير.. يا.. يا.. يا مرات أخويا!"
رزان أول ما سمعت الجملة، وشها قلب ألوان، وحست إن الأرض بتلف بيها؛ الخبر طلع منتشر أكتر ما كانت تتخيل!
أما سامر فكان أهدى، بص لها وعمل إيماءة وقورة "صباح الخير"، وودعوا مراد ومشيوا.
رزان حست إن ركبها مش شايلاها، وقالت في سرها
"لو ما وصلتش مكتبي دلوقتي هقع من طولى، دول نص الكوكب طلعوا عارفين الحكاية!"
وبما إن مكتبها ومكتب مراد في نفس الدور، كان لازم يركبوا الأسانسير سوا.
أول ما باب الأسانسير اتفتح في دورهم، رزان انطلقت زي السهم، جريت على مكتبها وقفلت على نفسها، وسابت مراد واقف مكانه للحظات، بص على أثرها وابتسم ابتسامة خفيفة قبل ما يكمل مشيته بهدوء لحد ما وصل عند "بشرى" ، اللي وقفت باحترام
"صباح الخير يا مراد بيه."
وبعدها دخل مكتبه، ورزان كانت ورا الحيطة في مكتبها، حاطة إيدها على قلبها وبتحاول تستوعب إن حياتها الهادية في الشركة.. انتهت النهاردة للأبد.
_____
رزان قضت اليوم كله وهي عاملة زي "الفار المستخبي"، حابسة نفسها في مكتبها وكل ما بشرى تطلب منها تدخل لمراد ورقة أو إمضاء زي العادة، تخترع مية حجة وحجة.. وصلت لدرجة إنها بقت بتتحايل على بشرى إنها تدخل هي بدالها.
بشرى بدأت تشك إن فيه "إنّ" في الموضوع، وسألت رزان بفضول
"في إيه يا بنتي؟ مالك النهاردة؟"
رزان اتوترت جداً وافتكرت إن بشرى عرفت الحقيقة، بس بشرى كملت بتخمين تاني خالص
"إنتي هببتي إيه في الشغل؟ أكيد مراد بيه وبخك على غلطة وعشان كدة خايفة تحطي عينك في عينه، صح؟"
رزان أول ما سمعت كدة، حست إن روحها ردت فيها، وهزت راسها بسرعة وهي بتدعي إن ده اللي حصل فعلاً.
وعشان تهرب من "خناق" الطابق ده كله، بشرى كلفتها بمهمة تانية، إنها تنزل تستلم "طلبية" واصلة للشركة، ورزان ما صدقت.. نزلت جرى وهي حاسة إنها بتفك أسرها.
الطلبية في الحقيقة كانت "أكل"، لأن بشرى كانت بتتوحم ونفسها راحت لبطاطس مقلية وسندوتشات.
رزان وقت كانت تستلم الطلبية ، شافت واحدة داخلة الشركة، ست في الثلاثينات، شيك جداً ولابسة لبس غالي، وعلى وشها ابتسامة واثقة وجميلة. لكن بسرعة رجعت تبص على اللي وصل الطلبية وشكرته .
واول ما كانت وصلت طابقها ، وقفت ورا جدار وهي بتراقب المشهد بصدمة؛ عشان شافت مراد واقف مع الست دي وبيضحك معاها من قلبه!
رزان رفعت حاجبها باستنكار وهمست لنفسها
"يا سلام! ومين دي إن شاء الله؟ وبتموت على نفسها من الضحك معاه كدة ليه؟ وهو ماله سنانه باينة كدة ومبسوط أوي؟"
الغضب بدأ يغلي في عروقها، وزاد أكتر لما سمعت الست دي بتقول بدلال واضح لمراد وسط ضحكهم
" هو جوزي انا فين بجد؟"
مراد ضحك بصوت مسموع، ورزان كانت هتموت وتطلع تفرقع في وشهم، بس فكرت وقالت
"لا يا رزان، اترزني واثقلي، إحنا بينا جواز ورق، خليه يضحك للصبح."
الست مشيت، ورزان استخبت بسرعة عشان ماتصطدمش بيها . اما مراد فرجع دخل مكتبه . وهي ودت الأكل لبشرى اللي بدات تأكل البطاطس باستمتاع.
بشرى لاحظت شرود رزان وسألتها
"تاكلي يا رزان؟"
رزان رفضت وراسها في عالم تاني تماماً، ورجعت مكتبها تلف حوالين نفسها زي "المجنونة".
ألف سؤال في دماغها: مين دي؟ وليه مراد كان كدة معاها؟
قررت إنها هتشتغل وتطنش، بس مقدرتش. وفجأة، شافت مراد طالع من مكتبه، بس المرة دي مش جولة تفقُّد.. مراد كان واخد مفاتيحه وجاكيته، وقال لبشرى
"أنا خارج وهرجع متأخر يابشرى ، كملوا إنتوا."
رزان كانت بتدعي إنها بتكتب، بس أول ما مراد اختفى من الطابق، رفعت عينيها بصدمة وقالت في سرها
"معقول يكون رايح يقابل الست دي؟ ده إحنا لسه في نص اليوم! بقى مراد شاكر اللي بيموت في الشغل يسيبه كدة فجأة؟ أكيد وراه حاجة.. وأكيد الحاجة دي هي اللي كانت بتضحك معاه من شوية!"
______
رزان قضت الساعات اللي فاضلة من اليوم وهي قاعدة على جمر. كل ما تحاول تغرق نفسها في الشغل وتنسى، عينها تروح غصب عنها على الساعة.. الوقت بيجري، واليوم بيخلص، وهو لسه مارجعش ولا حتى اتصل. الغيرة كانت بتنهش فيها وهي مش عايزة تعترف إنها مهتمة، بس السؤال كان بياكل دماغها: "يا ترى هو معاها دلوقتي؟"
أول ما ساعة العمل خلصت، لمّت حاجتها بسرعة ورجعت على الفيلا. كانت بتدعي من جواها تلاقي عربيته مركونة قدام الباب، بس مالقتهاش. دخلت سلمت على آسيا هانم وزهور بكلمتين مقتضبين وطلعت أوضتها فوراً. قعدت هناك تغير هدومها وتلف في الأوضة زي القطة المحبوسة، وكل شوية تبص للمراية وتقول لنفسها بحزم
"وإنتي مالك يا رزان؟ ما يتحرق! هو حر يروح مطرح ما يروح، إحنا اللي بينا اتفاق مصلحة وورقة وبس.. فوقي لنفسك."
لكن الحقيقة كانت بعيدة تماماً عن ظنون رزان السودة.
مراد كان مع مروان وسامر في مكان هادي وراقي، شغالين "عمال ديكور" عشان يساعدوا سامر في ترتيب مفاجأة لمراته بلقيس (الست اللي رزان شافتها في الشركة).
بلقيس كانت راحت لمراد المكتب تسأل عن سامر وهي فاكرة إنه نسي عيد جوازهم الخامس، بس مراد غطى عليه وقالها إنه مش معاه، في حين إنه كان بيجهز لها ليلة ما تتنسيش.
المكان كان متزين بطريقة تخطف العين؛ سامر اختار ورد أحمر وتول أبيض، ووزع شموع بريحة الياسمين في كل حتة، مع ترابيزة عشا شيك جداً عليها صور مجمعة ليهم خلال الخمس سنين اللي فاتوا. بلقيس كانت أكبر من سامر بسنتين، بس الحب اللي بينهم كان مخلي سامر بيتعامل كأنه مراهق بيحب لأول مرة.
أول ما خلصوا، سامر اللي طول عمره "رزين" وتقيل، بان عليه التوتر جداً وبدأ يفرك في إيده
"يا جماعة أنا حاسس إني ناسي حاجة.. خلاص كدة؟ أروح أجيبها؟"
مروان انفجر من الضحك ومراد ابتسم بهدوء وهو بيطبطب على كتفه
"خلاص يا سامر، المكان بقى تحفة، روح هاتها وعيشوا ليلتكم."
التلاتة اتصافحوا وحضنوا بعض بجدعنة صحاب بجد، وسامر شكرهم وهو مش عارف يودي جمايلهم فين
"والله ما عارف أقولكم إيه، تعبتكم معايا يا رجالة."
مروان غمز لمراد وقال بسخرية
"تعب إيه بس؟ وبعدين شوف مراد وهو لسه عريس جديد نزل وراح الشركة ... ده إنت قلبك ميت يا مراد!"
مراد تجاهل كلام مروان وهو بيعدل جاكيته وقال ببرود "أنا ماشي، تصبحوا على خير." وهو طالع، طلع موبايله واتصل ببشرى، سألها بلهجة عملية
"بشرى، الكل مشي؟" بشرى ردت إنهم قفلوا وروحوا، فمراد اطمئن إن رزان وصلت البيت خلاص.
مروان ركب عربيته وهو بيصفر، وسامر أخد نفس عميق، طلع علبة خاتم ألماس كان طالبه مخصوص لبلقيس، بص عليه بابتسامة حب، وقرر يروح يجيب "شريكة عمره" عشان يبدأوا احتفالهم.
______
دخل مراد الفيلا والهدوء لافف المكان، ملامحه كان باين عليها الإرهاق بس فيه راحة خفيفة بعد ما ساعد صاحبه. قرب من والدته آسيا وباس إيدها بحب، سألته
"أحضر لك العشا يا حبيبي؟"
رد وهو بيفك أول زرار في قميصه
"لا يا أمي، أكلت برا مع مروان وسامر.. رزان نزلت أكلت؟"
آسيا لوت بوزها بخفة
"من ساعة ما دخلت ما عتبتش باب الأوضة، وأنا قلت أسيبها براحتها عشان ما تقولش حماتي بتكبس على نفسي من أول يوم."
مراد أومأ براسه وطلع السلم، فك ربطة العنق وهو داخل الأوضة. أول ما فتح الباب لقاها قاعدة في نص السرير، ساندة ضهرها، ومشغلة التلفزيون على مسلسل تركي من اللي كانت بتحضرهم زمان مع مامتها، ومندمجة لدرجة إنها ما بصتش ناحيته حتى.
مراد اتجاهلها تماماً، طلع لبس مريح ودخل الحمام، ولما خرج كان لابس "تيشرت" وبنطلون قطن، وراح قعد على الأريكة الصغيرة، لبس نظارته الطبية وفتح "الآيباد" وبدأ يشتغل بتركيز عشان يعوض الوقت اللي راح مع سامر.
بس التركيز كان مستحيل.. صوت المسلسل كان عالي، وشوية صوت رصاص، وشوية صراخ ونهنهة تركي من اللي قلبها يحبه. مراد جفل مكانه وقال بجمود وهو لسه باصص في الشغل
"وطي الصوت شوية يا رزان."
رزان كأنها ما سمعتش، فضلت مبرقة للشاشة. مراد كرر بحدة أكتر
"رزان، مش عارف أركز.. وطي الصوت ده."
هنا لفت وشها ليه أخيراً، وقالت ببرود مستفز
"والله اللي عنده شغل وعايز يركز فيه، كان اشتغله في وقته وفي مكتبه، مش يروح يقضي يومه في الضحك والهزار والفسح، وييجي يطلعه علينا بالليل!"
مراد ضم حواجبه باستغراب، ساب الآيباد وقام وقف قدامها، بص في عينيها وقال بنبرة واطية بس مرعبة "نعم؟ وإنتي من إمتى إن شاء الله بتديني جدول مواعيدي؟ ولا عايزة تعلميني أشتغل إمتى وأخرج إمتى؟"
رزان انتفضت ووقفت على السرير وقالت بصوت مهزوز من الغيظ
"لا استغفر الله! أنا أعلم مراد شاكر؟ أنا مين أصلاً عشان أتكلم!"
مراد قرب خطوة وسألها بحدة
"طب إيه المشكلة؟ إيه اللي مضايقك دلوقتي؟"
ردت وهي بتلوي بؤها
"مافيش.. مفيش حاجة."
مراد لف ضهره عشان يرجع مكانه وهو بيتمتم بكلمة "جنون"، وده اللي فجر البركان جوه رزان، صرخت فيه "على الأقل اللي بيعمل تمثيلية الجواز دي يحترم الشخص اللي معاه! مش يغيب نص اليوم ولما يرجع يتعامل كأنه غريب.. إنا ماليش أي سلطة عليك أيوة، بس الأصول بتقول إنك تعرفني إنت فين!"
وكملت
" دي في النهاية ...أقل حقوقي ..."
مراد ضحك
" حقوقك ؟"
رزان اومات بشوية إرتباك ومراد كمل يسالها بعدما خلاص بقا قريب منها
" حقوق زي ايه مثلا ..."
هي سكتت ماعرفتش تتكلم وبدأت تأتأتة ...
مراد هنا عينيه تحولت و كانت بتلمع بغضب مكتوم، فهم كلامها بطريقته اللي قلبه اتعود عليها.. فكر إنها بتمهد عشان تطلب "تمن" لصبرها أو خايفة على مصالحها المادية. طلع محفظته وبسرعة البرق طلع "كريدت كارد" كان عاملها ليها فعلاً بس نسي يديها لها، وقرب منها وبكل قسوة خبط الكارت في صدرها وقال بصوت زي الفحيح
"كنت مستني اللحظة دي.. كنت مستني أعرف إمتى هتطلبي التمن! خدي.. الكارت ده فيه اللي يكفيكي وزيادة، عشان ما تضطريش تسألي أنا فين ومع مين تاني. عيشي حياتك واشتري اللي إنتي عايزاه، بس ملكيش دعوة بيا، ولا ليكي سلطة تسألي مراد شاكر راح فين ولا جه منين.. إنتي هنا عشان غرض واحد، والفلوس اللي في إيدك دي هي اللي بتربطك بيا، مش أي حاجة تانية!"
رزان اتصدمت، الكارت وقع من إيدها على الارض، ودموعها نزلت غصب عنها.. الوجع كان في قلبه وهو لسه شايفها "بتاعة فلوس"، وهي مش قادرة تصدق إنه لسه بيبص لها النظرة دي حتى بعد ما حاولت تفتح معاه كلام حتى لو كانت تقصد حاجة ثانية.
مراد مابصش لدموعها، سحب الآيباد بتاعه بغضب عارم، وخرج من الأوضة ورزع الباب وراه بكل قوته، وساب رزان واقفة في نص الاوضة منهارة، وهي شايفة إن كل محاولة منها عشان تفهم .بتنتهي بكسرة قلب جديدة.