ظل الشمس
حاولت جوليان مراراً وتكراراً أن تخرج ساندرا من دورة المياه لكنها أبت وبشدة ، فراحت تصرخ
_ لن أخرج دون وشاحي
قضت عددت ساعات تبكي بحسرة ، لا تعلم مالذي سيحدث هل سيجرونها من شعرها إلى الساحة ويرى الرجال شعرها ؟، 8 سنوات لم يرى رجلاً شعرة واحدة كيف بالآن ، تذكرت حينما كانت صغيرة قالت لها والدتها وهي تغطي شعرها بالحجاب.
_ عديني بأن لا تنزعي الحجاب ! فهو قوة الأنثى المسلمة ومايميزها كأنثى
ردت ببرائة طفولية
_ أعدك أمي .
أنهملت الدموع من عينيها كشلال يجري الأجل غير مّسمّى ، غطت وجهها بيكفها تبكي وتبكي وتكبي وفي قلبها همّ الغد فالشمس وشكت على الشروق ، أكيد لن يرؤفوا بحالها ، تريد الموت بهذه اللحظة لكن ذكرت قلبها بدعاء والصبر ، مسحت دموعها وفيّ قلبها حسن الظن بالله .
1599 يناير - 10 -
أشرقت الشمس على مشارقها تسللت أول خيوط الشمس الذهبية تداعب العيون بلطف ، كان ذلك اليوم مشرق وجميل لا أمطار ولا ثلوج ،تزين الشمس بحليتها الذهبية الكون وسبحان الخالق .
جاء هوجو يضرب بقوة على باب المهجع تجمعت النساء ، وفتحت الباب أحدهنّ صرخ بضجر
_ هيا هيا إلى العمل.
خرجنّ وأحد تلو الأخرى أصتفن كلهنّ في مكانهنّ المعهود ، قالت أحدهنّ بخبث لاذع .
_ بقت وأحدة فقط لم تأتي .
ألتفت هوجو إليها وقال وهو يضرب بيده مضربه الحديدي
_ من ؟؟؟
ألتفت ناحية المهجع وقالت تشير إليه
_ ساندرا تحبس نفسها في دورة المياه من الامس
_ تلك المتمردة سأفجر رأسها
جرّ قدميه نحاية المهجع تبعنـهُ كل نساء المهجع متحمسات للعرض ، دخل بخطوات غاضبة كادت الأرض تسقط من تحته ، بقبضة يده اليمنى ضرب الباب دورة المياه الحديدي بقوة وهو يصرخ ويقول
_ أفتحي هذا الباب وألا حطمته فوق رأسكِ .
أرتجف جسد ساندرا خلف الباب ، تراقصت شفاها دمعت عيونها خوفاً ردت بصوت مبحوح كادت تسمعه هي
_ لا لن أفتحه
إن فتحته سيجرها مـن شعرها ولن يرحمها ، سيرى الرجال شعرها وستهان وتذُل أمام الجميع ، سيضحكونَّ عليها ويرمون كلمات ساخرة في وجهها كصفعة تّشوه الوجه ، فضلت الموت على هذا ، لو لها حلاً أخر غير الهروب والاختباء لما ترددت لفلعه حتّى لو كان يصعب فعله.
غطت أذُنها بيدها أنزلت رأسها بهدوء على ركبتيها ، وكل صرخة من ذلك البغيض تجعل جسدها يرتعش ، تحسُ بالخوف والظلم ، تائهة في متاهات متعددة ، تركض ثم تجد الباب مسدود ، تركض مرة أخرى ثم باب آخر مسدود ، إين تهرب إلى أين تذهب .
*******
خرج مارك يردتي بدلته العسكرية ، وضع يداه في جيوبه ينظر بدهشة إلى السماء الزرقاء ، لم يراها منذ فترة خالية من الغيوم الرمادية والامطار الغزيرة ، سمع صوت صرخات ممزوجة بضحكات ألتفت ناحية مصدر الصوت ، حرك رأسه قليلاً بزاوية اليمين وقاده ملك المشاعر الفضول لاقئ نظرة ، سار بخطى هادئ حتى توقف قال بصوت عالٍ
_ ما هذه الجلبة مالذي يحصل هنا ؟؟!
قالت أحد النساء.
_ يوجد فتاة أغلقت باب دورة! المياه على نفسها من الامس !
تعجب بدهشة سار داخل حشد النساء وقف يسأل بفضول هوجو..
_ أيوجد مشاكل؟
ألتفت هوجو أعتدل بوقفته وقال بنبرة تملئها الغضب الظاهر
_ تلك المتمردة لا تريد العمل فأغلقت الباب على نفسها...
قاطعته جوليان
_ ليس هذا السبب
ألتفت مارك إلى جوليان عقد حاجبيه ويتسأل في ذهنه ماقد يكون السبب فأغلاق تلك الفتاة الباب على نفسها ؟، تحرك وأقترب من جوليان قليلاً ، تحدث بصوته الهادئ .
_ وما السبب؟
رمت جوليان نظرة عتاب على المرأة آلتي رمت وشاح ساندرا من النافذة الصغيرة ، عقدت يديها حول صدرها ثم قالت بتوازن
_ أحد نساء المهجع رمت الوشاح الخاص بالفتاة ولن تخرج من دونه
لم يستطيع مارك كتم ضحكة قصيرة من بين شفتيه قال بدهشة وهو يفرض ذارعيه
_ أهذا هو السبب أحق ما يهمها بوشاح !
ردت بهدوء
_ أنها مسلمة يا سيدي ولن تخرج دون وشحاها للتغطية شعرها عن أنظار الرجال .
أتسعت عينان مارك دهشة وأستغراب ، ظن برأسه مسلمة ووشاح أمعقول تكون هذه الفتاة نفسها تلك الفتاة آلتي كانت تبكي على الفراشة ، أجاب نفسه ، من المؤكد هي لا محال .
عاد هوجو إلى ضرب الباب الحديدي والصراخ مجدداً وعادت ساندرا تبكي بشدة ، غادر مارك المهجع بهدوء ثم دخل إلى القصر.
*********
كانت السيدة لورا تجلس على الأريكة القرمزية تحتسي قدح الشاي الأخضر ، تقلب صفحات الجريدة بهتمام جلي عن الأخبار والحرب، هذه المرة عادت الحرب وبقوة، لم تعد شيئ إلا وجعلته كومة دمار وركام ، آلاف العائلات تشردت في الشوراع والكثير منهم خسروا منازلهم وأغراضهم وكل شيئ أصبح تحت الركام ، وآلاف الجرحى والمرضى ، هدمت الكثير من المستشفيات ورحلة العلاج باتت صعبة لمن يعاني من جروح خطيرة ، مئات الشبان خطفوا من عائلاتهم ظلماً كي يعملون أجبارناً في مناجم الفحم والذهب بسبب موت العمال السابقين حتى الفتيات والنساء لم يسلمنَ هنّ أيضاً فالكثير من الرجال ماتوا في الحرب وتم رمي عليهن مسؤولية العمل بدلاً عن الذين ماتوا في الحرب ، ومنهم من تجندوا أجبارناً والكثير من الشبان أصبحت حياتها سراباً مهما يركضون ورائه فهو في النهاية سراب .
_ سيدة لورا
قطع صوت الخادمة مارثا حبل تفكيرها أفاقت من السرحان وقالت بهدوء
_ ماذا مارثا!
_ السيد مارك يريد لقائك
_ دعيه يدخل مارثا
هزت الخادمة رأسها وذهبت بهدوء ، وضعت السيدة لورا الجريدة علـى المنـضـدة الـزجاجـية شـربـت أخـر رشـفـة مـن الـشاي فـي قـدحـها ، جـاء مارك يسير بخطى مظطرب ، وهذا ما لاحظته السيدة لورا تسألت
_ مـارك أحـدث شـيـئ
رد
_ لا سيدتي لكن هل لي اطلب طلب صغير
_ نعم تفضل
تررد في البداية لكنه عزم ثم قال
_ هل لي بوشاح
تعجبت السيدة لورا من طلبه وقالت بدهشة واضحة
_ وشااااح
شعر مارك أنها ستسيئ فهمه شرح لها السبب وما حصل فهمت وعلمت أنه يقصد ساندرا ، تفهمت الموقف وأعطته وشاحاً شكرها عددت مرات ثمّ غادر قاصداً المهجع المظلم رغم أشعة الشمس الذهبية . أقترب من جوليان وهو يمد إليها الوشاح قال بهدوء
_ تفضلي من فضلكِ أعطيه هذا الوشاح للفتاة
دهشت جوليان لأول مرة يتعامل شخص من هنا بطيبة واحترام قالت بسعادة
_ طبعاً شكراً جزيلاً على حسن صنيعك هذا يا بـُنـي
ثمّ دخلت تطرق الباب الحديدي وتنادي
_ ساندرا عزيزتي أفتحي الباب أحضرت لكِ وشاحاً جديداً
لكنها لم تفتح ، تنهد هوجو غضباً ضرب قبضته الباب كاد يكسره قال بسخط واضح ،
_ هذه الفتاة مدللة درجة أولى
أقترب مارك منه وقال بصوت يحمل تهديداً واضحاً وهو يشير بأصبعه نحاية باب الخروج
_ أصمت وأخرج بهدوء وألا
هز هوجو رأسه وهو يتمتم ببعض الكلمات الأعتذار وخرج بذُل ، حرك مارك قدميه تجاوز عتبة الباب ثم أستدار وقال بحزم
_ هيا أخرجنّ وبدأنّ بالعمل
تبعنهُ نساء المهجع ، أصبح الآن المهجع خالياً ألا من جوليان وساندرا ، طرقت جوليان الباب بهودء وهي تقول
_ عزيزتي ساندرا لقد خرج الجميع وأحمل لكِ وشاحاً أليس هذا ما تردين !
فَتح الباب وأحدث صرير مزعج ، خرجت ساندرا بعينيها المنتخفتين من البكاء ، مدت جوليان لها الوشاح بهدوء ، نظرت إليها ساندرا بعينين دامعتين وحضنتها ، دام العناق طويلاً ، أبعدت ساندرا ثمّ مسحت دموعها تلت بصوت خفيض
_ شكراً
ردت جوليان بمرح
_ ليس أنا من أحضرته على العموم عفواً
صمتت برهة ثم أردفت
_ هيا إلى العمل قبل أن يفجر رؤوسنا هوجو
خرجا معاً وأول من أتساقبلهما غضب وصراخ هوجو المزعج، رفع مضربه الحديدي يهزهُ في الهواء يهدد بهِ ساندرا
_ أن تكرر هذا الفعل مرة أخرى صدقيني لن أرحمك
تظنون أن ساندرا خافت من تهديداته ، ظنكم هذا مخطئ ، عقدت ذراعيها حول صدرها ولم تأب مما يقول
من الناحية الأخرى سمع مارك صراخ هوجو ضغط على صدخه بقوة ثمّ تتنهد وقال في نفسه
_ يصرخ كالفتيات مالذي أفعله هنا !!!
ثمّ أنتبه مارك على الفتاة آلتي تضع ووشاح سيدة لورا ، أردف في نفسه
_ إذن هذه هي ساندرا فتاة الوشاح!