مؤتمر الموت - الفصل الرابع - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: مؤتمر الموت
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

لم يكن هدم المبنى نهاية القصة، بل كان بدايتها الحقيقية. بعد أن اختفت الخرسانة، وبعد أن سُوّيت الأرض، لم يبقَ شيء يدل على أن مؤتمر الموت كان موجودًا يومًا ما. لا لافتة، لا بوابة، لا حتى أثر في الخرائط الحديثة. ومع ذلك، لم يشعر أحد بالارتياح. كأن المكان، رغم فراغه، أصبح أكثر امتلاءً من أي وقت مضى. الرائد ناصر تقاعد بعد أسابيع قليلة. لم يذكر السبب في طلبه الرسمي، لكنه كتب بخط صغير في أسفل الورقة: «المهمة انتهت، لكن الباب لم يختفِ.» لم يسأله أحد عمّا يقصده. بعض الأسئلة، حين تُطرح، تفتح أشياء لا يمكن إغلاقها. في الليالي التالية، بدأت ظاهرة غريبة بالظهور، ليس في الموقع نفسه، بل في أماكن متفرقة من المدينة. أشخاص يستيقظون وهم يشعرون بأنهم كانوا يتحدثون مع أحد طوال الليل، لكن لا يتذكرون مع من. ساعات تتوقف فجأة عند وقت معين ثم تعود للعمل دون عطل. تسجيلات صوتية على هواتف مغلقة تحتوي على أنفاس خافتة، بلا كلمات. لم تكن الأصوات تطلب النجدة بعد الآن. لم تكن تصرخ. كانت فقط… تمر. أحد الأطباء النفسيين لاحظ نمطًا مقلقًا: مرضى لم يزوروا بعضهم قط، ولم يسمعوا عن المؤتمر، يصفون الإحساس نفسه: الوقوف في ممر طويل، بلا أبواب، بلا نهاية، والشعور بأن هناك من يقف خلفهم، لا يلمسهم، لا يؤذيهم، فقط ينتظر. ناصر كان يعرف هذا الممر. في إحدى الليالي، وبينما كان يقلب الملفات القديمة التي احتفظ بها سرًا، وجد شيئًا لم يره من قبل. صفحة لم تكن ضمن الوثائق، كأنها أُضيفت لاحقًا. الورقة كانت فارغة تقريبًا، إلا من سطر واحد: «الإغلاق يحرر المكان… لا الوعي.» بدأ يفهم متأخرًا. ما كان في الغرفة لم يكن أرواحًا فقط، بل أثرًا. بصمة. فكرة حُبست طويلًا حتى تعلّمت كيف تعيش دون جدران. المؤتمر كان الوعاء، لكن المحتوى لم يكن يعتمد عليه وحده. في تلك الليلة، عاد ناصر إلى الموقع، رغم أنه لم يعد موجودًا. وقف في الفراغ، في الأرض الخالية، وشعر بالنبض نفسه، النبض الذي سمعه في الغرفة. أغلق عينيه، ولم يتفاجأ حين سمع الصوت. لم يكن جماعيًا هذه المرة. كان واحدًا فقط. هادئًا. قريبًا. ليس داخله… بل حوله. "لم ننتهِ بعد." لم يشعر بالخوف. هذا ما أقلقه. الفكرة نفسها أصبحت مألوفة، كأن جزءًا منه كان ينتظر هذه اللحظة. أدرك أن بعض الأبواب لا تُغلق، بل تُصبح اتجاهًا. في الأيام التالية، بدأت تقارير غير رسمية تظهر حول العالم، أماكن مختلفة، مبانٍ بلا تاريخ واضح، غرف لا تظهر في المخططات، مؤسسات تحمل أسماء عادية، لكنها تترك شعورًا غير مريح في كل من يدخلها. لم يكن هناك مؤتمر واحد بعد الآن… بل فكرة تتكرر. ناصر لم يحاول إيقافها. لم يعد ذلك ممكنًا. كل ما فعله، هو أن كتب آخر تقرير، لم يُرسل لأي جهة، ودفنه في مكان لا يعرفه أحد. التقرير لم يتحدث عن جريمة، ولا عن أرواح، بل عن خطأ بشري قديم: محاولة السيطرة على ما لا يحتاج إلى سجن. وفي آخر سطر كتب: «حين يُحبس الوعي طويلًا… يتعلم كيف ينتقل.» منذ ذلك الحين، لم تُسمع أصوات في الليل كما كانت. لم تعد هناك استغاثات. لكن أحيانًا، في لحظة صمت تام، بين فكرة وأخرى، يشعر بعض الناس بأنهم ليسوا وحدهم في عقولهم. ليس خوفًا. ليس جنونًا. بل تذكيرًا بسيطًا… أن بعض الأبواب، حتى بعد الهدم، تظل مفتوحة.