مؤتمر الموت - الفصل الثالث - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: مؤتمر الموت
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

يكن اختفاء الجندي مجرد حادثة، بل كان أول كسر حقيقي في منطق الواقع. في الصباح، حين أُعيد فتح المبنى، بدا كل شيء طبيعيًا بشكل مريب، كأن الليل لم يحدث أبدًا. التقارير ناقصة، الأسماء غير مكتملة، والسجلات الإلكترونية تُظهر فراغًا في التوقيت الذي وقع فيه الاختفاء. الساعة من الثانية عشرة إلى الثانية وسبع عشرة دقيقة… لا شيء. كأن الزمن نفسه أغلق عينيه. الرائد ناصر شعر بذلك الفراغ داخله. كان متأكدًا أن شخصًا ما كان معهم، يتذكر صوته، خطواته، لكنه لا يستطيع استحضار ملامحه. كلما حاول، انزلق عقله بعيدًا، كأن فكرة الرجل محظورة. وهذا ما أخافه أكثر من الأصوات. تم فرض تعتيم كامل على القضية، أُعيد افتتاح المؤتمر ظاهريًا، لكن بلا فعاليات حقيقية. الموظفون يعودون صباحًا ويغادرون قبل الغروب، لا أحد يُسمح له بالبقاء ليلًا… رسميًا على الأقل. لكن في الليالي التالية، بدأت البلاغات. حراس الأمن اشتكوا من ظلال تتحرك خلف الزجاج، من مصاعد تتوقف في طوابق غير موجودة، من أسماء تُنادى عبر مكبرات الصوت رغم أن النظام مفصول. أحدهم قال إنه رأى نفسه واقفًا في نهاية الممر، ينظر إليه دون أن يتحرك. ناصر لم يعد ينام. كلما أغمض عينيه، سمع الهمسات، ليست صراخًا، بل حديثًا هادئًا، جماعيًا، كأن عشرات الأصوات تتحدث في وقت واحد، لكن بنغمة واحدة. لم تكن تطلب المساعدة فقط… كانت تتذكر. بدأ التحقيق الحقيقي سرًا، بعيدًا عن الشرطة. ملفات قديمة، أرشيف مهمل، تسجيلات لم تُفتح منذ عقود. وجدوا اسم المؤسس الحقيقي للمشروع، اسم لم يظهر في أي وثيقة رسمية للمؤتمر. رجل اختفى قبل اكتمال المشروع بسنة واحدة. لا شهادة وفاة، لا أثر، فقط ملاحظة مكتوبة بخط اليد: "لا تغلق الغرفة… إن أُغلقت، سيبقون واعين." هنا فهم ناصر الحقيقة الكاملة. الغرفة لم تُغلق لتمنع الشر، بل فُتحت لتصريفه. حين أُغلقت نهائيًا قبل سنوات، حُبست الأرواح دون مخرج، دون توازن. الأصوات التي سُمعت لم تكن نتيجة التجارب… بل نتيجة إيقافها. في إحدى الليالي، عاد ناصر وحده. بلا فريق، بلا أجهزة. أراد أن يسمع دون تشويش. حين دخل، لم تنخفض الحرارة هذه المرة، بل ارتفعت، كأن المكان تنفس أخيرًا. الأضواء لم تنطفئ، لكنها بدأت تومض بإيقاع يشبه النبض. وقف في منتصف القاعة، وتحدث بصوت مسموع: "أعرف أنكم هنا." لم تأته همسات، بل صمت كامل، صمت ثقيل حتى شعر بأن أذنيه تؤلمانه. ثم… بدأت الذكريات تُعرض على الجدران. ليس صورًا، بل إحساسًا. خوف، انتظار، وعي محبوس في لحظة لا تنتهي. لم يكن هناك تعذيب، بل شيء أسوأ… النسيان القسري. ظهر ظل واحد فقط، أوضح من غيره. لم يكن عدائيًا. اقترب حتى وقف أمام ناصر، بلا ملامح، لكنه مشبع بالمعنى. الصوت الذي خرج لم يكن من فم، بل من المكان نفسه: "لسنا أمواتًا… نحن متوقفون." فهم ناصر أن الأرواح لم تطلب الخروج فقط، بل الإنهاء. إغلاق الدورة. السماح للزمن أن يكمل طريقه. المؤتمر كان عقدة، نقطة تجمد فيها كل شيء. في اليوم التالي، صدر قرار بهدم المبنى. رسميًا بسبب “خلل إنشائي”. في الليلة الأخيرة، وقبل بدء الهدم، سُمع صوت واحد فقط من داخل المؤتمر، ليس استغاثة… بل زفير ارتياح طويل. عند شروق الشمس، لم يبقَ شيء. لا رائحة، لا أصوات، لا ظلال. لكن الغريب أن ناصر حين نظر إلى الموقع، شعر أن شيئًا ما نُزع من العالم… وكأن عددًا من الأرواح كان ناقصًا طوال الوقت، ثم عاد. ومنذ ذلك اليوم، لم يُسجل أي مؤتمر في ذلك التاريخ، ولا في ذلك المكان. ليس بقرار بشري… بل لأن كل من حاول، عدل عن الفكرة دون سبب مفهوم. أما ناصر، فكل ليلة، عند لحظة بين النوم واليقظة، يسمع جملة واحدة فقط، بهدوء لا يخيف: "الآن… نستطيع الرحيل."