الفصل الثاني
لم يكن فتح الغرفة نهاية السر، بل كان بداية الانكشاف. العامل الذي فتح الباب في تلك الليلة لم يكن أول من سمع الأصوات، لكنه كان أول من قرر ألا يتجاهلها. قبل تلك الليلة بأسابيع، كان يسمع خطوات خلفه في الممرات الفارغة، يشعر بأنفاس قريبة من عنقه، لكن حين يلتفت لا يرى شيئًا. الجميع في المؤتمر اعتادوا الرائحة الكريهة، اعتبروها مشكلة تهوية قديمة، شيئًا يمكن تحمله مقابل العمل. لكن الأصوات… لم يكن لها تفسير.
في الليلة التي فتح فيها الغرفة، كان المبنى صامتًا على غير عادته. لا أصوات تكييف، لا طنين كهرباء، حتى المدينة في الخارج بدت وكأنها نائمة نومًا غير طبيعي. المفاتيح التي استخدمها لم تكن ضمن عهدته، وجدها في درج قديم بمكتب مهجور، درج لم يُفتح منذ سنوات، وكأن أحدًا ترك المفاتيح هناك عمدًا، منتظرًا أن يأتي من يجرؤ.
حين دار المفتاح في القفل، لم يُسمع صوت فتح، بل زفير طويل، كأن الباب كان يحبس أنفاسه منذ زمن. الرائحة التي خرجت لم تكن مجرد تعفن، بل خليط غريب من هواء قديم، رطب، محمّل بإحساس خانق، إحساس بأن المكان لم يكن فارغًا أبدًا.
الضوء الخافت كشف غرفة أوسع مما ينبغي، جدرانها غير مستقيمة، كأنها بُنيت لتُربك النظر. الأرضية كانت ملساء بشكل غير طبيعي، لا غبار، لا آثار أقدام، رغم أن الغرفة مهجورة منذ عقود. وعلى الجدران، كانت الرموز. ليست كتابة، ليست رسومات، بل شيء بين الاثنين، خطوط منحنية تشبه محاولات فاشلة لتذكر شكل الإنسان.
في تلك اللحظة، سمع الصوت بوضوح. لم يكن صراخًا، بل همهمة جماعية، عشرات الأصوات متداخلة، كل واحد منها يحمل نبرة مختلفة، لكن كلها تشترك في شيء واحد: الانتظار. لم يكن هناك ألم صريح، بل توق… توق طويل، ممتد، لا يعرف نهايته.
العامل لم يدخل أكثر. أغلق الباب، اتصل بالشرطة، جلس على الأرض ينتظر، وهو يشعر بأن الغرفة تراقبه من خلف الجدار.
حين وصلت الشرطة، تغير كل شيء. الغرفة بدت مختلفة. أصغر. أضيق. الرموز باهتة، الأصوات غير موجودة. كأن المكان قرر أن يتظاهر بالبراءة. ومع ذلك، لم تختفِ الرائحة. بقيت، شاهدة على شيء لا يمكن إنكاره.
بدأ التحقيق، لكن الأسئلة كانت أكثر من الإجابات. الموظفون أنكروا سماع أي شيء، المدير بدا متوترًا لكنه متماسك، والمؤسس لم يكن موجودًا أصلًا. قيل إنه سافر، ثم قيل إنه مريض، ثم قيل إنه لا علاقة له بالمبنى منذ سنوات. كل رواية كانت تُقال بثقة، لكن دون دليل.
مع مرور الأيام، بدأت الأمور تتغير ببطء. ملفات تختفي من الأرشيف ثم تعود إلى أماكن مختلفة. تسجيلات كاميرات تُظهر ممرات أطول من الواقع. أحد الحراس أقسم أنه رأى بابًا في نهاية الطابق السفلي، بابًا غير موجود في المخططات، وحين عاد إليه لاحقًا، لم يجد سوى جدار.
الأصوات عادت، لكن بشكل مختلف. لم تعد محصورة قرب الغرفة، بل انتشرت. في المكاتب، في السلالم، في المصاعد. أحيانًا تُسمع كأنها قادمة من خلف الجدران، وأحيانًا كأنها داخل الرأس نفسه. أسماء تُنادى. جمل غير مكتملة. أنصاف ذكريات لا تخص من يسمعها.
الرائد ناصر دخل القضية في هذه المرحلة. أول ما لاحظه، ليس الرائحة، ولا الغرفة، بل الصمت غير الطبيعي بين الأصوات. صمت مقصود، كأن هناك إيقاعًا لا يسمعه إلا من ينتبه جيدًا. كل شيء في المبنى كان يعمل، لكنه لا يعمل معًا. الزمن بدا متقطعًا.
في إحدى الليالي، جلس ناصر أمام الغرفة المغلقة وحده. لم يفتحها. فقط وضع يده على الجدار. شعر باهتزاز خفيف، كنبض بعيد. فهم حينها أن الغرفة ليست حاوية… بل نقطة تركيز.
بدأت الحقيقة تتشكل ببطء. المؤتمر لم يكن مكانًا لحدوث شيء واحد، بل مكانًا لتكرار شيء واحد. الوعي. التجارب لم تهدف إلى القتل، بل إلى الإبقاء. إبقاء الإنسان واعيًا بعد النقطة التي يفترض أن ينتهي عندها كل شيء. لكن ما لم يحسبوا حسابه، هو أن الوعي حين يُحبس، لا يختفي… بل يتغير.
الضحايا لم يموتوا، ولم يعيشوا. بقوا. ومع البقاء الطويل، تعلّموا كيف يُسمعون. كيف يضغطون على الفراغ. كيف يتركون أثرًا.
في آخر ليلة من التحقيق الرسمي، سُمع الصوت الأعلى حتى تلك اللحظة. لم يكن استغاثة، ولا نداء. كان سؤالًا واحدًا، واضحًا، تردد في كل أرجاء المبنى:
"كم مضى؟"
ولم يعرف أحد الإجابة.