الفصل 4
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
كانتا تمشيان جنبًا إلى جنب، خطواتهما متراخية، والضحك قد خفت قليلًا، حين توقّفت سَابِين فجأة.
توقّفت دالين خلفها مباشرة، كادت تصطدم بها.
— ما الأمر؟ سألتها باستغراب.
لم تُجب سَابِين فورًا. كانت تحدّق أمامها، في أحد الأزقة الجانبية الضيقة، حيث استقرت حقيبة كبيرة داكنة اللون، موضوعة بعناية مريبة، كأن أحدهم نسيها… أو تعمّد تركها.
تقدّمت سَابِين خطوة إلى الأمام.
قالت دالين بنبرةٍ حذرة:
— ماذا تفعلين؟
التفتت سَابِين إليها، وعيناها تلمعان بفضولٍ لا يُقاوَم، وقالت بخفة:
— ألا ترينها؟ تعالي… لنرَ ما بداخلها.
— سَابِين، هذا ليس مضحكًا، ربما تخصّ أحدهم.
ضحكت سَابِين ضحكة قصيرة، غير مكترثة، وتقدّمت نحو الحقيبة، فاضطرت دالين للحاق بها، قلبها ينبض بإيقاع غير مريح، شعور غامض يضغط على صدرها كلما اقتربتا أكثر.
كان الزقاق هادئًا على غير العادة، ضوء الشمس بالكاد يصل إليه، والهواء بدا أثقل، كأن المكان يحتفظ بأنفاسه.
انحنت سَابِين قليلًا، حدّقت في الحقيبة، ثم قالت:
— تبدو جديدة… وغالية.
— وهذا ما يجعل الأمر مريبًا، ردّت دالين بقلق.
مدّت سَابِين يدها، لمست المقبض…
وفي اللحظة التي كادت تفتحه فيها—
توقّف كل شيء.
صوت خطواتٍ خافتة ارتدّ في نهاية الزقاق.
رفعتا رأسيهما معًا.
لم يكن هناك أحد…
تبادلتَا نظرة صامتة.
فضول في عيني سَابِين…
وإنذار متأخر في عيني دالين.
وكانت تلك اللحظة…
ساد صمتٌ ثقيل بينهما لثوانٍ، ثم كانت سَابِين أول من كسره.
— لا أحد هنا… أليس كذلك؟
لم تُجب دالين فورًا، نظرتها ما تزال معلّقة في عمق الزقاق، قبل أن تقول بصوتٍ منخفض:
— لنأخذها ونغادر. لا أحب هذا المكان.
لم تعترض سَابِين. انحنت سريعًا، أمسكت بالحقيبة، فوجئت بثقلها، لكن فضولها كان أثقل. حملتاها معًا، وخرجتا من الزقاق بخطواتٍ متسارعة، كأن المكان لفظهما أخيرًا بعد أن التهم شيئًا من طمأنينتهما.
عاد الضحك… ضحكٌ أعلى من اللازم، مصطنع بعض الشيء، كأنه محاولة يائسة لدفن ذلك الشعور الغامض الذي التصق بصدريهما.
— ربما كنز، قالت سَابِين بسخرية.
— أو كارثة، تمتمت دالين.
سلكتا الطريق المعتاد، ذاك الذي يعرفانه جيدًا، حتى وصلتا إلى العمارة B. خلفها، وتحت درجها العريض، كان هناك بابٌ حديدي صغير، قديم، لا يلتفت إليه أحد. غرفة مغلقة منذ زمن، مهملة، منسية… إلا منهما.
لقد سيطرتا عليها منذ مدة، نظّفتاها، نزعتا عنها صفة الإهمال، وجعلتاها ملاذهما السري. مكانًا يهربان إليه بعد يومٍ منهك، بعيدًا عن العيون، عن الأصوات، عن العالم بأسره.
أنزلتا الحقيبة أرضًا، تبادلتا نظرة سريعة، ثم أغلقت دالين الباب خلفهما بإحكام.
الضوء الخافت تسلّل من مصباحٍ صغير علّقتاه سابقًا، كاشفًا جدرانًا رمادية، وذكرياتٍ ضاحكة، وهدوءًا بدا هذه المرة مختلفًا…كان أثقل.
جلست سَابِين على الأرض، وضعت الحقيبة أمامها، وقالت بنبرةٍ تجمع بين الحماس والتردد:
— حسنًا… وصلنا. الآن يمكننا فتحها.
لم تجب دالين، لكنها اقتربت ببطء، قلبها ينبض بعنفٍ لا مبرر له، إحساس غريب يزحف تحت جلدها، كأن هذه الغرفة التي طالما كانت مأمنًا… لم تعد كذلك.
وضعت سَابِين يدها على السحّاب.
توقّفت لحظة.
تنفّستا معًا.
.
.
.
.
.
.
شدّت سَابِين السحّاب أخيرًا.
لم يصدر صوتٌ سوى احتكاك المعدن الخافت، لكنه بدا في أذنيهما كصدى انفجار.
تجمّدتا.
داخل الحقيبة… رُصَّت رُزمٌ من الأوراق النقدية بعناية مقلقة، أوراق خضراء كثيفة، مرتّبة بإحكام، تفوح منها رائحة غريبة؛ مزيج بين الورق والسرّ والخطر.
لم تحتاجا إلى عدّها. النظرة الأولى كانت كافية.
مبلغٌ خرافي.
ما يقارب مليوني دولار.
اتّسعت عينا دالين، وارتجفت أنفاسها، فأغلقت سَابِين الحقيبة بعنفٍ مفاجئ، كأنها أغلقت فم وحشٍ كاد يبتلعها. دفعتاها بعيدًا، تراجعتا خطوتين، وقلوبهما تخفق بجنون.
ساد صمتٌ ثقيل…
ثم همست سَابِين، بصوتٍ خرج مبحوحًا من الصدمة:
— ما هذا؟
ابتلعت دالين ريقها، ثم قالت ببطء، وكأنها تذوق الكلمة للمرة الأولى:
— كنز.
وانفجر كلّ شيء.
ضحكت سَابِين ضحكة عالية، هستيرية، وقفت فجأة وبدأت تدور حول نفسها، ترقص بلا نظام، بلا وعي.
— أصبحنا أغنياء… أغنياء جدًّا!
لحقت بها دالين، ضحكت معها، رقصتا معًا وسط الغرفة الضيقة، ضحكٌ مجنون، غير مصدّق، كأن الواقع انكسر للحظة وسمح لهما بحلمٍ محرَّم.
ضحكٌ يخفي تحته خوفًا عميقًا… لم تعترفا به بعد.
توقّفتا فجأة.
نظرتا إلى الحقيبة مرةً أخرى.
أعادتا إغلاقها بإحكام، وضعاها في زاويةٍ بعيدة من الغرفة، كأنهما تحاولان إقناع نفسيهما بأنها لم تكن هناك أصلًا.
ثم أحكمتا قفل الباب، وتسلّلتا خارج غرفتهما السرّية، عائدتين إلى الشارع، إلى الضوء، إلى الحياة العادية.
كانتا تمشيان جنبًا إلى جنب، والضحك ما يزال يعلو بينهما، لكن هذه المرة… أقل صخبًا، أكثر حذرًا.
قالت دالين، وهي تحدّق أمامها:
— أيُعقل أن يكون لأحدٍ ما… ونسيه في الطريق؟
هزّت سَابِين كتفيها بلا مبالاة مصطنعة، وقالت:
— ربما… ولكن من يهتم؟
أومأت دالين ببطء، ثم اقتربت منها، واحتضنتها من الجانب، كأنها تبحث عن طمأنينة سريعة.
— حسنًا… أراكِ غدًا. سنتفاهم أكثر بشأن… الحقيبة.
ابتسمت سَابِين ابتسامةً غامضة.
— غدًا.
وافترقتا عند المفترق المعتاد…
وكلّ واحدةٍ منهما تحمل في صدرها سؤالًا لم يُنطق بعد:
هل ما وجداه نعمة؟