الفصل الرابع عشر
مرت أيام الجنازة تقيلة وباهتة، مكنش فيها غير عدد قليل من القرايب والجيران؛ أصل "مهدي" مكنش ليه حبايب يبكوا عليه، مكنش ليه غير أخته "رتيبة" اللي انكسرت بجد. رزان أخدت إجازة من الشركة، وقفت وقفة رجالة، بتستقبل الناس وترتب كل حاجة بقلب ميت، كانت عايزة تخلص من الكابوس ده بأي ثمن.
لكن الهدوء ده مدمش؛ فجأة الشقة اتحولت لمقر لاستقبال الدائنين. مهدي طلع مديون لطوب الأرض؛ مستلف من الغلبان ومن المقتدر، من الصغير ومن الكبير، لم فلوس من الناس وغطس بيها ومات وهي في ذمته. رزان كانت بتبص للناس دي بذهول، وقالت لمامتها بصراحة
"يا ماما، مهدي ده أخوكي إنتي، أنا ميربطنيش بيه غير الدم للأسف و دلوقتي هو راح.. أنا لو هدفع مليم واحد دين، يبقى ديونك إنتي، لكن هو مستحيل أخسر عليه أكتر من تمن الجنازة اللي عملتها له!"
بس الدنيا مش دايماً بتمشي على مزاجنا. في يوم، رزان وهي راجعة من السوبر ماركت، اتفاجأت بجماعة من الدائنين محاوطينها، واحد منهم وشه يخوف، قرب منها وهددها بوضوح
"لو الفلوس مظهرتش يا بت ، هنعمل ونسوي.. إحنا ملناش دعوة مات ولا غرق، لينا حقنا!"
رزان قلبها وقع في رجليها، جريت وهربت منهم وطلعت الشقة وهي بتنهج، حاسة إن مصايب خالها لسه بتطاردها حتى وهو تحت التراب.
في فيلا مراد شاكر ...
على الناحية التانية، مراد كان عايش حياته الروتينية بين الشغل والبيت. نزل من الدور التاني ببدلته الأنيقة وماسك شنطته الجلد الفخمة، وطلع بره ينادي على "رنيم" عشان يوصلها في طريقه. "آسيا" والدته كانت قاعدة بتفطر، وبقت دلوقتي ست هانم، تلبس أغلى العبايات، بعد ما كانت ست بسيطة في الحارة سابها جوزها واتجوز عليها، لكن ابنها مراد كان هو "الضهر" والسند اللي عوضها عن كل اللي شافته.
آسيا بصت لمراد بحنان
"كل لقمة يا حبيبي قبل ما تمشي، إنت نحفت أوي يا مراد."
باس راسها بابتسامة
"مش جعان يا ست الكل، يدوب ألحق أوصل رنيم."
رنيم نزلت وهي بتدلع كالعادة، ومراد بصلها بجدية خفيفة "اقفلي الجاكيت يا رنيم، الجو برد والشتا دخل بجد."
نفذت كلامه، وقبل ما يتحركوا، آسيا وقفت مراد
"مراد، يا ريت تخلص شغلك النهاردة بدري شوية وترجع."
استغرب وسألها
"خير يا أمي؟ فيه حاجة؟"
ردت بابتسامة غامضة
"فيه ضيوف جايين النهاردة، وياريت تكون موجود."
اوما ، وبعدها طلعوا من الفيلا ...
ركب مراد العربية ورنيم جنبه، وأول ما دور الموتور، رنيم قربت منه أوي وكأنها هتقوله سر عسكري
"عارف مين اللي جاي المسا؟"
مراد بابتسامة حنونة
" مين ؟"
رنيم بخبث
"هقولك، بس هتديني إيه؟"
ضحك بدهشة
"إيه؟ هو الكريدت خلص بالسرعة دي؟ ده أنا لسه شاحنهولك!"
كشرت رنيم بضيق
"هو أنا في يوم طلبتك في فلوس؟ "
لف ليها بعينين متاسفة وسالها
" ها ، قولي عايزة ايه ياقلبي ؟"
رنيم اعتدلت وبصتله بجدية
"أنا عايزة يوم كامل ليا من جدول أعمالك اللي مش بيخلص ده."
مراد استغرب
" يوم ؟ ليه ؟ في حاجة ؟"
رنيم أصرت
" مافيش! بس انا عايزاك يوم "
تنهد مراد ووافق
"ماشي يا ستي، هفضي لك يوم.. انطقي بقى مين الضيوف؟"
رنيم اعتدلت وبصت في عينيه
"خالتي وجوزها وبنتهم 'منة'.. رجعوا البلد امبارح، وماما عزمتهم فوراً."
مراد حاول يبان مش فارق معاه وهو بيقود العربية، لكن رنيم كملت بذكاء
"منة غابت خمس سنين ورجعت دلوقتي.. تفتكر ليه؟ وماما مصرة إنك تحضر ليه؟ عشان تجمعكم طبعاً وتفكركم باللي فات يا ابيه!"
مراد ارتبك ارتباك خفيف وحاول يداريه
"ومين قالك الكلام الفارغ ده؟ أمي اللي قالتلك؟"
رنيم بضحكة واثقة
"لا، ده إحساسي وذكائي الخارق.. اللعبة مكشوفة يا كبير."
مراد زفر بضيق وقال بحزم
"اربطي حزام الأمان وسيبك من الحكايات الفارغة دي، مفيش حاجة من اللي في دماغك هتحصل."
رنيم ربعت إيدها وقالت بتحدي
"هنشوف يا ابيه.. بكره نقعد على الحيطة ونسمع الظيطة!"
_______
رنيم نزلت من العربية بعد ما ودعت أخوها ببوسة سريعة على خده، خلت مراد يبتسم وهو بيتمنى لها يوم سعيد.
أول ما اتطمنت إن عربية مراد اتحركت، وقبل ما تدخل المدرج بتاعها، طلعت موبايلها بسرعة وبعتت رسالة لـ "مروان"؛ قالتله فيها إنها خلاص بلغت مراد بموضوع "اليوم الفاضي"، وأول ما يحدد ميعاده هتقوله على طول.
رنيم ومروان كانوا مخططين لكل حاجة؛ مروان قرر إنه لازم يقعد مع مراد ويحكيله عن علاقتهم وكل اللي بينهم، ويطلب إيد رنيم منه على سنة الله ورسوله. رنيم قفلت الموبايل وهي مرتاحة بعد ما مروان بعت لها "إيموجي" إنه فهم، ودخلت مدرجها والابتسامة على وشها.
في الشركة...
رزان كانت واقفة قدام ماكينة القهوة، بتبصلها بضياع تام وعينيها مش مركزة في أي حاجة حواليها. لدرجة إن القهوة بتاعتها خلصت وجهزت، وهي لسه واقفة مكانها زي الصنم.
كانت غرقانة في تفكيرها.. الديون اللي سابها خالها هتعمل فيها إيه؟ طب لو قررت تتجاهل الناس دي، مش بعيد يكسروا عليها باب الشقة فعلاً ويؤذوا مامتها.
فاقت من توهتها على صوت هادي ووقور بيقولها
"القهوة جهزت من بدري يا آنسة رزان."
لفت بسرعة وهي مخضوضة، وعرفت صاحب الصوت من قبل ما تبص.. كان مراد اللي لسه واصل الشركة. ومن كتر الربكة واللخبطة اللي هي فيها، مدت إيدها تسحب الكوباية بسرعة، فاندلقت القهوة السخنة على إيديها وحرقتها.
"آآآه!" صرخة وجع مكتومة طلعت منها.
مراد أول ما شاف المنظر، رمى شنطته فوق أقرب كرسي وجري عليها بلهفة باينة في عينيه. مسك إيدها وبدأ يشوف الحرق، وسحب مناديل بسرعة عشان ينشف القهوة، بس لقى إن ده مش هينفع والوجع بيزيد، فقال بحزم وخوف "لا المناديل مش هتعمل حاجة، لازم تحطي إيدك تحت المية حالاً!"
أخدها ووقفها قدام الحوض وفتح الحنفية، وللحظة مراد كان هيمد إيده عشان يغسل لها إيدها بنفسه، بس استوعب الموقف وتوقف فجأة وسابها هي تكمل وتبرد الحرق بالمية الجارية. مراد فضل واقف جنبها، عينه مش مفارقة وشها اللي بان عليه التعب، وسألها بجدية
"مالك ؟ فيه مشكلة؟"
مراد كان ملاحظ بقاله كام يوم إنها شاردة تماماً، وأخطاؤها في الشغل زادت بشكل ملحوظ، لدرجة إنها بقت تغلط أكتر من أول يوم دخلت فيه الشركة. هو سمع طبعاً بوفاة خالها مهدي، بس هو عارف كويس إن رزان مكنتش بتحب خالها ولا بتطيقه، فاستبعد إن ده يكون سبب حزنها.
رزان ردت وهي بتبص للمية وصوتها مهزوز
"مفيش حاجة يا فندم.. بس منمتش كويس اليومين اللي فاتوا." وبعدين حاولت تغير الموضوع وسألته "حضرتك محتاج قهوة؟"
مراد هز راسه بالنفي وقال بنبرة فيها اهتمام
"لا مش عايز.. بس أهم حاجة تروحي تشتري كريم للحروق وتحطيه على إيدك فوراً."
رزان ابتسمت بخفوت وهي بتشكره. كانت عارفة بينها وبين نفسها إن طبع الإنسان مش بيتغير، ومراد هيفضل هو مراد؛ قلبه حنين لدرجة إنه مبيحبش يشوف حد بيتأذى قدامه، حتى لو كان عدوه.
قالتله برقة
"حاضر، أول ما أرجع البيت هحط كريم." وبعدها استأذنت وراحت لمكتبها وهي حاسة إن اهتمامه ده خفف عنها حمل الديون تقريباً للحظات.
_______
نزلت رزان لقسم سامر عشان توصل ملفات طلبتها منها بشرى، وسامر كعادته كان لبق وشكرها، بس مقدرش يمنع نفسه يسألها لو كانت كويسة؛ لأن وشها كان شاحب جداً ويدبل، وهي ردت بابتسامة باهتة إنها بخير. ولأول مرة، رزان مخدتش المصعد، قررت تنزل على السلم وكأنها عايزة تطول الطريق على قد ما تقدر عشان تهرب من زحمة المكتب وتعرف تفكر.
قعدت على واحدة من درجات السلم، وحطت راسها بين إيديها بضيق
"هجيب فلوس منين؟ أستلف؟ طب منين ومن مين؟ ده أنا لسه قايلة لمراد إني هرجع تمن الموبايل، أقوم دلوقتي أقوله سلفني أو اعطيني دفعة من المرتب؟"
كانت حاسة إن الدنيا مقفولة في وشها، ومسحت على شعرها بعصبية وهي بتكلم نفسها
"ده هو أصلاً قال هينقلني ويشوف لي شغل تاني.. أقوله إيه بس يا ربي؟"
وفي وسط الدوامة دي، موبايلها رن برسالة. افتكرتها بشرى بتستعجلها، بس لقتها من مامتها "رتيبة".. أو بالأصح من "فهرية". فهرية كانت باغتت رتيبة وأخدت الموبايل وبعتت لرزان -بناءً على اتفاق قديم بينهم إن فهرية تبلغها بكل حاجة عشان رتيبة بتخبي- الرسالة كانت واضحة وصادمة "اسمعي يا بت يا رزان، جماعة الديون جم البيت وهددونا ومشيوا، والوضع بقى صعب."
رزان حست في اللحظة دي إن الأرض بتلف بيها، خلاص مبقتش قادرة تستحمل أكتر من كدة. سابت الموبايل جنبها وفضلت باصة للفراغ بجمود.. "لو سألت مراد، هيقول عليا إيه؟ هيفتكرني طماعة؟ هيقول أول ما شافتني بدأت ألين معاها، بدأت تنفذ خطتها وتاخد مني فلوس؟"
سمعت صوت موظفين قريبين من السلم، فقامت بسرعة، مسحت وشها وحاولت تداري كسرتها. للحظة حست بدوخة خفيفة خلتها تسند على الحيطة، أخدت موبايلها وطلعت لمكتبها بخطوات تقيلة.
أول ما دخلت، مكنتش مركزة، بس وهي بتحط الموبايل على المكتب، عينيها وقعت على علبة صغيرة.. علبة شيك ومحطوطة بعناية. استغربت جداً: "إيه ده؟ هي العلبة دي بتاعتي؟ أنا مش فاكرة إني جبت حاجة زي كدة."
فتحت العلبة بفضول، ولقت جواها "كريم للإيدين". في ثانية، لفت وشها وبصت ناحية مكتب مراد.. قلبها دق دقة قوية وسريعة. هو؟ هو اللي جابه عشان حرق إيدها الصبح؟ الابتسامة طلعت غصب عنها على شفايفها الشاحبة، وفتحت الكريم، كانت ريحته خيال.. ريحة هادية ودافية زيه.
كأن الكريم ده مكنش مجرد علاج لإيدها، ده كان "جرعة شجاعة" لقلبها. حست إن اهتمامه ده بيفتح لها باب أمل، وإنها لازم تواجهه. وبكل عزم، قررت إنها أول ما الدوام يخلص، مش هتمشي.. هتروح لمكتب مراد وتتكلم معاه في كل حاجة.
______
رنيم كانت واقفة في نص الشركة، رافعة راسها وبتبص للمكان بفخر، وكل موظفات الاستقبال بيجاملوا فيها وبيرحبوا بيها بحفاوة؛ ما هي في النهاية أخت "مراد شاكر" الصغرى والمدللة.
رنيم كانت بتحاول تتصل بمراد بس الخط كان مشغول، كانت جايبة أخرها من محاضرات الجامعة ومن نكد والدتها اللي أصرت تبعتها عشان تتأكد إن مراد هيحضر سهرة الليل.
في الوقت ده، مراد فعلاً كان مشغول في مكالمة "سمّت بدنه". واحد صاحبه كان طلب منه مراد في لحظة تسرع يشوف شغل لرزان، فكلمه يزف له الخبر: "يا مراد لقيت وظيفة سكرتيرة براتب خيالي في شركة محترمة!"
مراد سأله "شركة مين؟" الصديق رد ببراءة "شركة السيد بدر.. بلال كان بيدور على سكرتيرة شاطرة."
مراد حس إن الدنيا اسودت في عينه، بلال؟ رزان تروح تشتغل عند بلال؟ استأذن وقفل السكة وهو مش شايف قدامه، لقى مكالمة فايتة من رنيم، حاول يطلبها ماردتش، فكلم الاستقبال يسأل عنها، والموظفة أكدت له إنها واقفة قدامها.
نزل مراد بسرعة، وفي نفس الوقت رزان كانت نازلة تجيب أوراق وشافت رنيم. رزان حاولت تتكلم بهدوء رغم إن طاقتها كانت صفر، وقالت لرنيم بكسرة"أنا مش هفضل هنا يا رنيم، مراد قالي هيشوف لي مكان تاني وأول ما يلاقي همشي."
رنيم عقدت ذراعيها على صدرها، شدّت الموبايل بقوة وقالت بسخرية
“مراد؟ كده؟”
وبصت فيها بحدة
"قولِي: مستر مراد."
رزان بلعت ريقها وما ردتش.
"ولا فاكرة إنك بالدمعتين اللي بكيتيهم له يومها هترجعي الماضي؟ الماضي مات يا رزان، وإنتي هنا مجرد موظفة، ويمكن أقل كمان!"
رزان اتنهدت بتعب
"عارفة والله يا رنيم، أنا عارفة مكاني كويس."
لكن رنيم ميسكتتش، بدأت تضغط عليها بكلام زي السم "بطلي تمثلي دور البريئة.. إحنا انخدعنا فيكي زمان وفكرناكي بنت ناس زيك زينا، بس طلعتي كلبة فلوس، بعتي أخوي عشان واحد تاني أغنى، عشان دكتور ولا مهندس معاه أكتر!"
رزان رفعت حاجبها وبدأت تفقد أعصابها
"رنيم! احترمي نفسك وحسني ألفاظك!"
رنيم ضحكت بسخرية
" الفاظي ؟ وأنا غلطت في إيه؟ مش دي الحقيقة؟ إنتي اللي اعترفتي إنك سبتيه في السوق زمان عشان مش معاه، ومن أول أسبوع خطبتي غيره! بعتي الحب والعيش والملح عشان القرش!"
هنا رزان انفجرت.. كل ضغط الديون، وموت خالها، وتعب الأيام، طلع في صرخة واحدة
"أيوه يا رنيم! بعته! الحب مش بياكل عيش! الحب لوحده مش كفاية.. هعمل إيه بكلمة بحبك او كلمة حلوة وأنا مش لاقية أستقر ولا أعيش؟ عايزاني أعيش فقر وحرمان زي أمي؟ أنا من حقي أعيش، من حقي أدور على مستقبلي! مراد وقتها مكنش معاه، مكنش بيقدر يوفر حاجة، وكان بيضيع عمري معاه على وهم!"
رنيم سألتها بذهول
"والحب اللي كان بينكم؟"
رزان ردت بقسوة وهي بتنهج
"الحب بيختفي لما الجوع والفقر يدخلوا من الباب! ولو رجع بيا الزمن هسيبه تاني طالما مش معاه! أنا بطلت أحبه أصلاً لما القيت انه مفيش مستقبل معاه."
رنيم قالت بصدمة
"يعني إنتي بتسيبي أي حد لو مش معاه فلوس؟"
رزان ردت بعناد وغيظ
"في وضعي الحالي؟ طبعاً! الفلوس هي اللي بتحمي، مش الكلام الفاضي."
كانت بتتكلم وهي بتطلع كل القرف اللي جواها، وماخدتش بالها إن مراد كان واقف وراها بمسافة قريبة.. سمع كل كلمة. سمع إن حبه ملوش قيمة، وإنها "كلبة فلوس" زي ما رنيم قالت، وإنها ممكن تقتله مرتين لو رجع بيهم الزمن.
جروح الماضي اللي كانت بدأت تلمم نفسها، اتفتحت تاني ونزفت بغزارة. رزان سابت رنيم ومشيت وهي بتغلي، ورنيم أول ما شافت أخوها اتخضت وحاولت تبتسم وتداري الموقف " ابيه كنت فين ؟" ماكنتش عايزة اخوها يعرف باللي حصل لانه هو اللي هيتوجع.
مراد كان وشه عبارة عن لوح تلج، ملامحه ميتة. حضن أخته بآلية وسألها بصوت خالي من الروح
"جيتي ليه يا رنيم؟" رنيم حكت له عن اصرار والدتها، فمراد بصلها وقال
"روحي إنتي يا رنيم، وقوليلهم أي حاجة.. أنا مش جاي."
رنيم استغربت
"ليه يا ابيه؟ ماما هتزعل! "
مراد رد بلهجة قاطعة وهو بيلف وشه
"عندي شغل.. اتصرفي يارنيم "
هي اومات وقررت تكذب على امها اي كذبة ، واضح إنه اخوها مش عايز يقابل منه ويتورط من ثاني .
وصلها لحد العربية مع السواق بابتسامة باهتة ومزيفة عشان ميقلقهاش، وأول ما العربية انطلقت، الابتسامة اختفت وظهر وحش كاسر.
مراد كان بيمشي في ردهات الشركة، وشه "يقطع الخميرة من البيت"، عروق إيده بارزة، وعينيه فيها نظرة انتقام وكسرة في نفس الوقت. طلع لمكتبه بخطوات زي دقات القدر، والكل كان بيبعد عن طريقه من كتر الهيبة والرعب اللي كان بيصدر منه. دخل مكتبه ورزع الباب وراه، وهو بيفتكر جملتها: "لو رجع بيا الزمان هسيبه كمان!"
______
فضلت رزان قاعدة في مكتبها بقية اليوم، بتحاول تهدي ضربات قلبها اللي كانت زي الطبول بعد كلام رنيم اللي عصر روحها وطلع أسوأ ما فيها. كانت بتراقب باب مكتب مراد بطرف عينها، ومن ساعة ما دخل مخرجش ولا نفس، وكأن الأوضة دي بقت حصنه المنيع.
بشرى خلصت شغلها وقربت منها باستغراب
"رزان، إنتي لسه قاعدة؟ الشغل خلص يا حبيبتي، مش هتروحي؟"
رزان ردت بصوت مبحوح وهي بتحاول تبتسم
"لا يا بشرى، استني بس صحبتي هتعدي عليا، روحي إنتي و اهتمي بنفسك"
بشرى ودعتها ورزان فضلت لوحدها، السكون في الشركة بقى مخيف، مفيش غير صوت المطر اللي بدأ ينقر على الزجاج بره.
بصت لعلبة الكريم اللي قدامها، ولمستها بصوابعها المرتعشة، حست بشوية شجاعة، بشوية أمل إن "مراد القديم" لسه جواه ولسة حنين و ممكن تسمعها. قامت، عدلت هدومها وشعرها، وتقدمت بخطوات مهزوزة دقت بابه، وجاها الإذن بالدخول.
دخلت بحذر، لقت مراد واقف قدام الشباك الزجاجي الضخم، مديها ضهره وبيبص لليل والمطر. الدنيا كانت غيمت خالص. رزان أخدت نفس وقالت بصوت واطي "مستر مراد.. أنا عايزة اتكلم معاك."
لف ليها مراد ببطء، تأملها بنظرة غريبة، نظرة فيها وجع وقسوة وانتقام؛ مش مصدق إن الملامح البريئة دي ممكن يطلع منها كل السم اللي سمعه من شوية.
رزان تقدمت، بلعت ريقها ووقفت قدامه، كانت بتدور في عينيه على أي أثر للمراد اللي تعرفه، وقالت بجدية
"مستر مراد.. أنا عارفة إن الحمل زاد، بس أنا محتاجة مساعدة مالية منك بخصوص ديون خالي مهدي، الناس بتهددنا في البيت وماما تعبانة.. أنا مستعدة أشتغل أي عدد ساعات إضافية، هطبق في الشركة ليل نهار بس عشان أسدد اللي عليا، وأوعدك مش هسيب مليم غير لما يرجع "
مراد سكت لحظة، وبعدين رسم ابتسامة باردة وقال "موافق."
رزان استغربت إنه وافق بالسهولة دي، بس لسه هتنطق، كمل هو ببرود
"بس إنتي هتضيفي الديون دي على الديون القديمة؟"
رزان بحيرة
" ديون ؟ ديون إيه؟ "
هنا مراد طلع موبايله وحطه على المكتب ببطء، وضغط على زرار التشغيل وفتحه على "السبيكر". رزان سمعت صوت بتعرفه كويس جدا .. صوت خالها مهدي!
التسجيل كان مهدي وهو بيسال مراد يعطيه فلوس
مهدي كان اكتشف زمان إن رزان بتكلم مراد في الموبايل، فراحله يطلب منه فلوس، ومراد طبعاً رفض يعطيه. هنا مهدي قاله إنه هيبيع "بيت أبو رزان" اللي هو ملكه حتى لو ماردش الدين كامل .
مراد قفل التسجيل وابتسم ابتسامة شيطانية وهو مسند على مكتبه بكلتا إيديه، ورزان واقفة قدامه وشها شاحب تماماً. كمل مراد وقالها إنه قاله أنه مش فارق معاه البيت يتباع أو لا، وده صدم مهدي اللي كان فاكر إن مراد ورقته الأخيرة، فمهدي فضل يترجاه إنه يدينه والفلوس هترجعها رزان، ومراد فعلاً دينه.
رزان بصتله بعدم تصديق
"ده.. ده من أسبوع! خالي مات من أسبوع.. ليه مقلتش؟ ليه سكت لحد دلوقتي؟"
مراد مردش، رزان كملت
"خالي مات وهو مديون للناس كلها، والفلوس اللي أخدها منك دي مظهرتش، مفيش مليم معاه لما لقوه ميت !"
هنا مراد فقد أعصابه، هجم عليها ومسك ذراعها بقوة وجذبها ليه
"إنتي فاكراني بكذب عليكي؟ أنا مش زيك يا رزان، أنا م بطمعش في فلوس غيري ولا ببيع اللي ساندني عشان قرشين زيادة!"
بعدها دفعها بخفة، وطلع من الدرج أوراق ورزعها على المكتب
"اقرئي!"
رزان شافت وثيقة دفع، بمبلغ خرافي أخدها مهدي بشرط الدفع، وكمان ورقة تانية خلت ركبها تخبط في بعضها.. مهدي عشان يثبت حسن نيته، سجل البيت اللي هما عايشين فيه باسم مراد!
شهقت بصدمة
"بيت مين؟"
اتضح إن البيت اللي رزان عايشة فيه مع مامتها بقى ملك مراد!
رزان همست بانهيار
"البيت.. البيت بقى باسمك؟"
حاولت تتماسك، هي كدة بقت مدينة لمراد بمبلغ خرافي مستحيل تدفعه في سنين. مراد قالها
"الاتفاق مش حاطط مدة معينة، فبراحتك."
رزان بصتله بكسرة، ومراد قرب من ودنها وهمس بقسوة "هتعملي إيه دلوقتي؟"
ف رجعت لورا برعب، مش مصدقة القسوة دي. في اللحظة دي، موبايل مراد نور برسالة من مامته آسيا بتقوله
أنا عارفة إنك عارف سبب الزيارة، وده عيب في حق اللي هتبقى خطيبتك انا ماجيتش "
مراد قلب الموبايل على وشه، وبص لرزان اللي دموعها بدأت تنزل. و قالها بجمود
"اسمعي.. فيه حل واحد."
رفعت رزان عينيها المبلولة وسألت بكره
"عايز إيه؟"
مراد نطقها بكل برود
"تتجوزيني.. جواز رسمي وبالحلال."
رزان اتصدمت فضلت لحظة تبصله مش مستوعبة
"جواز؟ جواز ايه ؟ وإيه علاقة ده بالديون؟"
مراد وضح ببرود وكأنه الطلب ده مش فارق عنده خالص
" ليها علاقة.. أنا مربوط من طرف عيلتي وعايزين يجوزوني بنت ناس ومفيهاش عيب، بس أنا مش عايز أتربط. عشان كدة، نتجوز إنتي وأنا، مجرد جواز على ورق لمدة معينة، لحد ما قريبتي تسافر وأهلي ييأسوا، وبعدها تكوني حرة، والبيت والدين هيرجعولك عادي.. لا وهدفعلك زيادة كمان، ما أنا عارف إنك بتحبي اللي بيدفع أكتر!" انهى بسم وهو بيضغط على جملته الاخيرة
رزان رفعت إيدها عشان تصفعه بكل قوتها، بس مراد قبض على ذراعها في الهوا وسحبها ليه بقوة لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، والشرر بيطير من عينيهم.
رزان صرخت بوجع وقهر
"اوعك ! اوعك تحكي عني كده ثاني والا هتشوف حاجة مش هتعجبك! "
مراد رد بقسوة وفحيح متجاهل تهديدها
"قدامك تلات اختيارات .. يا السجن بسبب وصلات الأمانة، يا تترمي إنتي وأمك في الشارع بعد ما أخد البيت، يا الجواز.. اختاري!"
رزان كانت بتنهج، بتبص في عينيه مش مصدقة إن ده مراد. قسوته النهاردة فاقت أي يوم. افتكرت مامتها، والبيت، وحياتها اللي بتنهار، فدفعته عنها وهي بتعيط وقالت بصوت مكسور
"موافقة.. طالما جواز على الورق بس، موافقة."
ودفعته بقوة عنها وطلعت من مكتبه سايبة الباب وراها مفتوح واخدة كل حاجتها وهي تلعن تفسها واللحظة اللي فكرت تجي لعنده!
عشان مريض!
مريض انه ينتقم منها وهي اللي فكرت هدي من ناحيتها