انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل الثالث عشر - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر

الاجتماع خلص، وبلال خرج من المكتب وهو بيمشي بخطوات واثقة، وقبل ما يوصل للمصعد، رمى عينه بطرف خفي على مكتب رزان.. لقى الكرسي فاضي والمكان خالي، فابتسم بخفوت وغموض، وكمل طريقه بعد ما ودعته بشرى بكل احترام ومهنية. بشرى دخلت المكتب عشان تلم الكؤوس، والجو جوه كان لسه مشحون ومكهرب. مروان وسامر كانوا قايمين يمشوا، ومراد فجأة وكأنه استوعب الوقت، سأل بشرى بنبرة فيها استفسار "هي رزان لسه مارجعتش من الأرشيف؟" بشرى ردت وهي بتجمع الحاجة "لأ يا فندم، لسه ما طلعتش." بشرى خرجت، وطلع وراها مروان وسامر. سامر حس بمدى الضغط اللي مروان فيه، فمد إيده وربت على كتفه بحنان، مروان لف وبصله وابتسم بهزة راس خفيفة وكأنه بيطمنه إنه بخير رغم كل حاجة. أما مراد، ففضل قاعد ورا مكتبه، بيبص في الفراغ قدامه بجمود. غمض عينيه بقوة وكأنه بيحاول يستجمع شتات نفسه ويفرمل دماغه اللي بدأت ترجع بيه لورا، للماضي اللي بلال فتحه تانى.. وفجأة قام مرة واحدة وكأن فيه فكرة سيطرت عليه. مكنش وراه غير وجهة واحدة.. الأرشيف. نزل مراد للأدوار السفلية، وأول ما قرب من باب الأرشيف، بدأ يسمع صوت طالع من جوه. في الأول افتكرها بتكلم حد في الموبايل، لكن لما قرب أكتر، ملامحه اتغيرت.. البنت كانت بتشتمه! "بقى أنا يبعتني هنا وسط التراب والعفن ده؟ وهو اللي كان بيقول بلاش تنمر.. أهو هو اللي بيتنمر بيا وبشغلي دلوقت!" رزان كانت بتنفخ بضيق، وطلعت شوية ورق وافتكرت إنهم المطلوبين بس لقتهم غلط، فزعقت بغيظ "يوووه! وبعدين بقى في الورق اللي مش عايز يخلص ده!" لكن فجأة، سمع صوت صرخة مكتومة منها "يا مامي! إيه ده؟" مراد دخل في اللحظة دي بسرعة، لقاها ماسكة مجموعة ملفات وعمالة تهز فيهم بجنون ووشها مقلوب من الرعب.. كانت ببساطة شافت عنكبوت. رزان أول ما شافته، اتجمدت مكانها والشهقة وقفت في زورها. مراد قرب منها بهدوء وأخد من إيدها الملفات اللي كانت خلاص هتقطعها من كتر الهز، وبص لها بنظرة هادية. هي حاولت تستجمع شجاعتها، عدلت شعرها وقالت بشوية حزم مخلط بضيق "أنا لسه بدور يا فندم.. الملفات اللي حضرتك طالبها صعبة تلاقيها بسرعة" مراد رد بمنتهى البرود "أنا عارف." رزان عقدت حواجبها بحيرة وسألت "عارف إزاي؟ حضرتك لسه داخل!" هنا مراد حنى راسه شوية، وقرب وشه من وشها لدرجة إن طوله بقى في مستوى طولها، وبص في عينيها بابتسامة ساخرة وقال "إنتي متأكدة إنك عايزة تعرفي أنا عرفت إزاي؟" رزان وشها بقى أحمر زي الجمرة وفهمت فوراً.. هو سمعها وهي نازلة فيه شتيمة وتريقة! هزت راسها بسرعة "لأ لأ" وكأنها بتقوله خلاص مش عايزة أعرف حاجة، بس سكتني! مراد بعد عنها وهو بيضحك بخفوت غصب عنه، وبدأ يقلب هو كمان في الرفوف. رزان بصتله بدهشة وسألت "حضرتك بتعمل إيه؟" قالها وهو مكمل تدوير "بحاول أعمل اللي السكرتيرة بتاعتي ما عرفتش تعمله." رزان كشرت وبوزت بغيظ، واتجاوزته بكتفها وراحت لجهة تانية وبقوا يدوروا هما الاتنين.. كل واحد في ناحية، بس الصمت اللي بينهم المرة دي كان فيه روح مختلفة، وكأن خناقتهم في الأرشيف كسرت شوية من الجليد اللي بلال سابه وراه. _______ رزان فجأة عينيها لمعت وصرخت بانتصار مكتوم "لقيتهم! مستر مراد.. هم دول؟" مراد ساب الملفات اللي في إيده وقرب منها بسرعة، أخد منها الورق وحطه على طاولة خشب قديمة وبدأ يقلب بتركيز.. ورق لونه باهت، ريحته تراب وسنين، ملفات ترجع لتمان سنين فاتوا أو أكتر، لبدايات الحلم اللي اتبنى طوبة طوبة. مراد اتنهد وقال "أيوه.. هم دول " رزان اتنفست الصعداء وقالت "الحمد لله.. خليني بقى ألم الحاجات دي وأرجع كل حاجة مكانها." وهي بتجمع الورق المرمي، الملف الأصفر اتزحلق ووقع على الأرض، وصورة "بلال" القديمة ظهرت منه وهي بتطير. رزان كانت لسه هتنزل تجيبه، بس مراد كان أسرع، نزل وجاب الملف وأول ما عينه وقعت على صورة بلال وهو صغير، ملامحه اتخفت واتجهمت تماماً. كان فاكر إنهم اتخلصوا من كل فتفوتة تخص الشخص ده، بس الأرشيف كان مخبي اللي مراد عايز ينساه. بص لرزان، لقاها واقفة بتبصله بهدوء، عينيها فيها ألف سؤال وسؤال بس لسانها عاجز عن النطق. مراد مد إيده بالملف ليها وقال بصوت بارد زي الثلج "ارمي ده في الزبالة يا رزان." رزان استغربت وسألت بعفوية "ارمي ملف فيه بيانات وتواريخ؟ ليه يا فندم؟" مراد سكت لحظة، وبص للفراغ، وبعدين اتكلم بصوت هادي ومرّ وسألها "إنتي مش فاكرة يا رزان؟" رزان عقدت حواجبها وبصت له بتركيز "فاكرة إيه؟" مراد كمل "بلال.. أنا حكيتلك عنه زمان." رزان سألت بصدمة " يعني أنت بتعرفه لمستر بلال ؟ كنتوا اصحاب ؟" الحقيقة إنه مراد، وبلال، وسامر، كانوا أصحاب وعيلة، درسوا مع بعض طول سنين الجامعة، وكان عندهم نفس الشغف وقرروا يحققوا حلمهم الكبير سوا. وبدؤوا فعلاً بالبرنامج اللي اشتغلوا عليه، وبلال كان شريك زيه زيهم، وفي مرة بلال قالهم إن عنده صديق طفولة أصغر منهم شوية بس عبقري.. وكان ده مروان، وانضم ليهم وبقوا الأربعة بيطوروا في الحلم سوا. رزان بدأت تفتكر، مراد حكى لها فعلاً لما كانوا مع بعض زمان عن أصحابه، بس الأسماء كانت بتلخبطها، لكنها كانت عارفة هو بيحبهم قد إيه. سألت بحزن "طب إيه اللي حصل؟ وليه بلال مش معاكم دلوقتي؟" مراد رد بسخرية مكسورة "مش أي حد بنعوزه يفضل معانا بيفضل يا رزان." رزان حست إن الكلمة لمستها هي كمان، كأنه بيعاتبها على غيابها، بس ركزت في كلامه لما كمل "بلال يئس.. زي ما كلنا يئسنا في وقت ما. كنا مفلسين وبنشتغل على حاجة العالم كله شايفها تضييع وقت. هو قرر ينسحب، حاولنا نوقفه، سامر اتحايل عليه، ومروان عيط عشانه، بس هو رفض.. قال إننا بنضيع حياتنا وطلب مننا نستغل ذكاءنا في وظيفة محترمة بدل الوهم ده." كمل مراد وهو بيضغط على سنانه "لكن إحنا كملنا، غيرنا الفكرة وطورناها وعملنا 'براءة اختراع'، وأول ما لقينا مستثمر والفلوس بدأت تجري في إيدنا.. بلال ظهر تاني. كان عايز يرجع، وبكل بجاحة عايز نصيبه في تعبنا اللي هو هرب منه." رزان سألت بدهشة "وعملتوا إيه؟" مراد قال بصوت واطي "كنا هنرجعه.. العشرة كانت لسه هينة علينا. بس هو خاف لا نرفضه، فعمل اللي مكنتش أتوقعه في حياتي.. رفع علينا قضية حجر على البرنامج، واتهمنا إننا سرقنا مجهوده وابتزنا عشان ياخد مبالغ خيالية، وكان هيوقف حالنا والشركة لسه بتطلع للنور!" رزان شهقت وحطت إيدها على بؤها بصدمة "بلال عمل كل ده؟ عشان كدة انتوا ..." هنا مراد اومأ ، وقال انه ماكانش متوقع يروح ويلاقيه مع السيد بدر ، اللي هو كان رجل الاحلام اللي مراد عاوز يشتغل معاه . خصوصا أنه اخبار بلال انقطعت مرة واحدة . مروان قدر يعرف بس أنه سافر برا ... ______ مراد كان مستني يسمع من رزان كلمة مواساة تقليدية، أو يشوف في عينيها نظرة شفقة، لكن رد فعلها كان هو الصدمة الحقيقية بالنسبة له. رزان بصت له، ورسمت على وشها ابتسامة صافية جداً، هادية وواثقة، وقالت له بنبرة كلها فخر "بس تعرف يا مستر مراد.. المفروض حضرتك ومستر مروان ومستر سامر تكونوا دلوقتي في قمة سعادتكم، مش غضبانين ولا متكدرين أبداً." مراد عقد حواجبه باستغراب وبص لها كأنه بيستكشف هي بتقول إيه، فكملت رزان وهي بتلمع عينيها "المفروض تكونوا فخورين بنفسكم أوي.. لأنكم قدرتوا تحققوا الحلم اللي كل الناس قالت عليه وهم، الحلم اللي أقرب الناس ليكم ظنوا إنه مستحيل وإنه مجرد تضييع وقت.. مستر بلال سابكم عشان خاف من الفشل، وغيره كمان (سكتت لحظة وكأنها كانت هتقول اسمها بس لمت نفسها بسرعة) شافوا إنكم ماشيين ورا سراب.. لكن النهاردة السراب ده بقى صرح كبير وبقى شركة الكل بيتمنا رضاها، حتى مستر بلال نفسه رجع يطلب ودكم وشراكتكم.. دي في حد ذاتها أكبر انتصار، إنكم أثبتم للواقع إنكم صح والكل كان غلط." في اللحظة دي، مراد اتسمر مكانه. مشاعر كتير اتلخبطت جواه؛ كلام رزان كان زي البلسم اللي لمس جرحه القديم وطيبه. فضل يتأمل ملامحها، وعينيه اتعلقت بوشها وكأنه بيشوف رزان تانية خالص.. مراد بلع ريقه بصمت، ونظرته لانت تماماً.. الحواجز اللي كان بانيها حوالين قلبه بدأت تتهز. كان بيبص لها بإعجاب مكتوم، وحس لأول مرة من سنين إن فيه حد بجد فاهم حجم الوجع وحجم الإنجاز اللي عمله. فضل ساكت، بس عينيه كانت بتقول "شكراً" بألف طريقة، وكأنه كان محتاج يسمع الكلمتين دول منها هي بالذات عشان يصدق إنه فعلاً انتصر. تنهد تنهيدة طويلة، تنهيدة راحة لأول مرة من وقت ما بلال ظهر، وقال بصوت واطي ومحمل بمشاعر دافية "إنتي شايفة كدة يا رزان؟" رزان هزت راسها بتأكيد وهي لسه مبتسمة "أنا شايفة إنكم ملوك اللحظة دي.. ومحدش يقدر يكسر فرحتكم طالما الحلم بقى حقيقة بين إيديكم." _______ رجعت رزان لمكتبها والابتسامة مش مفارقة وشها، كانت حاسة بزهوة غريبة.. يمكن عشان مراد لأول مرة من سنين يتكلم معاها بالرقة دي، أو لأنها استشعرت فيه ريحة "مراد القديم" اللي وحشها. لكن الفرحة مكملتش، فجأة هجم عليها تعب ورهق مش طبيعي، رغبة في النوم كانت بتسحب عينيها بالعافية؛ ما هي منامتش من الفجر بسبب الراجل الغبي اللي جه يرزع على الباب ويدور على خالها مهدي. ووسط ما هي بتحاول تسند راسها، موبايلها رن.. طلعت الجهاز الجديد وردت بلهفة مفكرة إنها مامتها، بس الصوت اللي جه كان غريب، صوت رسمي وبارد "حضرتك آنسة رزان؟ والدة حضرتك السيدة رتيبة عندنا في المستشفى." رزان الدنيا لفت بيها، رعب حقيقي سكن قلبها "مستشفى إيه؟ وماما حصلها إيه؟" الممرضة بلغتهم إنها أغمى عليها في الشارع والجيران نقلوها. رزان مقدرتش تستنى ثانية، لميت حاجتها وجريت على بشرى اعتذرت بكلمات متقاطعة إنها لازم تمشي حالاً، وطلعت تجري على المستشفى. وصلت رزان وهي بتنهج، سألت في الاستقبال وطلعت تجري على الأوضة. لقت أمها متسطحة على السرير، غايبة عن الوعي، وجنبها جارتهم "طنط فهرية". رزان ارتمت على إيد أمها وبدأت تبوسها وتفوقها، وبعدين لفت لفهرية وسألتها بلهفة وخوف "إيه اللي حصل يا طنط؟ ماما مالها؟ حد ضايقها؟" فهرية كانت بتبص للأرض، بتبلع ريقها بصعوبة، ووشها كان مخطوف. رزان اتجننت "اتكلمي يا طنط فهرية! ماما وقعت ليه؟ حد خبطها؟ اتخانقت مع حد؟" فهرية هزت راسها بالنفي وقالت بصوت واطي "لا يا رزان.. رتيبة مفيهاش حاجة، الضربة مجتش فيها هي.." رزان عقدت حواجبها "أمال في مين؟ جارتنا؟ مين اللي حصله حاجة؟" فهرية بصت في عين رزان وقالت بكلمة واحدة هزت الأوضة "مهدي.." رزان جسمها اتشد "خالي؟ ماله الزفت ده كمان؟ عمل مصيبة تانية؟ جاب لنا بلطجية جداد؟" فهرية تنهدت بوجع وقالت "مات يا رزان.. مهدي مات." رزان إيدها اللي كانت بتمسح على وش أمها جمدت في مكانها. سكتت لحظات كأن الكلمة مش راضية تدخل عقلها، وبعدين بصت لفهرية بذهول "إيه؟ مات إزاي؟ إنتي بتقولي إيه يا طنط؟" فهرية حكت "لقوه في الميناء.. واحد من شباب الحي شغال هناك شاف زحمة وتجمع، ولما سأل وقرب لقى مهدي هو اللي مطلعينه من المية." رزان سألت بآلية "وإيه اللي وداه الميناء؟" فهرية "بيقولوا كان ناوي يهرب، ما هو كان مطرود ومطلوب من ناس تقيلة.. بس هيهرب فين وقدره كان مستنيه." رزان سألت بصوت خالي من المشاعر "مات إزاي؟ خدوه المشفى ؟" فهرية ردت "أيوه ، ولما فحصوه اتصلوا بمامتك . الدكاترة قالوا إن جسمه كان مليان كحول، وغالبا سكر لدرجة إنه فقد توازنه ووقع في البحر وهو مش حاسس.. غرق وهو غايب عن الدنيا." رزان بصت لمامتها اللي نايمة زي الجثة الهامدة، وفهمت إن صدمة موت أخوها الصغير "آخر العنقود" حتى لو كان فاشل، كانت القشة اللي قطمت ضهرها ودمرتها. قعدت رزان على الكرسي بتعب، وبقت تبص لفهرية وفهرية تبص لها.. صمت مريب مفيش فيه غير صوت أجهزة المستشفى. رزان مكنتش عارفة تحزن عليه ولا ترتاح من بلاويه، بس اللي كانت عارفاه إن حياتها وحياة أمها بعد اللحظة دي مش هترجع زي الأول أبداً.