انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل الثاني عشر - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

صحيت رزان مخضوضة على صوت دق عنيف وقوي على الباب، كأن البيت هيتهد. قامت من السرير بسرعة وهي لسه ببيجامة النوم، وخرجت للصالة لقت مامتها "رتيبة" هي كمان صاحية ومفزوعة، بتبص للساعة اللي كانت لسه في عز الفجر وبتقول "يا ستار يارب! مين اللي بيخبط بالغل ده الصبح؟" رزان لفت نفسها بـ "روب" بسرعة وراحت ناحية الباب، وأول ما فتحت، لقت قدامها راجل في الثلاثينيات، وشه أحمر من الغضب وعينه بتطق شرار، وفي نفس الوقت كان باين عليه توتر وخوف مش طبيعي. رتيبة كانت واقفة ورا رزان وهي لابسة إسدال الصلاة، وقالت بصوت مهزوز "في إيه يا أستاذ؟ إيه الطريقة دي؟ حد يخبط على ناس محترمة كده في الوقت ده؟" الجيران في الشقق اللي جنهم بدأوا يفتحوا أبوابهم بفضول وقلق بسبب الدوشة، لكن الراجل مكنش هامه حد، ولا حتى بص في وشهم، وزعق بصوت عالي "فين مهدي؟ خليه يطلعلي حالاً!" رزان بصت لمامتها وتنهدت بكسرة وقهر، وقالت في سرها "وبعدين بقى؟ إيه المصيبة الجديدة دي؟ هو مهدي مش ناوي يجيبها لبر؟ لازم يجر شكلنا ويجيب لنا البلطجية لحد باب البيت!" رتيبة ردت على الراجل وهي بتحاول تداري كسفتها قدام الجيران "مهدي اخويا بقاله كذا يوم مش هنا وما نعرفش عنه حاجة.. في إيه؟ عمل إيه تاني؟" الراجل قرب خطوة وهدد بإيده "قوليله يطلّع الفلوس اللي أخدها! فلوسي وفلوس الرجالة.. قولي له يرجع الأمانة اللي غطس بيها وإلا ملوش عيش وسطنا!" رزان رفعت حاجبها باستنكار وسألت "فلوس إيه دي؟ إنت بتتكلم عن إيه؟" الراجل رد بصراخ "مهدي لازم يرجع القرشين، وإلا هنروح كلنا في داهية! الراجل اللي مديننا كلنا طالب بفلوسه، ومهدي أخد النصيب بتاعنا ومادفعش اللي عليه.. يعني نصب علينا وعلى الراجل الكبير، وكده هيودينا وراه المذبح!" رزان حست إن الدنيا بتلف بيها، يعني مهدي مكنش بيلعب بس، ده بقى بينصب ويورط ناس معاه. بصت للراجل ببرود مصطنع وقالتله "قلتلك مهدي مابقاش يجي هنا، ولو عايز تدور عليه روح دوره في حتة تانية.. إحنا ملناش دعوة ببلاويه." وقبل ما الراجل ينطق بكلمة، رزعت الباب في وشه ودخلت وهي بتغلي. لفت لرتيبة وقالتلها بغل "عاجبك كده يا ماما؟ ده اللي كان ناقصنا! أخوكي مش مكفيه الفضايح اللي عملها زمان، قايم دلوقتي يورطنا في ديون ونصب والناس تيجي تهزقنا على باب شقتنا!" رتيبة مكنتش سامعة كلام رزان، كانت بتجري تدور على تليفونها وبتحاول تتصل بمهدي وهي إيدها بتترعش. رزان رمت جسمها على الأريكة بإهمال وقالت بسخرية "وفري تعبك يا ماما.. مش هيرد، اللي زيه بيعرف يستخبى كويس لما الدنيا بتولع وراه." وفعلاً، التليفون كان بيدي "مغلق"، رزان ضحكت ضحكة يأس، ضحكة مليانة وجع.. في اللحظة دي غمضت عينيها واتمنت أمنية واحدة: إنها تشتغل ليل نهار وتجمع أي قرشين، عشان تاخد أمها وتهرب من البيت ده ومن الحارة دي ومن "مهدي" وبلاويه، وتبدأ حياة تانية بعيد عن كل القرف ده. ______ راحت رزان الشركة ، بس أول ما دخلت لقت الجو مش عادي خالص. بشرى كانت واقفة "على سن جنحة"، ماسكة النوت بوك والقلم وبترتب في ورقها بجدية، والنشاط باين على وشها.. واضح إن فيه "مأمورية" تقيلة النهاردة. رزان حطت حاجتها على مكتبها بسرعة، وجريت على بشرى وسألتها بلهفة "إيه يا بشرى؟ شكلك وراكي غزو النهاردة، قوليلي هنعمل إيه؟" بشرى ابتسمت وقالتلها "جهزي نفسك يا رزان، إحنا نازلين 'طابق الابتكار'.. قسم مختبر الذكاء الاصطناعي. مستر مراد عايز يعمل تقييم شامل للوضع هناك، وياخد معلومات عن آخر التطورات والبرمجيات اللي شغالين عليها، ولازم نكون معاه عشان نسجل كل كبيرة وصغيرة." رزان عينيها لمعت بفضول ووافقت فوراً، وبعد دقايق، باب مكتب المدير اتفتح وخرج مراد بهيبته المعتادة. كان لابس نضارته الطبية اللي بتديله وقار زيادة، وماسك التابلت في إيده وباصص فيه بتركيز. رزان أول ما شافته رمت التحية "صباح الخير يا فندم." مراد رفع عينه ورد . وهو لسه عينه في التابلت، بدأ يمشي بخطوات واسعة وسريعة، وبشرى وراه بتجري وطلبت من رزان تلحقهم.. ونزلوا "طابق الابتكار". أول ما دخلوا القسم، رزان حست إنها دخلت فيلم "خيال علمي". الطابق كله كان عبارة عن: روبوتات تجريبية بتتحرك في كل حتة. نظارات واقع افتراضي (VR) الموظفين لابسينها وعمالين يشاوروا في الهوا. شاشات ضخمة مالية الحيطان وعليها بيانات وأكواد بتجري زي المطر. أجهزة كمبيوتر متطورة جداً وصوت "المراوح" بتاعتها عامل سيمفونية في المكان. مراد كان بيتحرك وسط المهندسين والمبرمجين زي القائد، يسأل ده عن "خوارزمية" معينة، ويناقش التاني في سرعة استجابة السيرفر. بشرى كانت واقفة جنبه بتسجل كل ملاحظة بيقولها، ورزان كانت وراهم بتجري وبتحاول "تلقط" أي كلمة عشان تثبت وجودها. لكن المشكلة إن مراد كان سريع جداً في كلامه، وكأنه بيتكلم مع نفسه مش مع بشر، وبيستخدم مصطلحات إنجليزية تقيلة ومفاهيم برمجة رزان مسمعتش عنها قبل كدة. رزان كانت واقفة، حاطة مقدمة القلم في بوقها ومركزة بزيادة، والحيرة باينة على وشها.. الورقة قدامها لسه فاضية من كتر ما هي مش فاهمة المصطلحات. وفجأة، وسط ما المهندسين كلهم ساكتين ومنتبهين لكلام مراد اللي مبيحبش حد يقطعه ولا يكرر كلامه، رزان لقت نفسها بتسأل بصوت عالي ومسموع "إنت قلت إيه؟" هوب.. السكوت حل على المكان. رزان حتى مالحقتش تقول "حضرتك" من كتر ما هي كانت مشوشة. الكل لف وبصلها بدهشة، وكأنها ارتكبت جريمة في حق الذكاء الاصطناعي. رزان رفعت عينيها وبصت حواليها، ولما استوعبت إن الكل باصص لها بالمنظر ده، شالت القلم من بوقها بسرعة واعتدلت في وقفتها ووشها بقى أحمر زي الطماطم من الكسفة، وحست إنها عايزة الأرض تنشق وتبلعها. مراد وقف مكانه، بص لها نظرة صامتة طويلة من وراء نضارته.. نظرة خالية من أي تعبير، لا غضب ولا سخرية، كأنه بيبص لـ "error" في السيستم. وبعد ثواني من الصمت اللي خلى قلب رزان يقف، لف وشّه بكل برود وكمل سيره وكأنه مسمعش حاجة أصلاً، وسابها واقفة بتموت في جلدها. _____ وقف مراد وسط المهندسين، وبدأ نقاش تقني عميق مع واحد من كبار المهندسين عنده بخصوص نظارة "واقع افتراضي" (VR) جديدة بيطوروها في المختبر. المهندس نادى على زميله وقال لمراد "يا فندم، إحنا وصلنا لمرحلة محاكاة واقعية جداً، والزميل هيجربها قدام حضرتك دلوقتي عشان تشوف سرعة الاستجابة." بدأ الزميل يلبس النظارة ويتحرك في الفراغ، يمين وشمال، ويمد إيده وكأنه بيمسك حاجات مش موجودة. مراد كان بيراقب "الديتا" على الشاشة بتركيز، بس فجأة عينه راحت لرزان.. رزان كانت واقفة بتبص بذهول تام، بؤها مفتوح سنة، وعينيها بتلمع بانبهار طفولي. مكنتش مجرد بتتفرج، دي كانت "عايشة" مع المهندس اللحظة؛ لما يميل هي تميل معاه، ولما يمد إيده هي كمان ترفع إيدها لا إرادياً وكأنها هي اللي لابسة النظارة. تعابير وشها كانت مكشوفة وواضحة جداً لدرجة خلت مراد يبتسم ابتسامة خفيفة مدارية وهو بيبصلها بدهشة.. وكأنه افتكر رزان القديمة، اللي كانت بتنبهر بأبسط الأشياء. فجأة مراد قطع صمته وسألها بهدوء "تحبي تجربي يا آنسة رزان؟" رزان لفت له بسرعة، عينيها وسعت وما صدقتش "أنا؟! بجد يا فندم.. يعني ينفع أجربها؟" بشرى كانت واقفة جنبها، بتبصلها بحب ومبتسمة على حماسها اللي ملوش حدود. رزان وافقت فوراً وهي في قمة حماسها، والزميل خلع النظارة وكان لسه هيمد إيده يلبسها لرزان، بس مراد سبق بخطوة وأخد النظارة من إيد المهندس بحزم هادي. قرب مراد من رزان، والمسافة بينهم بقت صغيرة جداً. رزان حست بقلبها بيدق وهي شايفاه بيقرب النظارة من وشها. مراد بدأ يلبسها النظارة برفق، وإيديه لمست أطراف وشها. لقى خصلات من شعرها نزلت تحت "الأستك" بتاع النظارة، فمد إيده وبالراحة جداً بدأ يعدل شعرها ويطلعه لبره عشان النظارة تكون مريحة، صوابعه كانت بتتحرك بحذر كأنه خايف يلمسها بس في نفس الوقت كان مهتم جداً بكل تفصيلة.. رزان في اللحظة دي كانت حابسة أنفاسها تماماً. أول ما النظارة اشتغلت، رزان شهقت بصوت عالي "يا نهار أبيض! إيه ده؟" رزان شافت قدامها عالم تاني خالص؛ كانت واقفة وسط غابة ديجيتال، الشجر بيتحرك، والعصافير بتطير حواليها، والألوان كانت زاهية لدرجة تخطف العين. بدأت تضحك بصوت عالي وتلف حوالين نفسها، وتمد إيدها تحاول تلمس الفراشات الوهمية وهي بتقول "بجد مش معقول! أنا حاسة إني هناك فعلاً.. بصوا بصوا! الشجرة دي شكلها حقيقي أوي!" ضحكتها الصافية وحماسها خلوا كل المهندسين الموجودين، وحتى بشرى، يبتسموا غصب عنهم؛ روحها خلت المكان اللي كله "حديد وأجهزة" ينطق حياة. وفجأة، من كتر اندماجها، رزان لفت بسرعة وهتتطوح، كانت خلاص هتتعكبل وتقع، بس مراد كان أسرع من البرق. مد إيده ومسك إيدها بقوة عشان يسندها. رزان من الخضة ضغطت على إيده بجد، وفي اللحظة دي مراد حس كأن فيه تيار "كهرباء" انتشر في جسمه كله من لمسة إيدها. سحبها ناحيته بهدوء لحد ما استعادت توازنها، وفضل ماسك إيدها ثانية زيادة عن اللزوم قبل ما يسيبها ببطء. مراد قرب منها تاني وساعدها تخلع النظارة. رزان أول ما قلعتها كانت لسه بتنهج وعينيها بتلمع، المهندس سألها بابتسامة "ها يا آنسة . إيه رأيك في الاختراع بتاعنا؟" رزان ردت بلهفة وهي لسه مش مستوعبة "رأيي؟ ده سحر! بجد برافو عليكم.. أنا حسيت إني رحت عالم تاني ورجعت في ثواني، الألوان والحركة.. بجد حاجة تشرف!" مراد كان واقف بيراقبها، ورغم محاولته إنه يبان رسمي، إلا إن نظرة الرضا والهدوء في عينيه كانت بتقول إنه كان مبسوط بفرحتها دي أكتر منها. _______ بعد ما الجولة خلصت، رزان رجعت لمكتبها وهي لسه حاسة بإنها طايرة في الهوا من تجربة النظارة، بس سرعان ما غرقت في الشغل.. فضلت طول اليوم تقريباً "نحلة" بتتحرك، بترتب الملفات وتنفذ طلبات بشرى اللي مابتخلصش، خصوصاً إن الشراكة الجديدة مخلية ضغط الشغل مضاعف. بشرى قامت من مكتبها وهي بتتمطى من التعب، وبصت لرزان وقالت "أنا ريقي نشف وهروح أجيب عصير ليا ، تحبي أجيبلك معايا يا رزان؟" رزان مسحت جبينها بابتسامة وقالت "يا ريت يا بشرى، عصير برتقال " أول ما بشرى مشيت، رن الهاتف اللاسلكي الخاص بالمكتب، رزان قامت بسرعة ورفعت السماعة بمهنية بعد ما خلاص اتعودت على نظام الشركة "شركة النواة، مكتب المدير.. أيوة مع حضرتك." في البداية، رزان معرفتش الصوت، كان صوت هادي ورزين، بس صاحب الصوت عرف نفسه فوراً "أنا بلال، من طرف السيد بدر.. بلغي مستر مراد إني جاي زيارة كمان شوية عشان فيه كام نقطة محتاجين نناقشهم بخصوص المشروع المشترك." رزان ردت بترحيب رسمي "أهلاً يا مستر بلال، تمام يا فندم، هبلغ مستر مراد حالا." قفلت السماعة وأخدت نفس طويل.. مكنتش عارفة ليه حاسة بإن المكالمة دي "تقيلة"، بس قامت وعدلت هدومها وراحت ناحية مكتب مراد. دقت الباب دقتين رقيقين، ولما سمعت صوته بيقول "ادخل"، فتحت الباب ودخلت. مراد كان غرقان في أوراق قدامه، رفع راسه وعقد حواجبه أول ما شافها، وكأنه كان متوقع إنها بشرى مش رزان. سألها بنبرة تساؤل "في حاجة ؟" رزان قربت ووقفت قدام المكتب باحترام "آسفة على الإزعاج يا فندم، بس لسه حالا جاي اتصال من الأستاذ بلال، وبلغني إنه في الطريق للشركة عشان يقابل حضرتك ويناقش حاجات بخصوص المشروع." رزان شافت "التحول" اللي حصل في وش مراد قدام عينيها؛ ملامحه اللي كانت هادية قلبت فجأة لجمود وتوتر، وعينيه لمعت بضيق واضح وكأن حد "نكد" عليه يومه. مراد محاولش حتى يداري ضيقه، أومأ براسه وقال بصوت ناشف "تمام.. أول ما يوصل بلغوني فوراً." رزان قالت "حاضر يا فندم"، وخرجت وهي بتكلم نفسها "يا ساتر يارب.. ماله ده؟ مزاجه اتقلب في ثانية ليه كدة؟" وهي خارجة، لقت مروان وسامر جايين مع بعض وداخلين لمراد. رحبت بيهم بابتسامة باهتة "أهلاً يا مستر مروان، أهلاً يا مستر سامر.. اتفضلوا، مستر مراد جوه ولوحده لو عايزين تدخلوله" مروان، اللي عينه دايماً "لاقطة" لكل حاجة، وقف وبصلها بشك وسألها "إيه يا رزان؟ مالك وشك مخطوف ليه؟ إيه القصة.. المدير نكد عليكي تاني ولا إيه؟" رزان قعدت على كرسيها وهزت كتافها بحيرة وقالت لمروان بصوت واطي "والله يا فندم ما أعرف، أنا كنت داخلة أقوله خبر عادي، بس أول ما قلتله إن مستر بلال جاي في السكة، وشه قلب ١٨٠ درجة وبقى بيطلع شرار!" أول ما نطقت اسم "بلال"، مروان وسامر بصوا لبعض نظرة "فهم" عميقة جداً. سامر وشه تجهم وبان عليه الضيق هو كمان، أما مروان فابتسم ابتسامة غامضة وكأن الموضوع مش عاجبه بس في نفس الوقت متوقعه، ومردش على رزان بكلمة مفيدة، يادوب هز راسه ودخلوا هما الاتنين لمراد. رزان فضلت قاعدة مكانها، مذهولة من رد فعل التلاتة "هوما مالهم؟ هوما مش بيحبوه لمستر بلال ده؟ طب ليه؟ ده الراجل ذوق جداً وكلامه محترم!" في النهاية، رزان قررت إنها مش هتحشر نفسها في صراعات المديرين، ورجعت كملت شغلها . _____ وصل بلال الشركة بهيبته الهادية وابتسامته اللي مش بتفارق وشه، وكان في استقباله بشرى ورزان. رزان أول ما شافته سابت العصير اللي كانت بتشربه وقامت بسرعة بآلية الموظفة الملتزمة، لكن بلال رفع إيده بابتسامة بشوشة وقالها "لا لا يا آنسة رزان، خليكي مرتاحة.. ملوش لزوم الرسميات دي كلها، إحنا بقينا شركاء خلاص." وبعدين بص حواليه وسألها بخفة دم "بس باين كدة إن الشغل واكل وقتكم خالص ، الله يعينكم." بشرى ردت عليه بمهنية شديدة وابتسامة رسمية "أهلاً يا فندم، فعلاً ضغط الشغل كبير بس إحنا قدها." بشرى في سرها كانت ملاحظة إن "مستر بلال" من النوع اللي بيحب يفتح كلام عفوي ويهزر، بس في نفس الوقت كانت حاطة قدام عينيها صورة مراد وهو "شايط"، فقررت بذكاء إنها تاخد مسافة أمان وتتعامل برسمية تامة عشان متفتحش على نفسها أبواب هي في غنى عنها. اتحركت بشرى ناحية مكتب مراد، بلغتهم بوصول بلال، وبعد ثواني خرجت تطلب منه يتفضل. دخل بلال المكتب، ولقى "التلاتة" قاعدين: مراد ومروان وسامر، والجو كان مشحون لدرجة إن لو حد ولع كبريت المكتب هينفجر. بشرى سألت بوقار "قهوة كالعادة يا فندم؟" التلاتة (مراد وسامر ومروان) أومأوا براسهم من غير كلام كتير، وبعدين لفت لبلال وسألته بذوق "وحضرتك يا مستر بلال، تحب تشرب قهوتك إزاي؟" بلال رد بابتسامة رايقة ووصف لها طلبه . بشرى كانت لسه هتلف وتخرج وهي في بالها إنها هتخلي رزان تعمل القهوة عشان هي ترجع تكمل شغلها، لكن مراد فاجأها وصوته قطع تفكيرها بحدة "بشرى.. ابعتي رزان 'الأرشيف' حالاً، فيه ملفات قديمة للمشروع التأسيسي محتاجها تكون قدامي ." بشرى اتسمرت مكانها واستغربت جداً "أرشيف؟ دلوقتي يا فندم؟ بس الملفات دي مش.." قاطعها مراد بنظرة صارمة "دلوقتي يا بشرى، رزان تنزل تدور عليهم ..." بلال اللي كان قاعد وحاطط رجل على رجل، ابتسم ابتسامة خفيفة جداً تكاد تكون مش مسموعة، وكأنه فهم إن مراد بيحاول "يخبّي" رزان أو يبعدها عن المكان طول ما هو موجود، الحركة كانت مكشوفة أوي لواحد بذكاء بلال. خرجت بشرى وهي محتارة، ولقيت رزان واقفة مستنية الأوامر عشان تعمل القهوة، فقالت لها بنبرة فيها تعجب "رزان.. مستر مراد طالب منك تنزلي الأرشيف حالاً تجيبي ملفات المشروع التأسيسي." رزان بربشت بعينيها بدهشة "أرشيف؟ وفي الوقت ده؟ والقهوة يا بشرى؟" بشرى هزت راسها "القهوة أنا هعملها، انزلي إنتي بسرعة عشان هو شكله مش طايق نفسه ومش عايز تأخير." رزان اتنهدت بقلة حيلة وقالت "أرشيف أرشيف.. هو أنا هقول لأ؟" ولمت حاجتها ونزلت للدور الأرضي ______ بشرى حضرت القهوة ودخلت وزعتها بهدوء، وخرجت قفلت الباب وراها ورجعت لمكتبها وهي حاسة إن الجو جوه "كهرباء" وممكن ينفجر في أي لحظة. بمجرد ما الباب اتقفل، حل صمت تام.. صمت تقيل ومزعج لدرجة إنك تسمع دقات الساعة. بلال قطع الصمت ده لما مد إيده وأخد رشفة من القهوة بكل رقي وهدوء، وكأنه قاعد في "كافيه" مش في وسط معركة باردة. مراد مكنش عنده طاقة للمناهدة، فجأة أسقط كل أقنعة الرسمية، وسأل بنبرة ناشفة وحادة "عايز إيه يا بلال؟" بلال اللي كانت عينه لسه على فنجان القهوة، ضحك بخفوت.. ضحكة فيها سخرية ومكر، وبعدين رفع راسه وبص لمراد وقال "إيه ده يا مستر مراد؟ هو إنت قررت تتكلم براحتك وتشيل التكليف عشان بس مافيش حد غريب معانا؟" هنا تدخل سامر، اللي كان بيعدل نضارته بضيق واضح، وحاول يخلي نبرته لسه محتفظة بشوية رسمية وقال "أظن يا مستر بلال إنك جيت عشان تناقش حاجات في المشروع.. والمدير زي ما إنت عارف وقته مش ملكه، فيا ريت ندخل في الموضوع مباشرة." بلال مسندش ضهره بس، ده "اتمطع" على الكرسي وبص لمروان اللي كان قاعد وشه مخطوف، والتوتر واكله، ووجود بلال مأثر عليه بشكل مبالغ فيه. بلال سأله "إيه يا مروان؟ وإنت مش هتقول حاجة؟ " مراد اتنهد بضيق ونفخ وهو بيقرب من مكتبه "لو جيت النهاردة عشان تفتح مسائل شخصية، فإنت ضيعت وقتك.. إحنا خلاص مضينا العقد، والشراكة تمت، والورق قدامك أهو." بلال رد بمنتهى البرود "أنا ممانعتش الشراكة، وبالعكس.. أنا من أول يوم شفت اسم 'مراد شاكر' في طلب الشراكة وأنا قلت لازم أوافق.. أنا عارف إنت بتفكر في إيه، وعارف إني مش غريب عليك." سامر سأله بحدة "يعني إيه؟ جاي تصفي حسابات ولا جاي تشتغل؟" بدأ بلال يتكلم ويشرح النقط اللي جيه عشانها فعلاً في الشغل، بس كان كلامه كله "ألغاز" . _______ في الوقت ده، رزان كانت نزلت للأدوار السفلية، وطلبت مفتاح الأرشيف من الموظف المسؤول اللي أداهولها باستغراب لأن مفيش حد بينزل هناك في الوقت ده. فتحت الباب الحديدي التقيل، وسمعت صوت "تزييق" الباب اللي رد في المكان الفاضي. الأرشيف كان عبارة عن ممرات طويلة، وريحة الورق القديم والتراب كانت مالية المكان. رزان كانت معاها العناوين في ورقة، بس تاهت وسط الرفوف اللي واصلة لحد السقف. "يا ربي.. أنا هبدأ أدور منين في الغابة دي؟" قالتها رزان وهي بتربط شعرها كويس . بدأت تمشي بين الممرات، وتنفض التراب من على الكراتين، وعينيها بتدور بلهفة على ملفات "المشروع التأسيسي". كانت بتدور وهي مش فاهمة ليه مراد طلب الملفات دي بالذات دلوقتي، بس وهي بتقلب في رف قديم، وقع في إيدها ملف لونه أصفر باهت، عليه صورة "بلال" وجنبه تاريخ قديم جداً كان شبه ال cv .. تاريخ يرجع لأيام ما الشركة دي كانت لسه مجرد "حلم". وقفت رزان، والفضول بدأ ياكلها.. "بلال؟ هو بلال ده كان معانا هنا من زمان؟"