انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل الحادي عشر - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

مراد كان بيسوق وهو مش شايف قدامه، القاهرة كلها بقت عبارة عن ضباب وسرعة. كان بيخطف غرز بين العربيات بجنون، وإيده التانية مابتسيبش الموبايل، بيحاول يتصل برزان مرة واتنين وعشرة، بس مفيش فايدة.. الخط مقطوع تماماً. قلبه كان بيدق مع كل رنة فاشلة، وصوت رزان وهي بتواجه طليق بشرى المجنون ده مش مفارق سمعه. وصل قدام المجمع السكني، فرمل العربية بقوة خلت الكاوتش يصرخ على الأسفلت. نزل من العربية وهو بينهج، وجري ناحية المدخل. بدأ يطلع السلالم وهو بياخد "درجتين درجتين" بلهفة، ولسه هيوصل للدور اللي فيه شقة بشرى، اتسمر مكانه. شاف رزان نازلة السلالم، وشها كان فيه شوية توتر وهي بتعدل شنطتها وبتحاول تلملم نفسها. رزان أول ما شافته، اتخضت ووقفت مكانها، عينيها وسعت بدهشة "مستر مراد؟! " وبعدين سألته علا طول "إيه اللي جاب حضرتك هنا؟ إنت مش وراك اجتماع مهم كمان شوية؟" مراد مكنش قادر ينطق، كان واقف قدامها وصدره بيعلو وينزل بسرعة رهيبة، عرق جبينه كان بينزل على وشه، وعينيه كانت بتتحرك في كل حتة في وشها وجسمها، بيفحصها بدقة كأنه بيتأكد إنها لسه "كاملة" ومفيش فيها خدش واحد. رزان استغربت سكوته ونظراته الغريبة دي وقالت "حضرتك ماكنتش واثق فيا ؟ انا جبت الورق اهو !" مراد أخيراً نطق، وصوته كان طالع مبحوح من الخوف "إيه اللي حصل؟ مش نصر طليق بشرى هو اللي دخل؟ عملك حاجة؟ لمسك؟" رزان هزت راسها بالنفي وقالت "لأ والله، أنا كنت لسه هحكي لبشرى أول ما أوصل الشركة.." هي أساساً كانت نسيت كلياً إن مراد كان مع بشرى على التليفون وسامع كل اللي حصل، كانت فاكرة إنها لوحدها. كملت وهي ماسكة الملفات بإيدها بكل قوتها كأنه كنز "هو كان فاكر إن بشرى اللي في البيت، ولما شافني اتصدم زي ما أنا اتصدمت بالظبط." مراد سألها بحدة "طب والموبايل؟ إحنا سمعنا صوت خبط وخشخشة كأنكم بتتخانقوا والمكالمة قطعت!" رزان تنهدت وقالت بأسف "أصله لما سمع صوتكم وصوت بشرى تحديدا في السبيكر، اتجنب وحاول يقفل الموبايل لا إرادياً.. مكنش عايز بشرى تعرف إنه دخل الشقة في غيابها او حتى ازعج ضيفتها عشان ماتاخدش عنه فكرة وحشة أكتر.. هو شرحلي ده وتأسف، بس طبعاً أنا هحكي لبشرى وهي ليها حرية التصرف." مراد سألها بضيق "طب وليه مش بتردي على تليفونك؟" رزان طلعت الموبايل من شنطتها "عشان انكسر يا فندم.. هو ضغط عليه جامد وبما إنه تليفون قديم فـ الشاشة فصلت خالص." بعدها بصتله و هي لسه مش فاهمة ليه المدير ساب الدنيا كلها وجيه جري وراها، ودهشتها زادت لما لقت مراد أسند ضهره على الحيطة بتعب، ورفع إيده يرجع شعره لورا، شعره اللي كان مبلول تماماً من عرق المجهود والخوف. مراد بص لرزان لقاها بتبصله بحيرة، فقرر يسيبها في "نعمة الجهل"؛ مكنش عنده طاقة يشرحلها إن الدنيا اتقلبت في الشركة، ولا عنده طاقة يقولها إنه كان هيموت من الرعب عليها عشان فكر انها تهاجمت بسببه. رزان بصت في ساعتها واتخضت "مستر مراد، الاجتماع! الوقت هيسرقنا، لازم نتحرك فوراً." نزلوا لحد ما وقفت رزان قدام العربيات بضياع "أركب العربية اللي جيت بيها ولا أركب معاه؟" مراد اللي ماكانش شايف أنه في وقت للحيرة دي شاورلها على عربيته وقال بحزم "اركبي هنا بسرعة!" اومات و كانت رايحة ناحية مقعد القيادة، بس هو وقفها "لأ، أنا اللي هسوق.. مش ناقص تعطيل ولا حوادث سير تانية النهاردة." رزان كشرت وبوزت "على فكرة أنا سواقتي مش وحشة خالص، أنا اتعلمت كويس!" مراد مردش عليها، كان مشغول بإنفاسه اللي لسه متهدجتش. قعد ورا الدريكسيون وبدأ يدور بإيده التانية على مناديل في العربية، فرزان بسرعة فتحت "التابلوه" وطلعت علبة مناديل وادتهاله. مراد بص لعينيها للحظة، كانت صافية جداً ، بس بسرعة دور وشه ومسح عرقه، وداس بنزين ورجع بيهم على الشركة بأقصى سرعة. ______ وصلوا الشركة في سباق مع الزمن، والتوتر كان مالي الطرقة المؤدية للمكاتب. أول ما مراد ورزان ظهروا، بشرى خرجت من مكتبها زي المجنونة، ومعاها مروان وسامر اللي وشهم كان باين عليه إن أعصابهم خلاص جابت آخرها. بشرى حطت إيدها على كتاف رزان بلهفة وخوف حقيقي، وعينيها بتدور في وش رزان "رزان! إنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟ نصر عمل فيكي إيه؟" رزان، اللي كانت لسه مش مستوعبة حجم القلق اللي حواليها، ابتسمت بهدوء وطمنتها "والله يا بشرى أنا زي الفل، مفيش أي حاجة حصلت.. الموضوع طلع سوء تفاهم وقصة طويلة هحكيهالك بالتفصيل بس نخلص المهمة اللي ورانا الأول." بشرى اتنفست الصعداء، وأخدت الملفات "الكنز" من رزان، وبدأت تستجمع قوتها وشخصيتها العملية الصارمة عشان تراجع الورق لآخر مرة قبل وصول الضيوف. أما مراد، فسابهم كلهم ودخل مكتبه بعد ما ألقى نظرة أخيرة سريعة على المكان. دخل يظبط نفسه، يمسح عرق جبينه ويعدل هدومه اللي اتبهدلت من الجري والتوتر. مروان دخل وراه، وسامر قفل الباب، ووقف يبصله بنظرة فيها دهاء ومكر، خلت مراد وهو بيعدل ربطة عنقه قدام المراية يوقف إيده ويرفع حاجبه بنظرة " في ايه ؟" سامر كان لسة هيقول لمراد إن قاعة الاجتماعات بقت جاهزة على أكمل وجه، بس وقف مكانه لما شم ريحة "استجواب" في الجو، خصوصاً من نظرات مروان. مروان بدأ يمسح ذقنه بتفكير وسأل بنبرة فيها خبث "إيه اللي حصل يا مراد؟" مراد رد ببرود وهو لسه باصص في المراية "مش فاهم.. إيه اللي حصل في إيه؟" هنا مروان لبس قناع المحقق، وقال وهو بيبتسم ابتسامة صفرا "يعني.. إحنا عارفين إنك طول عمرك جدع وحنين وبتاع واجب مع القريب والغريب، بس إنك تسيب اجتماع مصيري زي ده وتطير بالعربية كأنك داخل سباق فورمولا عشان 'سكرتيرة' عندك.. دي فيها 'إنّ' كبيرة أوي يا صاحبي، ولا إيه؟" مراد فهم اللعبة على طول، سحب كرسيه وقعد بكل ثبات، وأخد رشفة مية باردة ورسم ابتسامة أبرد على شفايفه "طلع اللي في بالك ده من دماغك يا مروان.. مفيش أي قصص من اللي بتألفها دي." مروان لّف لسامر وقال بحيرة مصطنعة "سامر، هو أنا الوحيد اللي حاسس إن في حاجة غريبة هنا؟ ولا أنا اللي خيالي واسع بزيادة؟" مراد رد بحزم وهو بيقفل جاكيت بدلته "لا غريبة ولا قصة.. أنا كنت هعمل كدة مع أي موظف في الشركة دي. البنت راحت تنفذ مهمة تبع الشغل، ولو حصلها حاجة -لا قدر الله- أنا اللي هشيل المسؤولية قانونياً وأدبياً، فقلت أختصر الطريق وألحق الموقف من أوله.. بسيطة." سامر هز راسه وكأنه اقتنع بالمنطق العملي بتاع مراد، أما مروان ففضل يضيق عينيه ويبصله بشك، بس مكنش عنده وقت يناقش أكتر لأن التليفون رن وبشرى أعلنت وصول "السيد بدر". قاموا التلاتة بهيبة، واتجهوا ناحية قاعة الاجتماعات عشان يبدأوا اللحظة اللي تعبوا عشانها سنين.. لحظة الشراكة الرسمية. ______ استقبل مراد ومروان وسامر الوفد بوقار وهيبة، ومن خلفهم وقفت بشرى ورزان. بمجرد ما ظهر السيد بدر وبجانبه المحامي، ووراهم "بلال"، ملامح التلاتة اتخطفت؛ مراد عينه جمدت، وسامر وشه انقبض، أما مروان فكانت ملامحه بتخذله كالعادة وبان عليه التوتر والارتباك. ومع ذلك، مراد تدارك الموقف بسرعة وتبادلوا التحيات الرسمية، وبكل أدب ولباقة عزمهم على غرفة الاجتماعات "اتفضلوا ، نورتوا شركة النواة." دخلوا وقعدوا، ورزان طلعت بسرعة عشان تجهز القهوة. سألت السيد بدر عن ذوقه ورد عليها بابتسامة، وقبل ما تلحق تسأل بلال، بادرها هو بابتسامة خافية وعينيه فيها لمعة غريبة وكأنه بيقولها "أنا لسه فاكرك ومنسيتش"، وقالها ذوقه في القهوة من غير ما تلحق تسأل. رزان أومت براسها من غير كلام وخرجت، ومراد كان قاعد في كرسيه (كرسي المدير التنفيذي) بيتكلم مع بدر، بس الموقف ده ماعداش عليه، وعينه كانت مراقبة كل تفصيلة. رجعت رزان وحطت القهوة قدام كل واحد فيهم، وبلال شكرها بصوت واطي، هي ابتسمت بمجاملة و حست لثواني إن عيون مراد بتخترقها، بس لما بصت ناحيته لقته مندمج في الكلام مع بدر والمحامي. راحت قعدت في مكانها ورا، مستعدة لأي طلب. بدأ الاجتماع بجدية تامة، مراد فتح الملف اللي جابته رزان وبدأ يعرض البنود "زي ما اتفقنا يا سيد بدر، البند الأول بيضمن لشركة 'النواة' الاستقلالية الكاملة في إدارة البرمجيات، والجانب التقني بالكامل تحت إشرافنا." المحامي "تمام يا مستر مراد، وإحنا ضفنا بند بخصوص الدعم اللوجستي اللي هيوفره السيد بدر لضمان سرعة التنفيذ." بدر "أنا واثق في قدراتكم يا شباب، وعارف إن 'النواة' هي المكان الصح للشراكة دي." بدأوا يراجعوا ورقة ورقة، وصوت تقليب الورق والسكوت الممزوج بالتركيز كان سيد الموقف. مراد كان بيناقش كل نقطة بحزم، وسامر ومروان بيأكدوا على التفاصيل التقنية. وفي النهاية، مسك مراد القلم ووقع بجرأة، وبعده السيد بدر. انتهى الاجتماع بتبادل التهاني، مراد كان بيبتسم وهو حاسس بفخر عظيم باللي وصلوا له، وبص لصحابه مروان وسامر اللي الفرحة مكنتش سيعاهم، بس طبعاً وجود بلال "عزول" في النص كان مأثر على صفو اللحظة. بشرى مالت على رزان وهمستلها بامتنان "شكراً يا رزان.. بجد شكراً." رزان بصتلها باستغراب، بس نظرة بشرى كان فيها امتنان حقيقي؛ رزان كانت فاكرة إنها مجرد جابت ورق، بس هي كانت "طوق نجاة" لبشرى في يوم كان ممكن يضيع مجهود سنين. رزان ابتسمت بهدوء، دي كانت أول مرة تحس إن تعبها متقدر وبجد. فجأة، بلال طلع موبايله وعمل اتصال سريع، وبعدها بدقايق دخل بعض الموظفين ومعاهم شنط هدايا فخمة. موظفة الاستقبال دخلت وقالت لمراد "يا فندم، أنا سمحت لهم بالدخول لما عرفت إنهم تبع السيد بدر." مراد أومأ براسه ووقف يراقب اللي بيحصل. بلال أعلن بصوت هادي "إحنا جبنا بعض الهدايا المتواضعة بمناسبة الشراكة الجديدة." مروان وسامر تبادلوا نظرات غريبة، وبلال بدأ يوزع الهدايا؛ مروان أخد هديته وهو مش عايز بس مكنش ينفع يرفض قدام بدر، وسامر أخدها بجمود. لكن المفاجأة إن بلال مد إيده بهدية لرزان بعدما اعطى بشرى بكل أدب. رزان ارتبكت جداً، وبصت لمراد اللي كان واقف بعيد.. خافت تاخد الهدية فيفكر إنها فعلاً "طماعة" زي ما قالها قبل كدة. بلال حس بارتباكها فقال بصوت واطي "دي مجرد شوكولاتة يا آنسة رزان.. تقديراً لمجهودك." بشرى شجعتها وقالتلها تاخدها، فأخدتها رزان وشكرته بكلمة متوترة ، وبصت لمراد لقت عينه في ناحية تانية خالص وكأنه مش شايفها. أول ما الوفد طلع، رزان حاولت تلحق بمراد قبل ما يدخل مكتبه، كانت ماسكة الكيس الفخم اللي جابه بلال. مراد أول ما لمحه، ملامحه اللي كانت باردة أصلاً بانت عليها علامات الامتعاض والضيق. رزان حاولت تفتح معاه كلام "ألف مبروك يا مستر مراد على الصفقة " مراد أومأ براسه بكلمة شكرا مختصرة. رزان حاولت تاخد نفس بتحاول تبرر "بخصوص علبة الشوكولاتة دي.. أنا مكنتش عايزة أكسف بلال بيه قدام السيد بدر ويبقى شكلنا وحش.." مراد قاطعها ببرود و عدم اهتمام وهو بيعدل جاكيت بدلته " دي مجرد شوكولاتة وهدية بروتوكولية ياانسة رزان ، يعني مفيش داعي لكل الشرح ده.. أنا أصلاً ميهمنيش إنتي خدتي إيه ولا من مين." كلمته كانت زي السكينة، بس تعابير وشه وعروق إيده المشدودة كانت بتقول إنه "بيغلي" من جواه. سابها ومشى ناحية مكتبه وقفل الباب وراه. تنهدت رزان بتعب واتأكدت إن صورته عنها مش هتتغير، وإنه لسه شايفها البنت اللي بتجري ورا أي " هدية ". رجعت لمكتبها بخيبة أمل، حطت الكيس على الطاولة بزهق، وطلعت موبايلها المكسور تقلبه بضيق.. وقالت في سرها "أدي مصاريف جديدة هتتضاف للي عليا.." _____ الساعة دقت خمسة، والشركة بدأت تهدأ والأنوار تخف تدريجيًا. مراد خرج من مكتبه، أول حاجة عملها —كالعادة ومن غير ما يحس— بص ناحية مكتب رزان. لقى المكتب فارغ، والكرسي مركون، وحتى كيس الشوكولاتة الفخم اللي كان لسه "حارق دمه" من شوية مكنش موجود. دار في دماغه ألف سؤال "هي لحقت مشيت؟ وبسرعة كدة أخدت الشوكولاتة معاها؟ للدرجة دي كانت فرحانة بهدية بلال؟" غصة غريبة وقفت في حلقه، وراح ناحية مكتب بشرى اللي كانت بتلملم حاجتها بابتسامة راضية بعد يوم الإنجاز ده. سألها بنبرة حاول يخليها عادية "بشرى.. هي المساعدة بتاعتك راحت فين؟" بشرى رفعت راسها، وبصت لمراد بابتسامة فيها "خبث طيب" وقالت بمغزى "رزان؟ دي بتوزع يا مستر مراد.." مراد عقد حواجبه ومش فهم "بتوزع إيه؟" ____ مراد نزل وراها، ووقف في زاوية بعيدة، بعيد عن الأنظار، وقرر يراقب. وقف، إيده في جيوبه، وعينيه اتعلقت عليها. شاف رزان وهي بتتحرك بين المكاتب زي النسمة. عينيها كانت واسعة وبتبرق بلمعة دافية أوي، لمعة تشبه لون الشوكولاتة اللي في إيديها. خدودها كانت موردة طبيعي، مش من الخجل، دي كانت سعادة صافية طالعة من قلبها لأنها حست أخيرًا إنها مقبولة وسط الناس دي. كانت بتتحرك برقة مفرطة، تميل راسها شوية وهي بتبتسم لكل موظف، ابتسامة هادية بتقول "أنا مرتاحة هنا فعلاً." مراد شافها وهي واقفة عند مكتب الاستقبال، فتحت الكيس بهدوء ومدت إيدها وقالت بصوت رقيق وصل لمسامعه "اتفضلوا.. دي شوكولاتة بسيطة " مظنش مراد إنها هتديهم أي كلام؛ كانت بتحط القطعة جنب الكيبورد، أو تسلمها بإيدها وهي بتبص في عين الشخص بتقدير. نظرات مراد لانت غصب عنه، بقى ماشي ورا كل حركة بتعملها بعينيه.. وهي بتضحك، وهي بتمد إيدها، وهي بتتحرك بخفة. كل ما كان موظف يقرب منها بزيادة أو يضحك معاها، مراد كان بيضغط على إيده من غير ما يحس، والغيرة المكتومة بدأت تنهش فيه. بس لما شافها ضحكت ضحكتها القوية لدرجة إن أنفها انكمش وظهرت غمازة خفيفة في خدها، بلع ريقه بصعوبة ونزل عينيه للأرض لثانية.. المشهد وجعه، فكره بذكريات قديمة كانت هي بتوزع فيها الضحك والسعادة عليه هو وبس. رزان كملت طريقها لحد ما وصلت لباب الشركة، وراحت لـ "عم جابر" حارس الأمن، ورجال الأمن اللي واقفين بجمودهم المعتاد. مراد شافهم وهم بيبتسموا بخجل أول ما مدت إيدها ليهم بالشوكولاتة، وكأن رقتها كسرت الجليد اللي في قلوبهم. واحد من الموظفين قالها وهو بيضحك "واضح إنك حبيتي المكان بسرعة يا أستاذة.. ربنا يخلي أيامك هنا كلها حلوة." موظفة تانية قالتلها بامتنان "تسلم إيدك يا قمر.. دي لفتة ذوق جدًا منك." رزان مكنتش دارية بكل الصراعات اللي في قلب مراد، مكنتش شايفة الراجل اللي واقف في الزاوية بيقنع نفسه إنه لازم يكتفي بالمشاهدة وبس. كانت عايشة اللحظة، حاسة إنها لأول مرة من سنين بتتنفس هواء نضيف، وبتعمل حاجة تخلي الناس تحبها بعيدًا عن أي مصلحة. مراد فضل باصص لها نظرة ثابتة، أطول من الطبيعي، وحس بوجع وحنين وخوف.. خوف من إنه لسه بيحبها بكل الضعف ده. كان نفسه في اللحظة دي يطلع من زاويته ويقولها "صباح الخير" أو "مساء الخير" بصوت دافي، بس كبريائه لسه مكتفه مكانه. _____ مراد حاول يلحق نفسه ويلم ملامحه بسرعة أول ما رزان لمحته، رجع القناع الجليدي لوشه وكأن مفيش أي حاجة حصلت. ركبت معاه المصعد، والصمت كان تقيل أوي، يادوب بيقطعه صوت أنفاسهم، لحد ما ركب معاهم موظف تاني فضل يبارك لمراد بحرارة واحترام على الشراكة الجديدة، ومراد رد عليه بكل ادب. أول ما نزلوا من المصعد، رزان كانت رايحة ناحية مكتبها عشان تلم حاجتها وتمشي، بس صوت مراد وقفها "تعالي ورايا على المكتب." رزان حست إن ركبها سابت. . "يا امري! أكيد هيوبخني على اللي عملته.. أكيد شافني بوزع الشوكولاتة وافتكر إني بوزعها عشان أغيظه أو أعمل بروباجندا لنفسي.. وطبعاً مكنش يقدر يتكلم قدام الموظف." كانت ماشية وراه ومطأطأة راسها وكأنها رايحة لحبل المشنقة. دخلت المكتب وكانت ناوية تسيب الباب مفتوح وراها، بتفكير بريء منها قالت "لو زعق فيا ولا حاجة، حد يسمعه فينقذني!" بس مراد قطع تفكيرها وهو بيقعد على كرسي مكتبه الفخم، وحط رجل على رجل، وعقد صوابعه بجمود وقال "اقفلي الباب وراكي " بصت للباب بنظرة يأس، وقفلت الباب وهي بتستغفر في سرها، ووقفت قدامه مستنية العاصفة. بس المرة دي قررت إنها مش هتسكت وتسمعه بيعدد أخطاءها، هي هتعترف وتخلص "أنا عارفة حضرتك هتقول إيه.. أنا بس كنت بوزع الشوكولاتة عشان.." قاطعها مراد وهو رافع حاجبه باستغراب "ومين قال إني جبتك عشان الشوكولاتة؟ دي هديتك وإنتي حرة تعملي فيها اللي إنتي عايزاه." رزان بربشت بعينيها بدهشة "طيب؟ أومال حضرتك عايزني في إيه؟" وفجأة عقلها بدأ يشتغل ويسرح "يا ترى عرف إني دلقت القهوة على المكتب امبارح ومسحتها بسرعة؟ ولا شافني لما خرمشت شنطته الجلد بضوافري لما نرفزني؟ ولا.." بدأت تتكلم مع نفسها بصوت عالي وهي بتعدد "مصايبها" اللي مراد أصلاً مكنش يعرف عنها حاجة. مراد رفع حاجبه التاني بذهول وهو بيسمع الاعترافات دي، وتنهد بضيق ووقفها قبل ما تقول حاجة تالتة "بس بس! إيه كل ده؟" مد إيده ودفع علبة فخمة ناحيتها على المكتب. رزان بصت للعلبة بحيرة، لقتها علبة موبايل جديد تماماً، ومن أحدث وأغلى الطرازات الموجودة في السوق. عقدت حواجبها وقالت "إيه ده؟" مراد رد ببرود "ده بديل للموبايل اللي انكسر وإنتي في مهمة تبع الشغل.. حقك." رزان شاورت على الموبايل بصدمة "ده؟ ده بديل لموبايلي القديم الغلبان؟" مراد أومأ براسه بمنتهى الهدوء. رزان رفضت فوراً "لأ طبعاً يا فندم، مش هينفع.. أنا كنت هاخد موبايلي يتصلح وهيبقى زي الفل." مراد رد بمنطقية "موبايلك كان شاشة وتاتش وقديم، تصليحه أغلى من تمنه.. ده غير لو تصلح أصلا . والشركة مسؤولة عن تعويضك." رزان أصرت على الرفض، هي مش عايزاه يشوفها "طماعة" ولا تأكد كلام رنيم إنها جاية تستغله بعدما عرفت بثرائه "شكراً يا فندم، بس أنا هتدبر أمري، مش هقدر أقبل ده." مراد كشر بضيق وغيرة بدأت تظهر في صوته "يعني بتاخدي هدايا وشوكولاتة من الاستاذ بلال عادي، ولما يجي الموضوع عندي بتعملي فيها عزيزة النفس؟ وبعدين ده مش هدية، ده تعويض شغل!" رزان اتنهدت بقهر لأنه دايماً بيفهمها غلط "يا فندم الموبايل ده غالي جداً، وأنا موبايلي كان بسيط.." مراد قاطعها "طيب لو أنا عوزتك في شغل، أو بشرى احتاجتلك، هنفضل نستنى لما الموبايل يتصلح؟" رزان أدركت إنه معاه حق في حتة الشغل، بس كرامتها كانت بتوجعها، فقالت بقرار مفاجئ "تمام.. أنا هاخده، بس بشرط.. حضرتك تخصم تمنه من مرتب الشهر ده والشهر اللي بعده، أنا معرفش تمنه كام بس اتفضل اخصمه." مراد بصلها نظرة طويلة، نظرة فيها عتاب مكسور على إصرارها إنها تتعامل معاه كأنه "بنك" مش حد كان في يوم أقرب ليها من نفسها. رزان أخدت العلبة بصعوبة وخرجت من المكتب وهي مش فاهمة هو لحق يطلبه إمتى؟ أما مراد، ففضل باصص لمكانها بعد ما خرجت وهو مش مصدق إنها فاكرة إنه ممكن ياخد منها تمن موبايل. الحقيقة إنه قبل ما يدخل الاجتماع مع السيد بدر، كان اتصل بواحد من معارفه وبأمر قاطع قاله يبعتله أفضل موبايل نزل السوق حالاً.. رزان قعدت على مكتبها، وقلبها بيدق بسرعة وهي بتبص للعلبة اللي قدامها وكأنها صندوق أسرار. بدأت تفتحها بحذر شديد، بلمسات رقيقة أوي، وطلعت الموبايل من مكانه ببطء وكأنها بتطلع "رصاصة من جسد".. خايفة تلمسه، خايفة يقع، أو خايفة تكتشف إنه حلم وهتصحى منه. أول ما الموبايل بقى في إيدها، لمعته خطفت عينها. كان حلو وراقي جداً، ملمسه ناعم وشاشته زي المراية. غصب عنها، فرحة طفولية نورت وشها، فرحة حاولت تكتمها بس مقدرتش. بدأت تقلبه في إيدها بذهول، وهي بتفتكر موبايلها القديم اللي كانت الشاشة بتاعته "منغشة" والصوت فيه بيقطع. في خيالها، بدأت ترسم أحلامها مع الجهاز ده: "يا نهار أبيض.. ده أنا هصور بيه صور ملوش حل، ده أنا وشي هيطلع منور في السيلفي! والأغاني.. ده أنا هحمل عليه كل اللي نفسي فيه واسمعهم بصوت نقي بجد." الهاتف ده كان بالنسبة لرزان حاجة "خرافية"، حاجة عمرها ما جرأت حتى إنها تحلم بامتلاكها في يوم من الأيام بسبب ظروفها. غصب عنها، ضحكة صافية طلعت من قلبها وهي بتجرب تاتش الشاشة السلس، وبعدين تفتكر هي فين، فتكتم الضحكة وتكشر وترسم الجدية، بس ثواني وترجع تضحك تاني وهي مش مصدقة إن الجهاز ده بقى ملكها. كانت عاملة زي الطفلة اللي جالها لعبة العيد اللي كانت بتتمناها. في اللحظة دي، مراد كان واقف مواري الباب.. الباب اللي سابته رزان موارب وهي خارجة. كان واقف، عاقد إيديه لورا، ومسند كتفه على الحيطة في صمت تام. عينيه كانت مثبتة عليها، بيراقب كل حركة، كل ضحكة مكتومة، وكل نظرة انبهار طالعة من عينيها. ومكتفي بإنه يكون "المجهول" اللي جبر خاطرها النهاردة، حتى لو هي فاكرة إنه بيعمل كدة لمجرد "تعويض شغل". ______ رزان غادرت الشركة مع شوية من زميلاتها وهي لسه شايلة الفرحة في قلبها بالموبايل الجديد، ومراد فضل قاعد في مكتبه يخلص باقي الشغل المتراكم لحد ما الساعة جت تسعة بالليل. في اللحظة دي، مراد كان خلاص جاب آخره من التعب، بس أول ما فتح موبايله وشاف رسالة أخته "رنيم" وهي بتقوله إنها عملت صينية المكرونة بالبشاميل اللي بيحبها وبتحلف عليه يرجع بدري وإلا هتخاصمه، ملامحه لانت وابتسم غصب عنه ورد عليها: "خلاص يا ستي، أنا جاي حالا." جمع حاجته في الشنطة، ولبس جاكيت بدلته، وخرج من باب الشركة والهدوء مسيطر على المكان تماماً. وصل لعربيته ولسه بيمد إيده عشان يضغط على مفتاح "الريموت" ويفتحها، فجأة جاه صوت راجل من وراه بينادي عليه بهدوء مريب "مستر مراد.." مراد لف ببطء، في الأول مكنش شايف ملامحه كويس بسبب الظلمة اللي حوالين المكان، لكن الراجل بدأ يقرب منه، ومع كل خطوة كان بيبان أكتر تحت نور كشاف الشركة. كان راجل لابس أسود في أسود، شعره طويل ومنكوش وذقنه مهملة وحالته تصعب على الكافر، وشه كان شاحب جداً ومطفي، مكنش منور وشه ده غير ابتسامة باردة وصفراء.. ابتسامة غريبة، واضح جداً إنها مش ابتسامة حد جاي يسلم أو يبارك وخلاص. الراجل ده كان "مهدي"، خال رزان.