الفصل الاول ... قبل أن تتبدل الوجوه
نور، في الثامنة عشرة من عمرها،
فتاة خُلقت بروحٍ هادئة، تميل إلى الصمت أكثر من الضجيج، وتؤمن أن بعض القلوب لا تحتاج أن تتكلم كي تُفهم.
كانت ترى العالم بسيطًا… أو هكذا كانت تظن.
أحمد كان استثناءها الوحيد.
تلجأ إليه في كل شيء، تحكي له ما تعجز عن قوله للآخرين، وتطمئن حين تسمع صوته.
لم يخطر في بالها يومًا أن أقرب الأشخاص…
قد يكون أكثرهم قدرة على كسرها.
استيقظت نور عند الساعة السادسة تمامًا.
جلست على سريرها للحظات، تحدّق في الفراغ، ثم نهضت بتثاقل.
غسلت وجهها، نظرت إلى انعكاسها في المرآة، وابتسمت ابتسامة صغيرة لا يعرف أحد كم تُخفي خلفها.
ارتدت ملابس المدرسة، رتّبت حقيبتها بعناية، ثم نزلت إلى المطبخ.
كانت والدتها سميرة تقف أمام الموقد، تحضّر الفطور كعادتها كل صباح،
نور بصوت ناعم:
— صباحوو.
سميرة بابتسامة حنونة:
— هلا ماما، صباح الخير… تعالي افطري قبل لا تبرد.
جلست نور، وأخذت ترتشف كوب الشاي ببطء،
تحب هذه اللحظات البسيطة، تشعرها بالأمان.
دخلت لمى، أختها الصغرى، بخطوات سريعة،
عينها معلقة بهاتفها، وأصابعها تتحرك بسرعة.
ـ لمى دون أن ترفع رأسها: صباح.
ردت نور بهدوء، بينما كانت تراقبها بصمت.
كانت لمى مختلفة تمامًا عنها…
جريئة، اجتماعية، وتعرف كيف تخفي مشاعرها خلف الضحكات.
أنهت نور فطورها،
وقبل أن تهمّ بالمغادرة، أخرجت هاتفها بلهفة صغيرة.
فتحت محادثة أحمد…
آخر رسالة كانت منها.
مرّت ثوانٍ طويلة.
لا رد.
شعرت بشيء غريب يضغط على صدرها،
حاولت تجاهله، وأقنعت نفسها أن لا سبب للقلق.
خرجت من المنزل،
والهواء البارد يلفّها،
الشمس لم تشرق بعد بالكامل،
وكأنها هي الأخرى مترددة في الظهور.
كانت خطوات نور هادئة،
لكن قلبها لم يكن كذلك.
لم تكن تعلم أن هذا الصباح العادي،
وهذا الصمت الصغير من أحمد،
كانا بداية انهيار عالمٍ كامل.
لأن هناك أسرارًا،
تُخفى خلف الابتسامات،
وحين تظهر…
يتبع…