الفصل التاسع
وصلوا أخيراً للمكان اللي هيتم فيه اللقاء.
مراد نزل من العربية الأول من غير ما يستناها، ماسك شنطته وماشي بخطوات واثقة وسريعة بتسبق الزمن.
رزان سارت وراه، أو بالأحرى جريت، بعد ما اتأكدت إنها قفلت العربية تمام؛ كانت بتبرطم في سرها بضيق
"ده حتى مكلّفش خاطره يستناني ثانية، وأنا اللي خاطرت وسقت في الزحمة دي عشان يلحق اجتماعه!"
المبنى مكنش ضخم زي برج "النواة"، لكنه كان أنيق جداً وحديث، أقل صخباً وأكثر هيبة. واجهة زجاجية شفافة بتطل على جنينة صغيرة، واسم الشركة مكتوب بخط معدني بسيط وراقي.
عند الدخول، استقبلهم هدوء تام وموسيقى خفيفة جداً، ولوحات على الجدار بتعرض أهم إنجازات المطوّر وصور قديمة لمشاريعه العالمية.
لم يكن المبنى صاخباً مثل النواة المتقدمة، لكنه كان أكثر عمقاً… ككتاب قديم مليء بالمعرفة.
دخلوا غرفة اللقاء، غرفة مجلس إدارة صغيرة لكنها فاخرة، بطاولة مستديرة من الخشب الداكن، ونوافذ بتطل على الجنينة، وإضاءة دافئة. استقبلتهم الموظفة وبلغتهم إن السيد "بدر العوايلي" — الراجل اللي اشتهر بإنجازاته برا مصر ورجع عمل فرعه الخاص هنا — بيطلب خمس دقايق بس يخلص مكالمة وراجع.
رزان استغلت الخمس دقايق وطلبت من مراد تروح الحمام بسرعة، وهو وافق، لكنه افتكر إنها "توه" ومش هتعرف ترجع، ولسه هيتكلم كانت هي اختفت.
رزان فضلت تدور وتلف في الطرقة، وفجأة اصطدمت بواحد طويل، شعره بني ومتسرح بدقة، لابس بدلة بني غامق ونضارة طبية شيك. رجعت لورا واعتذرت بتوتر، وهو سألها بهدوء
"إنتي كويسة؟"
رزان أومت، وهو عقد حواجبه وسألها
"أنا عمر ما شفتك هنا قبل كدة.. إنتي شغالة هنا؟"
نفت رزان بسرعة، وافتكرت إن مراد هيبهدلها لو اتأخرت، فسألته بلهفة عن حمام النساء. استغرب سرعتها بس شاورلها عليه، واختفت هي بسرعة، بينما فضل هو يبص لضهرها باستغراب قبل ما يروح الناحية التانية.
لما طلعت، بدأت تدور على الأوضة أو الموظفة، ولعنت نفسها على "خيبتها" في الاتجاهات. ولسه هتتصل بمراد، سمعت صوته بينادي: "رزان!"
لأول مرة من سنين، نطق اسمها.. للحظة رجعت لورا لما كان بينادي عليها بابتسامته زمان، لكن المرة دي، مكنش مبتسم ولا حتى زعلان، كان بس عايز يعرف هي فين. قربت منه واعتذرت، وكملوا للأوضة.
أول ما دخلوا ...
مراد اعتدل فوراً، وكمان رزان اللي وقفت وراه بوقار. دخل بدر العوايلي، وبدأ يرحب بلهجته المصرية اللي متداخلة بلكنة بريطانية، ومراد رد بردود موزونة وراقية.
وقعدوا، وفجأة دق الباب، ودخل نفس الرجل اللي رزان قابلته عند الحمام!
رزان، لأنها كانت ورا مراد، مشافتش تعبيرات وشه اللي "تجهمت" مرة واحدة، لكن عينيه كانت بتنطق بشيء مختلف، وكأنه يعرف الرجل ده كويس أوي.
بدر وقف وقال
"أحب أعرفكم بـ 'بلال'.. إيدي اليمين، وعقلي المدبر في كل الخوارزميات اللي بنطلعها."
بلال سلم على مراد بابتسامة هادية
"أهلاً مستر مراد.. النواة المتقدمة غنية عن التعريف."
وبعدين بص لرزان، وتذكرها فوراً، ومد إيده يصافحها "مكنتش متوقع أشوفك هنا.. صدفة سعيدة."
رزان ردت بابتسامة عفوية ، وصافحته في حين إن نظرة مراد "المطولة" لإيد رزان وهي في إيد بلال كانت كفيلة تخلي الجو يتكهرب، وبعدين رفع حاجبه ببرود.
وقعدوا الأربعة، ومراد خد نفس عميق وبدأ يتكلم.
بدر قاله بإعجاب
"أنا تابعت اللي عملته في 'النواة' السنوات اللي فاتت يا مراد.. و إنك تبني كيان كدة من العدم، دي معجزة تقنية."
مراد شكره بامتنان حقيقي، لأن الكلام ده من بدر كان حلم حياته.
لكنه مستاناش رزان تديله الملفات، سحبها بنفسه بدون مايبصلها وبدأ يعرض رؤيته على الشاشة بحرفية .
خلت رزان تنبهر؛ وكأنها نست كل الخلافات وحست بفخر عظيم بمراد اللي وصل لمرحلة "العبقرية" دي.
مراد
"مستر بدر.. أنا مش جاي أعرض 'أبلكيشن' ولا برنامج حماية.. أنا جاي أعرض 'Project Aegis'. إحنا عايزين نبني منظومة ذكاء اصطناعي وطنية شاملة. نظام يربط المرور بالمستشفيات، بالكهرباء والمطار، وحتى الكاميرات والطوارئ. نظام يقدر يتنبأ بالأزمة قبل ما تحصل ويصد الهجمات السيبرانية في أجزاء من الثانية."
بدر
"رؤية طموحة جداً.. بس دي محتاجة خوارزميات 'أمن قومي' مش مجرد أكواد برمجية."
مراد
"وعشان كدة أنا هنا. أنا عندي التمويل، البنية التحتية، وعقود حكومية جاهزة، وفريق مهندسين جبار.. بس 'القلب' بتاع السيستم ده، الخوارزمية المستحيلة اللي بتشتغل بسرعة البرق، دي مش موجودة غير عند حضرتك."
بلال بتعليق ذكي وهو حاطط رجل على رجل
"بس يا مستر مراد، لو السيستم ده حصله 'انهيار داخلي' أو خطأ في خوارزمية واحدة، المدينة بالكامل هتقف.. إزاي هتضمن إن 'الدرع' ميبقاش هو الخطر؟"
رزان بصت علا طول لمراد بقلق، لكن مراد رد بثبات
"الخطر الحقيقي هو إننا نفضل مكشوفين. الـ Aegis مبني على نظام 'اللامركزية'، يعني مفيش نقطة ضعف واحدة تقدر توقعه.. وبالخوارزميات اللي مستر بدر طورها، النظام هيتعلم من أخطاءه قبل ما تحصل."
بدر ابتسم وقال لمراد بعدما ماانتهى عرضه
"إنت من الشباب القليلين اللي لسه عندهم شغف يغيروا الواقع مش بس يجمعوا فلوس.. أنا متوقعلك مستقبل كبير يا مراد."
رزان كانت بتلعب بصوابعها تحت الطاولة بتوتر، مستنية الحكم النهائي.
وبعدها بدر وقف ومد إيده لمراد
"أنا موافق يا استاذ مراد.. خلينا نبني 'درع المدن الذكية' سوا."
مراد وقف بسرعة وبادله المصافحة، ورغم "جموده"، السعادة كانت بتلمع في عينيه كأنه رجع مراهق بيحقق حلمه. بلال تقدم وهناه وهمس له بكلمة مراد بس اللي سمعها
"مبروك.. يا صاحبي."
مراد اتجمد مكانه، والكلمة هزت كيانه.
بلال سحب إيده وكان هيصافح رزان، لكن مراد بسرعة البرق حط الشنطة والملفات في إيد رزان الاثنين، فبقت "مكتوفة الأيدي" ومش قادرة تسلم.
بلال ضحك بخفة وسحب إيده وقال
"أكيد هنتقابل كتير.. يا آنسة ..."
رزان ردت بابتسامة مجاملة
" رزان. ..اسمي رزان ...تعاون سعيد "
_____
طلعوا برا، وأول ما بقوا لوحدهم، مراد سحب منها الشنطة بسرعة . رزان مااهتمتش ...
كانت بتبصله بابتسامة سعيدة وحقيقية، فخورة بنجاحه، ولسه هتنطق تهنيه بانجازه ، كسرها بكلامه القاسي
"يا ريت يا آنسة رزان متخلطيش بين الشغل وبين 'صيدك الشخصي' "
بصتله بحيرة وبعدم فهم فوضح قصده كويس ، وكأنه مش مهتم بوشها اللي بيشحب مع كل كلمة بيقولها
".. أنا عارف إنك بتجري ورا الفلوس، وعارف إن عينك زايغة على اللي عندهم أكتر، بس يا ريت تحافظي على كرامة الشركة ومتحاوليش تطمعي في مستر بدر أو حتى بلال.. مش كل الناس بتنخدع بسهولة بالوش البريء ده.. بلاش تخربي بيوت الناس بطمعك."
رزان فهمت فوراً إنه بيقصد إنها "طماعة" وبتحاول "تشقط" بدر أو بلال زي ما سابته هو زمان عشان حد أغنى .
بلعت ريقها وحبست دموعها بالعافية، وهو سابها ومشي بخطوات سريعة كأنه بيهرب ...
وساب قلبها بينزف في عز لحظة انتصاره...
ونجاحه اللي كانت فرحانة بيه بقى طعمه "مر"....
______
كانت رزان واقفة في مكانها، مجمّدة، وكلام مراد بيرن في ودنها زي صدى صوت مرعب. الكلام المرة دي كان أقسى من أي حاجة سمعتها في حياتها، حتى أقسى من كلامه في اليوم اللي سابته فيه.. وجعها بجد لأنه ضرب في شرفها وماضيها بطريقة غلط خالص، هي أصلاً مفكرتش في بلال ولا بدر ولا شافتهم غير مجرد "شغل"، وهو صورها كأنها صيادة فرص مستنية أي حد غني تترمي عليه.
للحظة، كان نفسها تهرب، تسيب كل حاجة وترجع بيتها تستخبى تحت اللحاف وتختفي.. بس مكنش ينفع. حاولت تجمع شتات نفسها، وبدأت تحرك إيديها حوالين عينيها اللي احمرت وبقت زي الجمر من كتر ما هي حبسة الدموع
كانت بتطرد أي دمعة، بتحاول تسترجع "الوش الخشبي" عشان ترجع مديرها اللي لسه فايز بأهم شراكة في تاريخ شركته.
فتحت باب العربية وركبت، وأول ما دخلت، الهالة في العربية اتغيرت تماماً.. صمت قاتل. مراد كان ساند راسه لورا ومغمض عينيه، وكأنه أخيراً ارتاح من حمل تقيل كان شايله، بس هل هو فعلاً ارتاح؟
وهي بتركب حزام الأمان، فتح عينه فجأة وبصلها في المراية، كان بيدرس تعابير وشها بدقة، عايز يشوف لو كانت عيطت بعد كلامه السّم ده.. كان عارف إنه داس عليها جامد، بس في نظره هي اللي بدأت وهي اللي خانت زمان.
رزان رفعت عينها لكن هو كان سبق ورجع لوضعيته .
تنهدت تنهيدة خفيفة ، ودورت العربية وطلعت.
وصلوا الشركة، مراد فتح الباب ونزل، ورزان كمان نزلت والمرة دي هي اللي نادت عليه
"مستر مراد!"
لف وبصلها، وكان باين في عينه إنه متوقع منها رد فعل، أو تعليق، أو خناقة على اللي قاله قبل شوية.. لكنها مدت إيدها في صمت ورجعتله مفتاح العربية، ودخلوا الشركة سوا.
لكن أول ما دخلوا، كل الأنوار كانت مطفية للحظة، وفجأة..
"طاخ!"
مفرقعات وورق ملون ملأ الجو، وشرائط وقعت على كتاف مراد اللي رمش بعينه بذهول، في حين إن رزان انتفضت مكانها مش فاهمة في إيه.
لحد ما ظهر مروان وهو شايل مفرقعات تانية وبيضحك، وسامر ماسك بالونات كبيرة، ومن وراهم ظهرت رنيم وهي شايلة "تورتة" شيك جداً مكتوب عليها بالكريمة: "Congratulations".
مراد وقف مكانه مش فاهم حاجة، ومروان جرى عليه بلهفة
"ها؟ انطق يا وحش! عملت إيه؟ بدر قال إيه؟"
كل الموظفين وقفوا ومستنيين الرد.. مراد بص حواليه، ورسم ابتسامة هادية وأعلنها
"بدر العوايلي بقى شريكنا رسمياً."
الدنيا اتقلبت! مروان حاول يضرب مفرقعة تانية بس علقت منه، فراح راميها في الأرض وحضن مراد بكل قوته، وسامر كمان هجم عليهم وحضنهم، والتصفيق والزغاريد ملت المكان. مراد كان بيضحك وسطهم، بس التفت لرنيم اللي كانت عينها بتلمع من الفخر وهي ماسكة الكيكة وقالها "طب افرضوا رنيم كان رفض.. كنتوا هتعملوا إيه بكل ده؟"
مروان رد وهو بيضحك وبيمسح دموعه
"يا عم إحنا عاملين حسابنا! "
مراد استغرب
" حسابكم ؟"
فسامر اللي كان فرحان وضح
" مروان جاب تورتة تانية احتياطي في المطبخ مكتوب عليها 'فرصة سعيدة والجاية أحلى'!"
ضحكة مراد طلعت من قلبه وهو مش مصدق صحابه، وقرب من رنيم وباس راسها بحنان كبير، وهي كانت بتبصله كأنه بطلها الخارق.
وبعدها طلبت من "التلاتة الكبار" يقربوا ينفخوا الشمع.. التلاتة اللي بدأوا من الصفر وشقوا الصخر عشان يوصلوا لليوم ده. لكن مراد طلب منها تنفخ معاهم، ونفخوا كلهم وسط تشجيع وفرحة هستيرية من الكل.
في وسط كل الزيطة دي، كانت رزان واقفة "ورا".. بعيد خالص.. بتراقب بس.
الغصة اللي بدأت تتكون في قلبها من أول يوم شغل النهاردة كبرت وبقت زي الصخرة، سدّت نفسها عن الكلام وعن النفس. كانت شايفاه وهو بيضحك من قلبه، مش كمدير، كإنسان حصل على كل حاجة: حب الموظفين، دعم أخته، وفاء صحابه.
هي محسدتوش، هي بس كانت مقهورة.. ليه هو حنين مع الكل كدة؟ حنين حتى مع عم جابر بتاع الأمن، وحنين مع بشرى لدرجة إنه وظف لها مساعدة عشان مترهقش نفسها، وحنين مع رنيم وصحابه.. بس معاها هي بيبقى عبارة عن كتلة تلج وسم؟ ليه مبيعرفش يكون لطيف معاها ولو "فنتوفة"؟
بدأت تمشي وتبعد عنهم بخطوات تايهة، والأسئلة بتنهش في دماغها
"أنا غلطت.. عارفة إني غلطت.. بس أنا مش الوحيدة اللي غلطت في الدنيا دي! أنا إنسانة يا مراد.. إنسانة!"
وهي ماشية ومن كتر ما دموعها كانت مغمية عينيها، مخدتش بالها من السلم الصغير، واتكعبلت ووقعت على ركبتها. قعدت في الأرض، رفعت بنطلونها ببطء لقت ركبتها احمرت جامد من الخبطة.
بصت للحمرة دي، وفجأة.. انفتحت ماسورة دموع مابتخلصش.
انفجرت في العياط بـ "شهقات" مكتومة، وكأنها أخيراً لقت "سبب مقنع" تعيط عشانه.. بكت على ركبتها اللي بتوجعها، بس هي في الحقيقة كانت بتبكي على قلبها اللي مراد داس عليه بمية جزمة النهاردة.
قعدت في ركن ضلمة في الطرقة، ساندة راسها على الحيطة ومنهارة، وصوت ضحك مراد وصحابه لسه واصل لودنها من بعيد.. ضحكهم كان بيزيد وجعها، كأنهم في عالم وهي في عالم تاني خالص ملوش ملامح.
____
وسط كل الانهيار ده، والشهقات اللي كانت بتطلع من روحها قبل صدرها، سمعت صوت كان آخر صوت تتوقع تسمعه في اللحظة دي.. صوت رخيم وهادي سألها
"إنتي قاعدة كدة ليه؟"
رفعت راسها ببطء، وعينيها مغشية بالدموع، لقت مراد واقف وراها . مراد اللي ساب احتفاله، وساب صحابه، وجيه يدور عليها. رزان مكنش عندها طاقة تفكر هو جيه ليه، هي كانت مشغولة بالبكا وبس.
مراد كان واقف وراها، بس لما شافها قاعدة في الأرض ورافعة بنطلونها لحد ركبتها المحمرة من الوقعة، لّف ووقف قدامها. ملامح وشه "اتخطفت" لثانية، ونزل على ركبتُه في مستواها، ومد إيده عشان يساعدها تقوم.. بس رزان مشدتش على إيده، بالعكس، فضلت تبكي بحرقة أكتر.
مراد استغرب، وعقد حواجبه وقال بنبرة فيها لوم خفيف "إيه يا رزان؟ إنتي كبرتي خلاص.. لسه بتبكي كدة عشان وقعة بسيطة؟"
كل ما كان بيتكلم، كانت هي بتزيد في البكا، لحد ما فجأة انفجرت وزعقت فيه بقهره
"أيوة ابكي! ركبتي بتوجعني.. بتوجعني أوي وعايزة أعيط! سيبني أعيط براحتي.. ولا حتى العياط ممنوع في قواميس شركتك؟"
سكت وفضل باصص لوشها المخطوف.. مناخيرها اللي احمرت من كتر البكا، عينيها اللي بلمعتها بقت زي الكريستال، وصدرها اللي بيعلو وينزل بسرعة من الشهقات.
قرب وشه منها أكتر، وبص لركبتها ورجع بص في عينها وقال بشك
"كل البكي ده عشان ركبتك اتخبطت؟ مش مقتنع.. الوقعة توجع آه، بس مش لدرجة المناحة دي كلها.. ولا إنتي بتبكي من الكلام اللي قلتهولك في العربية؟"
رزان مكنتش مدياه أي اهتمام، كانت بتبص حواليها بضياع والدموع لسه بتنزل. في اللحظة دي رن موبايل مراد، أخرجه بسرعة لقاها بشرى.. رد عليها وسمع فرحتها بنجاح
الشراكة، وقفل معاها وبص لرزان تاني بحزم مصطنع
"قومي يا رزان.. مش هتفضلي قاعدة في الطرقة كدة، الناس هتقول إيه؟"
لفت رزان وشها الناحية تانية برفض طفولي وقاطع.. تنهد مراد وهو مش عارف يتصرف معاها إزاي، لحد ما بصتله بعد لحظات بعينيها الغرقانة وسألته بشفايف بترجف
"إنت بتكرهني جداً.. مش كدة يا مراد؟"
مراد ملامحه اتجمدت، وعينه لمعت بوجع قديم حاول يداريه. رزان في اللحظة دي نسيت إنه مديرها، نسيت إنه "مستر مراد"، ورجعت تخاطب "مراد حبيبها".. مراد اللي كانت بترمى في حضنه زمان. قالت بصوت مهزوز
"أنا مكنتش متوقعة إنك تخليني أشتغل هنا.. بس إنت عملت كدة، وفهمت إنك بتعمل كدة عشان تنتقم مني.. فهمت إنك مش طايقني وبتتسلط عليا في الشغل، وبتعلق على كل صغيرة وكبيرة بعملها عشان تذلني.. وفهمت كل ده وقبلته.. بس بجد ماينفعش؟ ماينفعش تكون حنين شوية؟ بلاش حنين.. عاملني زي أي غريبة بس ماتأذينيش.. صعبة دي يا مراد؟ صعب تكون بني آدم معايا لثانية واحدة؟"
كلماتها كانت زي الرصاص اللي بيخترق الدرع اللي بناه حوالين قلبه سنين. مراد حس بغصة في صدره، صراع بين كبرياءه اللي بيقوله "هي اللي كسرتك الأول"، وبين قلبه اللي عايز يصرخ ويقولها "أنا مش قاصد أوجعك". فضل ساكن كالصخر، بس العاصفة جواه كانت بتهد جبال.
رزان شافت صمته، فاعتبرته تأكيد على كرهه.. همست بكسرة
"عندك حق.. أنا اللي خنتك، وإنت من حقك تكرهني."
جت تقوم وهي بتعرج، وفجأة، ومن غير أي مقدمات، مراد سحبها ليه بقوة.. حضن راسها لكتفه وضمها لضلوعه بكل ما فيه من حنين مكبوت. رزان عينيها اتسعت بذهول، وحست بدفء صدره اللي وحشها سنين، وانفجرت في عياط مكتوم وهي ماسكة في قميصه.
مراد غمض عينيه ودفن وشه في شعرها، وهمس بصوت واطي ومبحوح
"خلاص.. اهدي.. مش هضغط عليكي تاني.. وعد."
_____
اللحظة اللي كان فيها الوقت واقف، والدنيا هادية مفيش فيها غير صوت شهقات رزان ودقات قلب مراد، اتقطعت فجأة بصوت زي السكينة
"أبيه؟!"
كانت رنيم.. سابت الاحتفال والزيطة وطلعت تدور على أخوها اللي اختفى فجأة، وآخر حاجة كانت تتوقعها في كوابيسها إنها تشوفه في الوضع ده.. ومع مين؟ مع البنت اللي كسرت قلبه.
رنيم زعقت باستنكار وصدمة هزت المكان
"أبيه إنت بتعمل إيه؟ والبنت دي بتعمل إيه هنا أصلاً؟!"
رنيم مكنتش تعرف إن رزان شغالة في الشركة، كانت فاكرة إن القصة دي اتدفنت وشبعت موت من 8 سنين، وإيه اللي رجع "القديم" دلوقتي؟
في ثانية، مراد ورزان اتنفضوا وقاموا من الأرض. رزان بدأت تمسح وشها بسرعة وهي مش قادرة ترفع عينها في رنيم، أما مراد فحاول يسيطر على الموقف ويهدّي أخته لأنه فاهم بركان الغضب اللي جواها، بس رنيم مكنتش سامعة ولا شايفة غير رزان.
رنيم بصراخ وغيظ
"هو إيه ده يا أبيه؟ هي غابت غابت ولما بقيت ناجح ومعاك فلوس رجعت تاني؟ مش دي اللي سابتك زمان وراحت شافت حياتها؟ رجعتي ليه دلوقتي يا ست رزان؟ عايزة إيه مننا تاني؟!"
مراد مسك رنيم من كتافها قبل ما تهجم على رزان فعلياً، وبص لرزان بجمود وأمرها
"رزان.. اطلعي على مكتبك دلوقتي "
رزان بصت لمراد بقلق وخوف، بس لما لقت نظراته قاطعة، مشيت بسرعة من جنب رنيم اللي كان الشرر بيتطاير من عينيها وكأنها عايزة تحرقها بنظراتها.
أول ما رزان اختفت، رنيم لفت لمراد وهي مش مصدقة "إنت وظفتها هنا يا أبيه؟ مستحيل حد يتوظف في 'النواة' من غير علمك، يعني إنت كنت عارف وموافق! إزاي؟ إزاي قدرت تعمل في نفسك وفينا كدة؟"
رنيم كانت بتغلي، هي أكتر واحدة شافت مراد وهو بينهار، شافته وهو بيطبق بالليالي مش عارف ينام، وشافت الكسرة اللي كانت في عينه لما رزان سابته عشان تتجوز واحد "جاهز" ومعاه فلوس.. ودلوقتي رزان راجعة!
رنيم بقهر
"هي رجعت عشان الفلوس.. صح؟ عرفت إنك بقيت مراد شاكر صاحب أكبر شركة برمجيات، فجت تحوم حواليك تاني.. إنت لسه بتحبها يا أبيه؟ لسه هي قادرة تأثر فيك وتخليك تضعف كدة؟"
مراد سحب أخته لحضنه، كان عارف إن خوفها ده نابع من حبها ليه، وخوفها إن الجرح يتفتح تاني. رنيم بعدت شوية ومسحت على دقنه بحنان وهي بتبص في عينه بقلق
"أبوس إيدك يا أبيه، بلاش تضيع تعب السنين دي كلها عشان خاطرها.. البنت دي سم، بلاش ترجعلها تاني."
مراد تنهد تنهيدة تقيلة وطلع نار من صدره، وقال بصوت واطي
"رنيم.. مفيش حاجة هترجع. هي مجرد موظفة زيها زي غيرها، ومن رابع المستحيلات أفكر أرجعها لحياتي تاني.. الموضوع انتهى من زمان."
رنيم بشك
"طب هي بتعمل إيه هنا؟"
مراد بتعب
"صدقيني هي مجرد صدفة.. هي جات تقدم على وظيفة سكرتيرة ومكنتش تعرف إن الشركة بتاعتي، واتصدمت لما شافتني زي ما أنا اتصدمت بالظبط."
رنيم مكنتش مقتنعة، بصتله بشك وقالت
"ومين قالك إنها مش بتمثل؟ ما يمكن دي خطة منها عشان ترجعلك بعد ما شافت عزك.. دي حية يا أبيه وممكن تعمل أي حاجة عشان توصل لغرضها!"
مراد هز راسه بالرفض وقال بيقين
"لأ يا رنيم.. رزان مكنتش تعرف، وأنا متأكد من ده. هي جت عشان لقمة العيش وبس"
رنيم فضلت باصة لأخوها بخوف، حست إن قلبه لسه "بيميل" غصب عنه، وقررت في سرها إنها مش هتسكت، وإنها لازم تحمي أخوها من الوش البريء اللي دمره زمان وممكن يدمره تاني.
_____
كانت بتترعش وهي بتمسك القلم وتحطه تاني. كانت مستنية اللحظة اللي هتشوفه فيها.. حاسة إن فيه كلام كتير لازم يتقال.
صدمة "رنيم" فيها كانت تقيلة أوي، واكتشفت إن رنيم شايلة منها كره يمكن يفوق كره مراد نفسه، بس مراد كان لسه من دقايق واعدها.. واعدها إنه مش هيضغط عليها تاني.
فجأة، الباب اتفتح ودخل مراد "دخول عاصف"، رزان وقفت فوراً وقلبها بيدق في رجليها، لكن هو مابصلهاش حتى، دخل مكتبه ورزع الباب وراه.
رزان اتنهدت بقهر وقعدت
"أكيد كلام أخته ولّع الدنيا تاني.. أكيد فكرته إني جاية عشان فلوسه ورجع غضبه مني تاني."
فضلت قاعدة في مكانها نص ساعة، لحد ما الباب اتفتح ومراد طلع. المرة دي مكنش عاصف، كان هادي بزيادة، وكأنه فرّغ كل الطاقة السلبية وكل الغضب جوا المكتب عشان يقدر يقف قدامها وينفذ وعده ب إنه ميغلطش فيها او يزعلها .
وقف قدام مكتبها بكل ثبات وقال بنبرة رسمية وجادة "رزان.. لازم نتكلم."
رزان أومت براسها بسرعة وقالت
"أنا كمان كنت عايزة أتكلم يامراد "
مراد فضل واقف مكانه، محتفظ بمسافة الأمان بينه وبينها، وقال بسرعة وكأنه خايف الكلام او التعبير يخونه
"مش هاخد من وقتك كتير.. إحنا كان بينا ماضي، واللي حصل حصل خلاص. إنتي قدمتي هنا وإنتي مش عارفة إن الشركة بتاعتي، وأنا وظفتك لسبب او لآخر .. والنهاردة إنتي اتوجعتي، وأنا وعدتك إني مش هآذيكي تاني...بس .."
سكت مراد لحظة، ورزان كررت وراه بلهفة وقلق
"بس ..؟"
مراد كمل وهو بيبص في عينيها بنظرة فيها "وجع" مداري ورا الجمود
"لكن.. عشان أقدر أوفي بوعدي ده، أنا مش حابب أشوفك قدامي. مجرد وجودك في المكان بيفكرني بحاجات أنا ما صدقت إني نسيتها، وأنا بجد مش عايز أرجع للماضي ولا أفتكره."
رزان حست كأن فيه جبل تلج نزل على صدرها، بلعت ريقها وسألت بصوت واطي
"يعني حضرتك بتطردني؟ ولا عايزني أقدم استقالتي؟ لو ده هيريحك.. أنا مستعدة أمشي دلوقتي."
مراد نفى براسه بسرعة وقال
"لأ مش طرد.. أنا هدورلك بنفسي على شغل تاني في مكان محترم ويناسب إمكانياتك، مكان يضمنلك معيشة كويسة ودخل ثابت. يمكن مش في شركتي، بس هشوفلك شركة تانية تبع ناس أثق فيهم.. ولحد ما ألاقي المكان ده، تقدر تفضلي هنا في مكتبك."
مشاعر رزان في اللحظة دي كانت عبارة عن كوكتيل من الإهانة، والحزن، الألم في نفس الوقت .
حاولت بكل قوتها متظهرش أي تعبير على وشها، رسمت الجمود وقالت بلهجة عملية
"تمام.. أنا موافقة على قرارك."
مراد أومأ براسه وقال وهو بيلف عشان يمشي
"تمام.. من اللحظة دي ولحد ما تمشي، مفيش بينا غير علاقة مدير وسكرتيرته وبس.. وأصلاً بشرى راجعة قريب، فـ التواصل بينا هيكون في أضيق الحدود."
هي اكتفت بايماءة لحد مامشي ...وللحظة فكرت انه الاستقالة ارحم ...