الفصل الثامن
الوقت سرقها.. حرفياً سرقها.
بصت رزان في الساعة وصدمت، عينيها كانت مزغللة وبتحرقها من كتر التركيز في شاشة الكمبيوتر وضوء المكتب..
"يانهار أبيض! الساعة عشرة بالليل؟"
فتحت موبايلها بسرعة، وزي ما توقعت، كانت سايباه "صامت" ومامتها رتيبة كانت حارقة الموبايل مكالمات. اتصلت بيها فوراً، وجاءها صوت أمها الملهوف
"إنتي فين يا رزان؟ قلبي وقع في رجلي يا بنتي.. كل ده تأخير؟ ومبترديش ليه؟"
رزان حاولت تهديها
"يا ماما والله غصب عني، الشغل كان كتير وأنا أول يوم ولازم أثبت نفسي.. أنا خلاص قفلت وجاية في الطريق، متقلقيش."
بصت ناحية مكتب مراد.. هي من كتر ما غرقت في الملفات نسيت الزمان والمكان، لدرجة إنها مخدتش بالها إن بشرى مشيت من بدري وفضلت هي لوحدها في الدور. بصت على الشاشة، "الجبل" اللي مراد طلبه كان خلاص اتنقل وبقى جاهز.. وبصوابع بترتعش، ضغطت "Send" وبعتتله الملف على إيميله.
فضلت قاعدة مستنية.. دقيقة.. اتنين.. يمكن يبعت رسالة؟ يمكن يطلع من مكتبه يقول "تمام"؟ بس مفيش حس ولا خبر. "يعني مفيش ولا غلطة؟ ولا هو أصلاً مشافوش وطنشني؟" قالتها بضيق وهي بتلم حاجتها عشان تروح.
قامت من على الكرسي وأطلقت "تأوّه" وجع مكتوم لأن ضهرها كان متخشب، وبالظبط في اللحظة دي، باب مكتب مراد اتفتح. خرج وهو في كامل أناقته، لابس جاكيته وماسك شنطته، وباين إنه خلاص مروح.
رزان اتنفضت واعتدلت في وقفتها وقالت برسمية
"مستر مراد، أنا بعتّ لحضرتك الملفات اللي طلبتها كاملة على الإيميل."
مراد رد ببرود وهو بيمشي ناحية الأسانسير
"تمام.. هبقى أتأكد منها، ولو فيه أي ملاحظات هبلغك بكرة."
رزان أومت براسها، بس فيه تكشيرة غيظ ظهرت على وشها غصب عنها.. يعني مفيش حتى "شكراً"؟ مفيش "تعبتي النهاردة"؟ ده بجد مبيحبش غير إنه ينتقد ويطلع القطط الفطسانة وبس!
مراد تنحنح وهو بيبص في ساعته، ورزان لملمت شتات نفسها وطلعت وراه.. كانت بتفكر إنها النهاردة مضطرة تاخد "تاكسي"، لأن ميعاد آخر أتوبيس فاتها من زمان.
أول ما طلعت برا المبنى، استغربت.. شافت مراد لسه واقف عند عربيته وماسك موبايله، فكرته مشي من بدري. هزت كتافها بتجاهل ومشيت بعيد عنه وهي بتدور بعينيها على أي عربية تاكسي معدية.
مراد قفل موبايله وركب سيارته السوداء الفخمة، ودار المحرك.. بس الغريب إنه مطلعش بـ "أمريكاني" ولا جري زي عادته كواحد وقته بفلوس ومبيحبش يضيعه، بالعكس، كان ماشي ببطء شديد وبسرعة هادية جداً.
رزان كانت ماشية في الشارع وحست بلسعة برد، الشتا بدأ يهل فعلاً. وأخيراً لقت تاكسي، ركبت بسرعة وحددت للسواق وجهة "الحي الشعبي" اللي ساكنة فيه. رمت ضهرها على الكرسي وغمضت عينيها، مش مستنية غير اللحظة اللي تترمي فيها على سريرها وتفصل من العالم.
اللي رزان مكنتش عارفاه، إن السيارة السوداء الفخمة كانت ماشية ورا التاكسي من بعيد لبعيد لحد ما وصلت للحي. التاكسي وقف، رزان دفعت الحساب ونزلت، ومشت بخطوات سريعة ناحية العمارة.
مبقاش يهمها نظرات الجيران ولا كلام الستات اللي قاعدين في البلكونات "بيرغوا" على البنت اللي راجعة بالليل لوحدها.. هم أصلاً شبعوا كلام عليها وعلى سمعتها من زمان، فـ "موتة بموتة" زي ما بيقولوا.
دخلت العمارة واختفت جوه، وهي مش دارية بالسيارة السوداء اللي كانت واقفة في ركن ضلمة تحت المجمع السكني.. مراد فضل واقف بالعربية، عينه على مدخل العمارة لحد ما اطمن إنها دخلت، وبعدين دور عربيتها ولف واختفى في ضلمة الليل
______
الأيام اللي جت بعد كدة كانت من أصعب وأرذل الأيام اللي رزان عاشتها في حياتها. مراد محرمش عليها النوم بس، ده حرفياً خلّاها تندم على كل كلمة قالتها رهف وعلى اللحظة اللي فكرت فيها تدخل الشركة دي. الراجل تحول لماكينة شغل مابتخلصش، وكان بيحدف عليها الشغل كأنه بينتقم من الماضي كله في صورة "ملفات".
لكن رزان، رغم التعب والوجع اللي في ضهرها، كانت حريصة إنها تتعلم وتبذل أقصى جهد.. كانت عارفة إن ده "قارب النجاة" الوحيد، يا تثبت نفسها يا تغرق وترجع تجلي صحون تاني.
الأجواء في الشركة كانت مشحونة، وبشرى بلغت رزان إن فيه اجتماع "مصيري" في نهاية الأسبوع مع واحد من أكبر مطوري البرمجيات. مروان، اللي بقى صديق رزان الصدوق وبيمر عليها يسلم ويهزر قبل ما يدخل لمراد، حكى لها السر
"بصي يا رزان، الراجل اللي جاي ده كان حلم مراد من سنين وحلمنا كمان.. إنه يشتغل معاه أو حتى يقابله كان حلم بعيد. ودلوقتي بعد ما اسم مراد سمع و'النواة' بقت في كل حتة، الفرصة جت لحد عنده. لو مراد قدر يقنعه بالشراكة دي، الشركة هتتنقل في حتة تانية خالص.. رفعة مابعدها رفعة!"
عشان كدة مراد كان حابس نفسه في المكتب، مبيطلعش، مبيشوفش الشمس، وحتى كافيتريا الشركة مابقاش يروحها.. كان عايش حرفياً على "القهوة" والورق. رزان كانت بتبص له من ورا الزجاج . لو كان لسه مراد "بتاع زمان" كانت دخلت هزأته ومنعت عنه القهوة دي وخافت على صحته، لكن دلوقتي.. هي مين عشان تأمر المدير التنفيذي؟
كانت بتتعلم، بس طبعاً مفيش تعليم من غير غلطات. كانت ساعات تدخل أرقام غلط في الميزانية، أو تنسى تبعت إيميل مهم في ميعاده.
مثلاً: مرة بعتت ملف "مسودة" للقسم المالي بدل الملف النهائي، وبشرى لحقتها في آخر ثانية وهي بتضحك وبتقولها
"بالراحة يا رزان، الاستاذ مراد لو شاف الغلطة دي هيعمل منا ...!"
ومرة تانية: لخبطت في مواعيد اجتماعات مراد وبشرى قعدت معاها ساعتين تفهمها إزاي الأجندة الرقمية بتشتغل وترتب لها أفكارها بكل صبر.
الحاجة الوحيدة اللي رزان بقت هي المسؤولة عنها "رسمياً" هي قهوة مراد. لما يطلبها، أو لما يكون عنده ضيوف، رزان هي اللي بتدخل بالصينية. مراد كان بيتشرط في كل حاجة في الشغل، بيطلع القطط الفطسانة في الورق، إلا "القهوة".. مكنش بينطق بكلمة لما بيدوقها.
ليه؟
لأن رزان ببساطة هي الوحيدة في المبنى ده اللي عارفة "سر مزاجه". هي فاكرة زمان لما كان بيقعد يحكي لها بالساعات عن القهوة اللي بتظبط دماغه، لازم تكون "مانو" وبوش تقيل، وتتحط على نار أهدى من الهادية. فاكرة إنه بيحب ريحة الهيل خفيفة جداً، وإنه بيكره القهوة لو بردت فتوفتة.
رغم إنه كبر وبقى CEO، إلا إن عوايده مانسهاش، وهي كمان مانسيتهاش. كانت بتحضرها له بحب قديم متغطي بطبقة من الوجع، وتدخل تحطها قدامه وتمشي من غير ما تبص في عينه، وهو كان بياخد أول رشفة، ويغمض عينه لثانية واحدة كأنه بيسترجع طعم أيام ضاعت، وبعدين يرجع لجموده ويكمل شغل ولا كأن حاجة حصلت.
_____
اليوم المهم وصل..
اليوم اللي الشركة كلها واقفة فيه على شعرة، والتوتر مالي الممرات.
رزان وصلت الشركة الصبح وهي في قمة السعادة عكس الكل ماشية بخطوات خفيفة وبترسم ابتسامة عريضة على وشها. كانت عارفة إنه مراد وبشرى هيمشوا يروحوا الاجتماع، وهي هتفضل "برنسيسة" في المكتب، ترتب الجدول في هدوء بعيد عن نكد مراد وضغطه.. بدأت حتى تخطط في سرها: "أول ما يمشوا، هعمل كوباية نسكافيه بالرغوة محترمة وأشغل مزيكا هادية وأخلص الورق اللي ورايا بمزاج.. يا فرج الله!"
عدت على مكتب بشرى عشان تصبح عليها وتتمنى لها التوفيق، لقت المكتب فاضي والأنوار مطفية. استغربت وقالت في نفسها
"أكيد بشرى عند مراد في المكتب بيراجعوا الورق الأخير قبل ما يتحركوا.. ما هو مراد بقاله أسبوع بيجي قبل الكل واليوم أكيد من الفجر هنا."
لكن هي صدقت في حاجة واحدة انه مراد هنا اما بشرى ...
وفجأة وهي بتحط حاجتها على مكتبها، موبايلها رن.. كانت بشرى.
رزان ردت بابتسامة وصوت كله تفاؤل
"صباح الخير يا بشرى! إيه، إنتي عند مستر مراد جوه ولا إيه؟ أنا لسه واصلة وكنت هسأل عليكي."
جاءها صوت بشرى واطي وتعبان، كسر كل مخططاتها الوردية
"رزان.. أنا في المستشفى يا حبيبتي، جالي نزيف مفاجئ الصبح ونقلوني على هنا على عجل."
رزان وشها جاب ألوان واتنفضت من مكانها
"يا نهار أبيض! إنتي كويسة؟ والبيبي جراله حاجة؟ طمنيني عليكي يا بشرى!"
بشرى ردت وهي بتحاول تطمنها بصوت منهك
"الحمد لله، الدكاترة لحقوني وأنا والبيبي بقينا بخير، بس لازم راحة تامة.. رزان، مفيش وقت، إنتي اللي هتطلعي الاجتماع مع المدير النهاردة بدالي."
رزان لسانها وقف من الصدمة، وحست إن ركبها سابت
"أنا؟ "
بشرى اكدت
" ايوه انت يارزان "
رزان اعترضت علا طول بارتباك
"يا بشرى إنتي بتقولي إيه! أنا لسه بقالي كام يوم، هروح اجتماع مصيري زي ده إزاي؟ أنا أكيد هبوظ الدنيا!"
بشرى بدأت تشرح لها بسرعة وإصرار
"اسمعيني بس، إنتي مش هتقولي كلمة.. إنتي مرافقة وبس، هتجهزي الملفات وتطلعيها وقت اللزوم. الملفات في الدرج عندي، روحي هاتيها وتأكدي إن كل حاجة هناك.. إنتي الأيام اللي فاتت لخصتي ونقلتي معايا وعارفة الموضوع كله، ولو فيه حاجة وقفت قدامك، المدير موجود هو هيتصرف."
رزان في سرها: "المدير موجود؟ ما هي دي المصيبة! ده مراد مش طايقلي كلمة، ولا شايفني كفؤ زيك، ده أكيد هينكد عليا بدل ما يساعدني."
قفلت رزان السكة وهي حاسة إن الأكسجين هرب من الأوضة. خدت نفس عميق وبدأت تفرك في إيدها من التوتر، وفي اللحظة دي خرج مراد من مكتبه. كان باين عليه إنه كان ناوي يبلغها باللي حصل، لأن بشرى كلمته الصبح واعتذرت له وحكتله اللي حصل معاها. مراد كان عارف إن رزان هي اللي هتكون بديل بشرى، حتى لو التعويض ده جه بدري أوي وقبل أوانه.
رزان أول ما شافته، قالت بسرعة وهي بتحاول تسيطر على رعشة صوتها
"أنا.. أنا عرفت يا فندم، بشرى لسه مكلماني وطمنتني عليها."
نظرات رزان كانت فضحاها، التوتر كان باين في عينيها وبوضوح. مراد لاحظ ده بس ما علقش بكلمة، وبنبرة عملية وقاطعة طلب منها تروح مكتب بشرى وتجيب الملفات.
رزان جريت وجابت الملفات، وأول ما رجعت، مراد سحبهم منها ببرود وبدأ يتأكد من كل ورقة بنفسه، كأنه مش واثق إنها ممكن تتأكد صح.. أو يمكن كان فيه سبب تاني جوه قلبه هو بس اللي عارفه.
اما هي وقفت قدامه وهي بتظبط هدومها وبتحاول تداري قلقها، مستنية اللحظة اللي هيتحركوا فيها لقلب المعركة.. قصدي الاجتماع.
______
كانت واقفة قدام العربية بعد ما جهزت نفسها على سنقة عشرة، عدلت البليزر وراجعت على مكياجها في مراية الشباك، وهي بتحاول تتنفس بهدوء عشان ضربات قلبها اللي بدأت تعلى.
وفجأة، سمعت صوت خطواته.. صوت خبط حذائه الأسود اللامع على الأرض كان ليه رنة وهيبة. طلع مراد وهو ماسك شنطته الجلد اللي شايلة "شقى السنين" وأسرار الصفقة الكبيرة.
رزان سرحت فيه للحظة غصب عنها.. النهاردة شكله مختلف، الوسامة طاغية بزيادة، والبدلة مرسومة عليه رسم، بس طبعاً ما هو رايح لأهم اجتماع في حياته.
فاقت لنفسها وبلعت ريقها وهي بتفكر
"فوقي يا رزان، افتكري مكانك فين وهو فين دلوقتي."
وقفت رزان مكانها لما شافت مراد وقف يتكلم مع واحد من عمال البوابة، راجل بسيط في الخمسينات، قليل الحجم وقصير بالنسبة لرجال الأمن "العمالقة" اللي مراد موظفهم ولابسين أسود في أسود.
الراجل بص لمراد بنبرة طيبة ودعوة طالعة من القلب
"يا ابني مراد، سمعت إن عندك مشروع مهم النهاردة.. الله معاك يوفقك ويرزقك ويفتحها في وشك يا ابني."
هنا رزان اتسمرت مكانها.. شافت مراد بيبتسم! مش أي ابتسامة، دي ابتسامة صافية وحقيقية. مد إيده ومسك إيد الراجل الكبير بتقدير وقال
"تسلم يا عم جابر، كتر خيرك على الدعوة الحلوة دي.. بس قولي، مش تعبت من الوقفة؟ مفاصلك مش وجعاك؟"
الراجل ضحك برضا وقال
"تعب إيه يا ابني؟ ده واجبي، وبعدين إنت شايفني عجزت ولا إيه؟ ده أنا هعمر بإذن الله وأشوف شركتك دي أكبر شركة في العالم."
مراد ضحك وهو لسه ماسك إيد الراجل اللي كان بيبصله بامتنان، وكأن مراد هو اللي أنقذه من غدر الأيام ووظفه هنا عشان يستره. رزان كانت متابعة المشهد بذهول، وقالت في سرها بمرارة
"يعني بيعرف يبتسم أهو.. وبيعرف يبقى حنين.. يعني البرود ده متفصل عليا أنا بس!" تنهدت وهمست "حقه.. أنا اللي عملت كدة."
أول ما مراد ساب الراجل، وشه الجليدي رجع في ثانية، وبص لرزان اللي واقفة جنب العربية وسألها بجمود
"واقفة كدة ليه؟ ماركبتيش ليه لحد دلوقتي؟"
رزان ردت ببراءة
"مستنية الشوفير عشان يوصل ..."
هنا مراد ابتسم، بس يا ريتها ما كانت ابتسامة.. دي كانت ابتسامة سخرية "سمجة" قطعت قلبها. وقال ببرود "شوفير إيه؟ إنتي اللي هتسوقي.. وإلا أنا واخدك معايا ليه؟"
رزان برقت عينيها بصدمة
"أنا؟ بس بشرى ماقالتش إنها بتسوق عربية حضرتك!" وبعدين فهمت ، فكرت في سرها بغيظ
"لا.. إحنا نهدى كدة.. ده بجد ناوي يذلني لآخر لحظة ويشغلني سواقة عنده!"
مراد سألها ببساطة مستفزة
"ليه؟ هو إنتي معندكيش رخصة سواقة؟"
رزان بلعت ريقها وقررت ترد التحدي بتحدي أكبر، مدّت إيدها قدامها وقالت
"طبعاً معايا رخصة.. المفتاح!"
فضل باصص لإيدها المفتوحة لثواني ، وبعدين رماه في إيدها ببرود، وراح ركب في المقعد اللي ورا وحط شنطته جنبه، وسابها هي تركب قدام ورا الدريكسيون.
رزان ركبت وقفلت الباب وهي هتموت من الغيظ
"ده اللي كان ناقص والله! بقيت شوفير الأستاذ مراد.. اصبري يا رزان، اصبري لحد ما اليوم ده يعدي!"
دورت العربية وانطلقت وهي حاسة إنها في اختبار سواقة.. واختبار كرامة في نفس الوقت.
_____
مراد كان قاعد ورا، فارش الورق جنبه ومشغل "الأيباد" قدامه، ولابس نظارته اللي بتخليه يبان أذكى وأهيب بكتير. كان غرقان في شغله لدرجة إنه مبيتحركش مع حركة العربية، وكأنه في مكتبه مش في عربية بتجري في شوارع القاهرة.
رزان بقى كانت حاسة إنها في ورطة.. هي آه معاها رخصة، بس آخر مرة ساقت فيها كانت من زمن، وحياتها كلها قضتها في الأتوبيسات والميكروباصات. والأهم من ده كله، إنها عمرها ما ساقت "وحش" زي اللي تحت إيدها ده، ولا تعاملت مع "GPS" صوته مابيسكتش.
فجأة، صوت الست اللي في الـ GPS بدأ يعلو وهي بتكرر "اتجه يميناً.. اتجه يميناً".
مراد هنا فاق من تركيزه ورفع عينه من على الورق، شال نظارته وبص للطريق، لقى رزان عرقانة وماسكة الدريكسيون كأنها ماسكة في خناق حد. قالت بارتباك وصوت مهزوز
"والله أنا رحت يمين يا مستر مراد! بس هي لسه بتزعق وبتقول يمين تاني!"
مراد اتنهد بضيق ونفخ وهو بيبص من الشباك
" روحي اليمين "
رزان بقلب ميت قررت تنفذ، لفت "عجلة القيادة" بكل قوتها.. بس المصيبة إنها كانت بتلف ناحية "الشمال" وهي مقتنعة تماماً إن ده هو اليمين! لفت يمينها هي مش يمين الطريق.
في ثانية، وقبل ما العربية تدخل في الرصيف، مراد انحنى لقدام بجسمه كله، رزان محستش بيه غير وهو فوقيها.. حط إيديه الكبيرة فوق إيديها اللي بتترعش، وقبض عليهم بكل عزم ولف الدريكسيون في الاتجاه المعاكس "اليمين الصح".
رزان اتجمدت مكانها، فتحت بقها بصدمة وبصت لإيديه اللي محوطة إيدها، والريحة بتاعة برفانه اللي ملت مناخيرها فجأة لدرجة خلت الدنيا تلف بيها. لفت راسها وبصتله بعيون مبرقة وقالت بغباء
"ها!" وكأنها فهمت غلطها أخيرا .
مراد بص في عينيها من المسافة القريبة دي، وبصتله كانت مليانة نرفزة وصبر بينفد، ورد بجمود وتريقة
"ها! هو ده اليمين يا آنسة.. اليمين اللي بنسلم بيه وبناكل بيه، عارفاها الإيد دي؟"
كانت بتصبله وهو يبصلها . الكهرباء كانت بتنط بين عينيهم، والاتنين افتكروا لمسات قديمة كانت بتتم بنفس الطريقة بس في ظروف تانية خالص.
مراد فجأة استوعب الوضع وسحب إيديه بسرعة كأنه لمس نار، ورجع قعد ورا وسند ضهره على الكرسي ببرود، ورجع يلبس نظارته ويكمل شغله وكأن مفيش حاجة حصلت.
أما رزان، فكانت حاسة إن قلبها هيطلع من مكانه، وبشرتها كانت "بتقيد" نار من لمسته. حاولت تتمالك نفسها، مسكت الدريكسيون بتركيز مضاعف، وقالت لنفسها
"ركزي يا رزان.. ركزي في الطريق بدل ما نلبس في الحيط ونعمل حادثة، ونروح نقابل المطورين في المستشفى!"