انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل السابع - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع

الفصل السابع

صحيت رزان النهاردة وهي حاسة إن فيه روح جديدة دبت فيها، كأن الرسالة اللي جاتلها كانت طوق نجاة اترمي لها وهي بتغرق. غسلت وشها وفوقعت، وهي لسه مش مستوعبة إن بكرة اللي كانت خايفة منه، بقى هو "النهاردة" اللي هتبدأ فيه حياة تانية، والله وحده يعلم مراد قبلها إزاي وليه. لبست وجهزت نفسها، وخرجت وسط دعوات مامتها رتيبة اللي كانت بتزغرد بقلبها من الفرحة؛ أخيراً بنتها هتشتغل شغلانة "بنت ناس" تليق بشهادتها وتعبها. أما خالها مهدي، فكان كالعادة متغطي ونايم، بس فتح عين واحدة من تحت الغطاء وراقبها وهي بتودع أمها وبتبوس إيدها، وبص لها بنظرة مش مفهومة قبل ما يرجع يكمل نومه. رزان لبست "بلوزة" ناعمة بلون السيمون الهادي، وفوقيها "بليزر" أسود كلاسيك مفصل عليها بالظبط، وبنطلون قماش أسود رسمي. لمت شعرها "ديل حصان" مرتب جداً، وحطت مكياج خفيف أظهر ملامحها القوية والجميلة، وشالت شنطتها الجلد اللي رهف كانت مديالها هدية زمان.. ركبت الأتوبيس، وطول الطريق كلام رهف بيرن في ودنها زي المنبه: "ركزي في شغلك وبس.. ابعدي عن مراد تماماً.. خدي الاسم والخبرة وبعدين غوري في داهية تانية." كانت رزان بتردد الكلام ده في سرها كأنها "تعويذة" بتحميها من اللي جاي. دخلت الشركة بخطوات ثابتة رغم إن ركبها كانت بتخبط في بعضها. موظفة الاستقبال أول ما شافتها وسمعت اسمها، اتصلت فوراً ببشرى. دقايق وبشرى كانت واقفة قدامها بطلتها اللي تخطف؛ ست عاملة، شيك، واثقة في نفسها، وحتى وهي "حامل" مكنتش فاقدة ذرة من هيبتها. بشرى رحبت بيها بابتسامة بشوشة "أهلاً يا رزان.. نورتي الشركة. تعالي ورايا أوريكي المكان وأشرحلك الدنيا ماشية إزاي." وهي ماشية، بدأت بشرى توريها الأقسام وتتكلم عن نظام الشغل، لحد ما وصلت عند مكتب صغير، أنيق، ومجهز بكل حاجة، وقريب جداً من مكتب بشرى الكبير. بشرى قالت بابتسامة "وده مكتبك ..." رزان انبهرت، مكنتش متخيلة إنها هيكون ليها "مكتب" خاص بيها، بس بسرعة رسمت ملامح الجدية وبدأت تسمع مهام شغلها بتركيز. وفجأة، بشرى قطعت الكلام وطلعت علبة عصير من شنطتها وبدأت تشرب بنهم كأنها كانت تايهة في صحراء. رزان بصت لها باستغراب، فبشرى ضحكت وقالت باعتذار "أنا آسفة جداً يا رزان.. بس بجد بتوحم على العصير ده بشكل غريب، مش بقدر أقاومه!" رزان ضحكت بخفوت وقالت بحنية "ولا يهمك يا فندم، ألف هنا.. إنتي في الشهر الكام؟" بشرى مسحت على بطنها بلمحة حنان وقالت "في الرابع.. لسه المشوار طويل." دعت لها رزان بالخير والذرية الصالحة، وبشرى شكرتها ورجعت لنبرة الشغل "بصي يا رزان، إنتي هنا عشان تكوني عيني ورجلي. أنا هعلمك كل حاجة من الألف للياء، عشان لما أغيب أو آخد إجازة وضع، تكوني إنتي اللي ماسكة كل الخيوط.. هتدخلي معايا اجتماعات وتقابلي ناس، فـ مفيش داعي للقلق، أنا معاكي خطوة بخطوة." وبعدها بشرى سابتها وراحت مكتبها، وهي قعدت على كرسيها الجديد. حطت حاجتها وبصت للمكان حواليها.. المكتب كان هادي ومريح جداً. خدت نفس عميق وغمضت عينيها لثانية، وقررت إنها هتستنى بشرى لحد ما تطلبها، وفي الوقت ده لازم تتعرف على "بيئتها" الجديدة. قامت وبدأت تتجول في الطرقة بهدوء، بتستكشف الأبواب والمكاتب . رزان كانت ماشية في طرقة الشركة وهي مش مصدقة عينيها، حاسة إنها دخلت في فيلم خيال علمي. الابتسامة كانت شاقة وشها، والرهبة اللي كانت حساها الصبح اتحولت لفخر وسعادة ملهوش أول من آخر. في اللحظة دي جتلها رسالة من بشرى بتقولها "رزان، أنا طلبتلك الـ ID بتاعك وهيجهز كمان ساعة، لفي براحتك واتعرفي على المكان . " رزان بدأت جولتها وهي حاسة إنها في "مدينة رقمية". الممرات طويلة وواسعة، والجدران كلها زجاج شفاف بيكشف المكاتب اللي جواها خلية نحل. السقف فيه خطوط إضاءة زرقاء رفيعة مديالها هيبة تكنولوجية، ولوحات رقمية صغيرة بتنور وتوضح الاتجاهات (الإدارة العليا، الأمن السيبراني، الموارد البشرية). طلعت الطابق التاني، وشافت الـ Open Space.. مهندسين ومبرمجين قاعدين على طاولات طويلة، قدام كل واحد شاشتين وتلاتة، وشغالين بسرعة البرق. لفت نظرها الألواح الزجاجية اللي مليانة رسومات وخطط ورموز برمجية معقدة. وفي النص، منطقة استراحة شيك فيها ماكينة قهوة وطاولة بلياردو.. ضحكت في سرها وقالت "ده الشغل ولا بلاش، بيلعبوا وهم بيبرمجوا!" لما وصلت للطابق التالت، حست بفرق كبير. الإضاءة كانت هادية ورايحة للون الأزرق القوي، والأبواب كلها بتفتح ببطاقات ممغنطة. لمحت من بعيد شاشات عملاقة عليها خرائط عالمية وعليها نقط بتنور وتطفي.. عرفت إن ده طابق "الأمن السيبراني"، المكان اللي بيحمي العالم من الاختراقات. أما الطابق الرابع، فكان حكاية تانية.. هدوء تام، غرف بيضاء بالكامل، وشافت بعينيها روبوتات صغيرة بتتحرك، ومهندسين لابسين نظارات الـ VR وبيحركوا إيديهم في الهواء كأنهم بيبنوا عالم مش شايفه غيرهم. رزان وقفت قدام جدار زجاجي بيطل على المدينة كلها من فوق، وشافت مكتب "الإدارة العليا". شافت من بعيد مكتب مراد.. المكتب الفخم اللي وراه شاشة بانورامية بتعرض أضواء المدينة. وقفت وقالت في نفسها "يا نهار أبيض.. كل ده بتاعك يا مراد؟ إنت فعلاً بقيت فوق.. فوق اوي." للحظة، رزان نسيت كل ذكريات الفقر، نسيت خناقات خالها، نسيت ريحة الصابون في المطعم، ونسيت حتى إنها "مساعدة سكرتيرة مراد ". طلعت موبايلها وبدأت تاخد صور للمكان، وصور "سيلفي" والابتسامة مالية وشها، كانت بتوثق اللحظة اللي حست فيها إنها أخيراً بدأت تتنفس هوا نظيف. نزلت للدور اللي فيه الكافيتريا، وانبهرت بريحة القهوة الـ "إسبريسو" والـ "لاتيه" اللي مالية المكان. التلاجات مليانة عصائر فريش ووجبات خفيفة، والموظفين قاعدين يضحكوا ويهزروا وهم بيشربوا قهوتهم. رزان وقفت وسطهم وهي حاسة بزهو ملوش حدود، كأنها بتقول للدنيا "أنا رزان.. وأنا النهاردة هنا، في قلب 'النواة المتقدمة'." ____ رزان راحت استلمت الكارت بتاعها (ID) اللي عليه اسمها وصورتها وشعار الشركة، وبسرعة لبسته في رقبتها وهي حاسة إنها لبست وسام استحقاق. الابتسامة مكنتش بتفارق وشها، بس قررت إنها خلاص "صاعت" كفاية ولازم ترجع مكتبها تلتزم بمكانها عشان توري بشرى إنها منضبطة. راحت ناحية المصعد، وأول ما الباب فتح ودخلت، لقت نفسها لوحدها. المصعد كان كله مرايات بتلمع وإضاءة "لد" هادية. رزان بصت لنفسها في المراية وانبهرت بشكلها بالكارت واللبس الرسمي، وقالت وهي بتغمز "يا بت يا رزان، والله وطلع ليكي لبة وبقيتي موظفة في شركات مالتي ناشيونال!" طلعت الموبايل وقررت تاخد صورة "سيلفي" سريعة للذكرى، وبدأت تاخد وضعيات؛ مرة تبتسم، ومرة تعمل نفسها مشغولة وبتبص في الساعة، ومرة تميل راسها بدلال.. كانت عايشة اللحظة على الآخر وهي فاكرة إن المصعد ملكها لوحدها. وفجأة، المصعد وقف في دور، والباب انفتح.. رزان كانت في "نص" وضعية تصوير غريبة، مجمّدة وشها وإيدها مرفوعة. وأول ما الباب اتفتح، شافت "البعبع" قدامها.. مراد. كان واقف بكل هيبته، ماسك شنطته الجلد، ولابس نظارته السوداء اللي شالها أول ما الباب فتح. رزان اتجمدت مكانها، الدم هرب من عروقها، وبسرعة البرق نزلت إيدها واعتدلت في وقفتها، واتحشرت في زاوية ضيقة في ركن المصعد وهي منزلة راسها في الأرض بتضغط على الموبايل. كانت بتعض على شفايفها بكسوف وقهر "يا فضيحتك يا رزان! يا ربي ليه دلوقتي؟ يشوفني وأنا بتصور زي العيال الصغيرة؟ هيقول عليا إيه بس!" مراد دخل المصعد بخطوات رتيبة وصمت قاتل، ريحة برفانه القوية ملأت المكان وخنقت رزان. مد إيده عشان يضغط على زرار الدور، بس هي بصوت مهزوز وسريع سبقت وقالت "أنا.. أنا ضغطت خلاص، أنا طالعة نفس الدور." إيد مراد وقفت في نص الطريق، فضل معلقها ثانية واحدة وكأنه بيستوعب الصوت، وبعدين سحبها ببرود ورجع وقف مكانه وعينه باصة قدامه للباب، ولا كأن فيه بني آدمة واقفة جنبه بتموت من الإحراج. رزان كانت بتحاول تختفي في الزاوية، بس في نفس الوقت الفضول كان بياكلها. كانت بتبص له بطرف عينها.. عايزة تعرف هو بيفكر في إيه؟ هل هو اللي وظفها؟ هل لسه شايل منها؟ الرهبة كانت مسيطرة عليها لدرجة إنها حست إن ضربات قلبها مسموعة في المكان الضيق ده. الدقايق كانت بتعدي كأنها سنين، وأول ما المصعد وصل والباب انفتح، مراد خرج بخطوات سريعة وواثقة، ومن غير ما يلتفت وراه ولا حتى يهز راسه، وكأنه كان راكب المصعد لوحده تماماً. رزان وقفت مكانها لثانية، بصت لضهره وهو بيبعد باستنكار وصدمة "يا نهار أبيض! بقى أنا اللي كنت ناوية أتجاهله وأعمل نفسي مش شايفاه، يقوم هو اللي يعمل فيا كدة؟ ده مكلّفش خاطره يبص لي حتى!" حست بـ "إيجو" أو كرامتها اتجرحت شوية، بس بسرعة نفضت الفكرة من دماغها، وخرجت من المصعد وجريت على مكتبها وهي وشها بيغلي من الكسوف، وقررت إنها من هنا ورايح مش هتاخد صور غير لما تتأكد إن المبنى كله فاضي! _____ كانت رزان قاعدة في مكتبها، سانده دقنها على إيديها ومميلة على الطاولة لدرجة إنها كانت هتنام فعلاً. بتبص للساعة بملل، والوقت مبيتحركش، ومحدش طلب منها "يا فجل" حتى. وفجأة، الباب اتفتح، وخرج مراد من مكتبه بهيبته اللي بتقطع النفس. كان ماسك كوباية القهوة، ومشمّر أكمام قميصه الأبيض، ولابس النضارة العملية اللي مدياله شكل حازم جداً. نادى بصوت رخيم "بشرى!" بشرى طلعت فوراً، ورزان اتنفضت من مكانها، عدلت قعدتها وبدأت تخبط على أي حاجة قدامها بتوتر، عاملة نفسها مشغولة في "عظمة" وهي أصلاً كانت هتروّل من النوم. مراد سأل بشرى ببرود "الملفات بتاعة الصفقة اللي اتفقنا عليها إمبارح أخبارها إيه؟" بشرى ردت بتركيز "لخصت نصها يا مستر مراد، وشغالة دلوقتي بنقل النص على الكمبيوتر، أول ما اخلص النص الثاني هبعتها لحضرتك فوراً." هنا مراد بص لرزان بطرف عينه — نظرة "صقر" شاف فريسته — وقال لبشرى بنبرة فيها سم "بما إن حالتك الصحية يا بشرى وظروف حملك ممكن تخليكي تتأخري، فـ إحنا حطينا مساعدة عشان تشيل عنك.. وبدل قضاء الوقت في 'اللعب' أو 'التصوير' في المصاعد.." (هنا قلب رزان وقع في رجليها) "..المفروض المساعدة دي تشتغل. تقدري يا بشرى تلخصي إنتي، وتخلي الآنسة تنقل المعلومات وتبعتهالي المسا.. في النهاية إحنا وظفنا حد بيعرف يكتب ويستخدم الحاسوب، دي شركة برمجيات مش حضانة!" مشى مراد وهو بيأكد إن كل حاجة لازم توصله المسا، وبشرى فضلت واقفة مصدومة. دي أول مرة يتصرف بالصرامة دي، هو آه حازم بس مش بالشكل ده، والملفات اللي طالبها دي "جبل" وتلخيصها ونقلها ياخد وقت جيل كامل! أما رزان، ففهمتها وهي طايرة.. ده بدأ يوزع سمه ولومه من اللحظة الأولى. يعني هي كانت صح لما فكرت إنه شغلها عشان يذلها ويكسر عينها. كانت مقوصة شفايفها باستنكار وللحظة فكرت لو تقوم تخبطه بكوباية القهوة دي في جبهته، بس أول ما بشرى لفت ليها، رسمت ابتسامة بريئة "بلاستيك" وسألتها "فين الملفات اللي لازم أنقلها يا فندم؟" بشرى أومأت براسها وراحت جابت الملفات.. ويا نهار أبيض! دي مش ملفات، ده سد عالي! رزان عينيها طلعت لبره وقالت بصوت مهزوز "ده النصف؟!" بشرى طمنتها بلطف "متخافيش، ابعتي اللي تخلصيه، وأنا هقوله إني ملحقتش ألخص، كدة كدة الاجتماع لسه قدامه أسبوع." رزان هزت راسها وهي بتتحسبن في سرها وتأكد لنفسها "أسبوع؟ يعني هو قاصد يذلني بالاستعجال ده بجد!" بدأت رزان "الجهاد" قدام الشاشة. رزان تخصصها أصلاً "رياضيات"، يعني تعاملها مع الأرقام والمعادلات X + Y أسهل بمراحل من تعاملها مع كيبورد الحروف اللي كانت حاسة إنها بتلعب معاها استغماية. كانت تبص للورقة، وبعدين تدور على حرف "g".. تلاقيه في آخر الدنيا، تضغط عليه، تلاقي نفسها كتبت "j". تمسح وتنفخ، وصوابعها بدأت توجعها وتتشنج من كتر التدوير. الساعة بتدور وهي لسه في أول سطرين، وحاسة إن صوابعها بقت قد رغيف العيش من كتر الضغط الغلط. والكوميديا بقى كانت لما تسمع صوت باب مكتب مراد بيتفتح.. في جزء من الثانية، رزان تتعدل في قعدتها، تشد ضهرها اللي كان "اتكسر" وقوّس من التعب، وتعمل نفسها سكرتيرة عالمية صوابعها بتطير على الكيبورد زي عزف البيانو.. وهي أصلاً كاتبة "الموضوع" بالعافية وبخط مائل! أول ما يختفي أو يدخل مكتبه تاني، تروح رامية وشها على الطاولة وتئن بوجع "آخ يا ضهري.. آخ يا إيدي.. منك لله يا مراد، إنت عايز تخلص حق التمان سنين في يوم واحد!" اما مراد دخل مكتبه وما خرجش تاني أصلاً، ورزان فضلت "تصارع" الحروف وهي بتدعي إن اليوم ده يخلص على خير قبل ما صوابعها تضرب فيها "عرق نسا". ____ رزان كانت خلاص جابت آخرها، قامت من على الكرسي وهي بتنفخ، وبدأت تعمل تمارين إطالة لضهرها وذراعاتها وهي مغمضة عينيها وبتقول "آه يا ني ياني"، وفجأة سمعت صوت ضحكة خفيفة وراها بيقول "على فكرة.. إنتي لخبطتي بين السطور في الصفحة الأخيرة، وشكلك عكيتي الدنيا خالص!" رزان اتنفضت من مكانها وشهقت، ولفت بسرعة وهي مبرقة، ولصقت في الشاشة عشان تداري العك اللي عملته. كانت عايزة تنشق الأرض وتبلعها! رفعت راسها وبصت بملامح "باكية" وكأنها هتعيط من القهر، لقت قدامها مروان واقف بيضحك وحاطط إيديه في جيوب بنطلونه العريض الملون بستايله الـ "كول" المعتاد. أول ما استوعبت إنه مروان، اعتدلت فوراً في وقفتها ورسمت ملامح الجدية، وافتكرت إن ده شريك مراد يعني "المدير التاني". مروان ضحك أكتر لما شاف تحول تعابير وشها، وحرك إيده بحركة عفوية وقاله "يا بنتي سيبي نفسك، إحنا مش في معسكر جيش.. فكيها شوية!" مروان قرأ الاسم المكتوب على الكارت المتعلق في رقبتها وقال بابتسامة بشوشة " رزان.. أهلاً بيكي معانا في 'النواة'، أنا مروان، وسعيد جداً إني اتعرفت عليكي رسمياً." رزان ردت بابتسامة فيها توتر الدنيا كله "أهلاً بحضرتك يا فندم.. الشرف ليا." مروان سألها بمرح وهو بيبص لجبل الورق "ها.. قوليلي، الشغل عامل إيه معاكي في أول يوم؟ غرقانة ولا لسه؟" رزان ردت وهي بتحاول تبين إنها مسيطرة "كويس جداً يا فندم، الحمد لله.." وبعدين ضحكت ضحكة "غصب" كدة مكسورة، لأن حالتها ومنظرها اللي يقطع القلب مكنش بيقول إنها كويسة خالص، بس كملت بجدية "أنا بس محتاجة شوية وقت، وهتعلم بسرعة وهكون قد المسؤولية إن شاء الله." مروان أومأ براسه بتاكيد وقال "هو ده العقل السليم والتفكير الإيجابي اللي بنحبه هنا.. برافو عليكي." وبعدين سكت لحظة وسألها "بقولك إيه، هو مراد جوا لوحده؟" رزان ردت بسرعة "أيوة يا فندم لوحده، بس مش عارفة حضرتك تقدر تدخل دلوقتي ولا لأ؟ ممكن تستنى 'بشرى' هي طلعت لثواني وراجعة.." مروان فرقع ضحكة عالية وهو ماشي ناحية مكتب مراد وقالها وهو بيودعها "بشرى مين يا رزان؟ أنا عندي صلاحية 'الدخول الدائم' في أي وقت.. ده أنا اللي مربيه!" رزان نادت عليه بصوت عالي شوية قبل ما يدخل "طب حضرتك تحب تشرب قهوة؟ أعمل لحضرتك حاجة؟" مروان نفا براسه وهو بيفتح الباب "لا شكراً يا ذوق، كفاية قهوة بقا !" ودخل وقفل الباب، وساب رزان واقفة بتنفخ وهي بتبص للشاشة وتقول: "لخبطت في السطور؟ يادي النيلة السودا يا رزان.. ده إنتي يومك مش فايت!" ______ رزان كانت غرقانة في الحروف والملفات، وفجأة قطع تركيزها صوت رنة تليفون لاسلكي "ديجيتال".. بصت حواليها باستغراب "هو الصوت ده جاي منين؟ أنا معنديش تليفون هنا!" حاولت تتجاهل الصوت وتكمل كتابة، بس الرنة كانت مستمرة ومصرّة. قامت من مكانها وبدأت تدور زي القطة اللي بتدور على فار، لحد ما اكتشفت إن الصوت طالع من جوه مكتب بشرى، اللي سابته وخرجت بقالها فترة ولحد دلوقتي مجتش. وقفت رزان قدام التليفون وهي محتارة "أرد ولا ماردش؟ طب لو حاجة مهمة؟" بس رجعت وقالت لنفسها: "ما ينفعش أسيبه يررن كدة ويصدع الشركة، على الأقل أرد وأقول إن بشرى مش موجودة." وبالفعل، مدّت إيدها ببطء ورفعت السماعة، ولسه هتقول "ألو"، جيه صوته اللي حفظته صم.. صوت مراد وهو بيقول بآلية "بشرى.." رزان لجلجت في الكلام وبسرعة قالت "أنا.. أنا رزان يا فندم، بشرى مش موجودة حالياً وأول ما تـ.." لكن هو مقفلش الجملة ولا سمح لها تكمل، وقاطعها بنبرة آمرة، حادة، ومفيهاش أي مجال للنقاش "2 قهوة.. حالاً!" "طاخ".. قفل السكة في وشها قبل ما تنطق بحرف. رزان فضلت واقفة مكانها، ماسكة السماعة وباصة لها بذهول وصدمة، كأنها مش مصدقة اللي حصل: "2 قهوة حالاً؟ هو فاكرني الجرسون اللي خلفه ونسيه؟" عقدت قبضتها بقوة لحد ما ضوافرها غرزت في إيدها، وكانت بتغلي من جواها، ونفسها تروح تحدفه بالسماعة دي، بس افتكرت كلام رهف وسيطرت على أعصابها بالعافية. رزعت السماعة مكانها، وراحت ناحية ركن القهوة وهي بتبرطم بغيظ: "ماشي يا مراد.. 2 قهوة سادة زي قلبك، صبرك عليا!" ____ حضرت رزان القهوة ، شالت الصينية ووقفت قدام باب مكتبه، خدت نفس عميق وحاولت ترسم على وشها "وش البوكر" والابتسامة الصفراء الباردة عشان تداري بركان الغيظ اللي جواها. دقت الباب بصعوبة بسبب الصينية، ودخلت. لقت مراد قاعد مع مروان، والجو بينهم كان باين إنه نقاش تقيل في الشغل وحاجات تانية . رزان اتقدمت بخطوات هادية وقالت بصوت حاولت تخليه رسمي "القهوة يا فندم." راحت عند مروان الأول وحطت قدامه الفنجان، مروان بصلها بابتسامة حيوية وقال وهو بيشكرها "تسلم إيدك يا رزان.. " وبعدين بص لمراد وكمل "والله يا مراد فكرة المساعدة دي جت في وقتها، كدة بشرى ترتاح شوية.. ومن جهة تانية واضح إن رزان شاطرة ومصحصحة." مروان غمز لها بعينه وكأنه بيشجعها وببيحسن صورتها قدام المدير "التنين". رزان أومت براسها بشكر، وراحت عشان تحط الفنجان التاني قدام مراد، لكن صدمها لما اتكلم ببرود قاتل وهو باصص لمروان ومش باصص لها أصلاً، وقال "المشكلة يا مروان إن الواحد صعب يعتاد على معاملة أقل من اللي اتعود عليها.. بشرى ذكية جداً، كانت إيدي اليمين ومكنتش بحتاج أطلب منها الحاجة عشان تنفذها، كانت بتفهمها وهي طايرة.. دلوقتى بقى مضطر أصبر لحد ما 'الباقي' يتعلم الأصول." رزان حست كأن حد ضربها قلم. فهمت فوراً إنه بيلقح عليها عشان "مروان" لما سألته في الطرقة عن القهوة قال "لأ"، فهو دلوقتى بيعمل فيها المدير المحنك اللي بيعلمها إنها مكنش المفروض تسمع كلام مروان وتجيب القهوة برضه! عضت شفايفها بغيظ مكتوم، وكانت خلاص هتلف وتمشي وتسيبه، لكن وقفها صوته العملي وهو بيسألها من غير ما يرفع عينه من على الورق "الشغل وصل لفين؟" رزان ردت بمنتهى العملية وهي بترسم نفس الابتسامة الصفراء "شغالة عليه يا فندم، وهيكون على مكتب حضرتك في المعاد." استأذنت وخرجت قبل ما تنفجر في وشهم. أول ما الباب اتقفل، مراد رسم على وشه ابتسامة باردة أما مروان فسند خده على إيده ورجع بضهره على الكرسي وقال بذهول "إيه يا بني ده؟ إنت مدير صارم فعلاً! مكنتش متخيل إنك هتكون بـ 'النشوفية' دي من أول يوم.. البنت لسه بتسمي!" مراد رفع حاجبه وسأل مروان "ليه.. هي اشتكتلك ولا قالت حاجة؟" مروان رد ببساطة "لأ مقالتش، بس وشها كان بيجيب ألوان وهي خارجة.. براحة عليها شوية يا مراد." في الوقت ده، رزان كانت شافت بشرى رجعت مكتبها، ابتسمت لها بتكلف، وراحت قعدت على كرسيها وهي حاسة إن دمها "بيغلي". أصابعها كانت بتترعش من القهر، والاحتراق اللي جواها ده طلع كله في الكيبورد. بدأت تكتب وتكتب بسرعة جنونية، وصوت خبط صوابعها على الزراير بقى عامل زي ضرب النار. وقالت في سرها بتحدي: "بقى إنت عايز تذلني يا مراد عشان تطردني؟ طيب وحياة أمي ما هسيبلك الفرصة دي.. أنا اللي هثبت نفسي وأوريك رزان تقدر تعمل إيه، وبعدين أنا اللي هرمي الاستقالة في وشك وأمشي بمزاجي!"