الفصل السادس
طلعت رزان من باب الشركة وهي حاسة إن الأرض بتلف بيها، مش مصدقة اللي شافته جوه. وقفت ثواني تلم شتات نفسها، ورفعت راسها تبص للشعار الفضي الضخم المعلق على المبنى الزجاجي.
"مراد؟" همست لنفسها بذهول. "لحق يعمل كل ده امتى؟ يعني البرنامج اللي كان بيسهر عشانه بالليالي وكنت بقول عليه 'سخيف' هو اللي وصله للقمة دي؟"
حست بوجع في قلبها وهي بتفتكر إنها سابته في عز محنته، والقدر النهاردة قرر يقرص ودنها ويوريها إن "الحظ" مش بس بيسقط من السماء، ده نتيجة تعب السنين اللي هي محتضرتش نهايتها. أما حكاية الـ 48 ساعة انتظار، فدي كانت بالنسبة لها نكتة سمجة؛ مراد أكيد مش هيقبلها، هو حتى مابصش في وشها، وكأنه بيبعتلها رسالة صامتة: "زي ما بعدتي زمان.. ابعدي دلوقتي".
وهي واقفة برا الشركة بشوية ، موبايلها رن.. كانت رهف، الصديقة اللي دبرتلها المقابلة دي.
رزان سألتها بصوت مرتعش شوية
"عملتي إيه يا رهف؟"
رهف ردت استغراب
"عملت إيه في إيه؟ نيمت رائد "
رزان ضحكت غصب وقالت
"حلو.. نومة الهنا لحبيبي "
وكملت بشوية جدية مع شوية ذهول مع شوية صدمة
"بس مش ده قصدي.. إنتي عارفة مدير الشركة اللي كنتي عاوزاني أشتغل فيها يطلع مين؟"
رهف بجهل
"لا! مين؟ بتعرفيه ؟"
رزان نطقت الاسم وكأنها بتنطق حكم إعدام
"مراد.."
رهف
"مراد مين؟"
رزان بعصبية وتوتر
"مراد يا رهف!"
لكن رهف واضح مخها بقى سميك وذاكرتها باظت مع الولادة والرضاعة فوضحت
" 'إكسي'.. اكسي ! مراد اللي كنت بخرج معاه وأنا عيلة "
رهف شهقت من الصدمة، صوتها طلع بالعافية
"يا لهوي! مراد اللي سبتيه عشان دكتور الجامعة ؟"
رزان ردت بسخرية
" ايوه هو "
رهف بعدم تصديق
"مراد الغلبان ده بقى مدير 'النواة المتقدمة'؟ ده جوزي بيقولي إن المدير هناك شخص ناجح جداً ومحترم وبيساعد الموظفين وبيوظف ناس بس عشان يسترهم.. إيه الصدفة دي!"
رزان بسخرية من الواقع
"أدي الصدفة يا ستي.. هو بقى مدير زمانه، وأنا جاية أشحت منه وظيفة."
رهف ضحكت غصب على نبرة رزان وبعد شوية احاديث قفلت مع رهف وهي مخنوقة، خدت نفس عميق وبصت لباب الشركة لآخر مرة عشانها بجد آخر مرة ، ومشت في طريقها لموقف الأتوبيس عشان ترجع لواقعها القديم.
ترجع الحي!
مش دارية باللي واقف يبص عليها من ورا الزجاج ...
في الوقت ده، كان مراد واقف ورا الزجاج العازل في مكتبه، عاقد ذراعيه لصدره، وعينه بتراقب خيال رزان وهي بتبعد وتصغر في الشارع، وملامحه كانت عبارة عن لوحة من الجمود، مفيش أي تعبير يفسر اللي جواه.
وراه كان سامر ومروان بيتناقشوا . مروان كان زهقان وقال بنفاد صبر
"يا جماعة إحنا مكبرين الموضوع ليه؟ دي مساعدة سكرتيرة! يعني سكرتيرة السكرتيرة.. ومش حتا سكرتيرتي او سكرتيرتك ( اشر على سامر) ما يختار مراد اللي تعجبه ونخلص!"
سامر رد بجدية وتوضيح وهو بيرفع نظارته
"يا مروان إفهم، دي اللي هتكون محل 'بشرى' بعدين. وبشرى مش سكرتيرة وخلاص، دي كانت الإيد اليمين لينا كلنا من أول يوم. وعشان هي حامل، مراد عاوز حد يتعلم منها الشغل بجد عشان لما تغيب تقعد مكانها وتدخل معانا الاجتماعات وتقابل الناس"
سامر بص لمراد اللي رجع قعد على كرسيه ببرود وسأله "إيه رأيك يا مراد؟ أنا شايف 'نور' ملفها كامل ومناسب جداً."
مراد رفع راسه وهو بياخد ملف نور يقراه وسأل سامر بهدوء مريب
"هو ماله صاحبك مستعجل كدة ليه؟"
سامر هز كتافه، ومروان ضحك ضحكة متوترة وهو بيحس بموبايله بيهتز في جيبه
"مش حكاية مستعجل ، أصل.. أصل فيه طلبية طلبتها ووصلت، ولازم أستلمها بنفسي."
مراد زفر بقلة حيلة وسابه يمشي، وهو عارف — هو وسامر — إن مروان بيكذب والقصة مش طلبية خالص. اما مروان خرج بسرعة، سلم على بشرى اللي كانت قاعدة غرقانة وسط الملفات، ونزل ركب عربيته الرياضية الغالية اللي لونها برتقالي فاقع زي شعره.
أول ما دور العربية ورد على الموبايل، نبرة صوته اتغيرت تماماً، بقت ناعمة وكأنه بيصالح طفل
"أيوة يا حبيبتي.. والله في الطريق."
جاله صوت بنت من السماعات، باين إنها متضايقة جداً "هستنى كام ساعة زيادة يعني؟"
مروان بابتسامة وهو بيدوس بنزين ومنطلق بسرعة "خلاص يا روحي، خمس دقايق وأكون عندك.. متبقيش قفوشة كدة!"
______
الوقت كان وقت المغرب، والدنيا بدأت تضلم والحي الشعبي بدأ يهدى شوية من دوشة النهار. رزان كانت ماشية بخطوات تقيلة، حاسة إن جبال فوق كتافها وهي بتطلع سلالم العمارة المتهالكة، لحد ما وصلت لباب الشقة اللي لسه، وبعد 8 سنين، محبوسة فيها مع أمها وخالها.
فتحت الباب بالمفتاح ودخلت، وأول حاجة وقعت عينيها عليها كانت "المنظر المعتاد"...
خالها مهدي متسطح على نفس الأريكة اللي مابتتغيرش، فاتح التلفزيون على برنامج رياضي وصوت المعلق عالي، وماسك كيس بذر شغال فيه "تأزأزة" ورمي قشر، ولا كأن فيه بني آدمين معاه.
رزان بصت له بقرف وهي بتفكر في سرها
"يا ربي.. الراجل ده عايش ملك، لا شايل هم ولا غم، وأنا اللي بلف كعب داير على الوظايف وبتهان في المقابلات!"
مهدي أول ما شافها، رمقها بنظرة مستفزة من تحت لفوق، وسألها ببرود وهو بيبصق قشرة بذر
"ها يا ست العريفة؟ عملتي إيه في الشغلانة اللي كنتي رايحة لها ؟ وافقوا عليكي ولا طردوكِ كالعادة؟"
رزان ردت عليه بتهكم ومرارة وهي بتنزع شنطتها من على كتفها
"ان شاء الله مايقبلونيش .. عشان ما تشوفش مني فلس واحد، وتفضل كدة تأزأز بذر وتتفرج على الكورة لحد ما سنانك تقع!" كملت كلامها وهي بتبص له بتحدي وعينيها بتطق شرار، بس هو اكتفى بضحكة صفرا ورجع بص للتلفزيون.
في اللحظة دي طلعت رتيبة من المطبخ وهي بتنشف إيدها في فوطة المطبخ، وشها كان كله لهفة وأمل، وقربت من بنتها وسألتها بصوت واطي
"أهلاً يا حبيبتي.. حمد لله على السلامة. ها يا رزان، طمنيني يا بنتي، عملتي إيه في المقابلة؟ الناس قالولك إيه؟"
رزان بدأت تفك توكة شعرها بتعب، وردت ببساطة ميتة
"ما حصلش "
رتيبة برقت عينيها باستغراب
"ليه بس يا بنتي؟ إيه القصة؟ ده إنتي قايلة إن الشركة كبيرة ومحتاجين ناس، وإنتي معاكي شهادتك ومعاكي لغة، ينقصك إيه يعني؟"
رزان سابت شعرها يسقط على كتافها بتلقائية، وبصت لأمها نظرة خالية وقالت
"القصة إن مفيش قصة يا ماما.. واضح إن الشغل ده مش ليا، والمكان ده مش مكاني. الشهادة دلوقتي ما بتعملش حاجة، الدنيا اتغيرت.. الناس دلوقتي بتدور على اللي دارس بره، واللي عنده مهارات تكنولوجية معقدة، واللي عنده 'واسطة' تهز جبال.. وأنا معيش غير ورقة مكتوب عليها خريجة، وسيرة ذاتية كلها ثقوب."
رتيبة فضلت واقفة مكانها، مذهولة من كلام بنتها ومن النبرة اللي مفيهاش حتى محاولة للتمسك بالأمل. بصت لرزان وهي داخلة أوضتها، وبعدين لفت بصت لأخوها مهدي اللي أول ما حس بنظراتها، سحب عينيه بسرعة ورجع يتابع الماتش ببرود وكأن الموضوع ما يخصوش.
أما رزان، فأول ما قفلت باب أوضتها، رمت نفسها على السرير. مكنتش زعلانة ولا بتعيط، لأنها من جواها كانت عارفة إن الطريق ده مسدود من قبل ما تبدأه.
______
واقفة قدام باب الجامعة، الوقت كان خلاص داخل على المغرب والدنيا بدأت تفضى والطلبة بدأت تروح.
كانت طالعة زي القمر، لابسة "كارديجان" صوف طويل بلون "بيج" دافي، وتحته شميز أبيض بسيط وبنطلون جينز أزرق فاتح. سايبة خصلات شعرها نازلة برقة على كتافها، وماسكة كتبها في إيدها والشنطة الكروس على كتفها..
فجأة، وقفت قدامها العربية اللي تخطف العين بلونها البرتقالي الفاقع، ونزل منها "مروان" بكامل شياكته وهيبته، والابتسامة مش مفارقة وشه. أول ما شافته، لوت بوزها وملامحها "امتعضت" بتمثيل، وهو قرب منها بسرعة وهو بيضم إيديه لبعض كأنه بيعتذر وبيترجاها
"حقك عليا يا حبيبتي.. والله غصب عني، متزعليش إني سبتك تستني كل ده!"
بصت له بطرف عينها وقالت بدلال
"على فكرة بقى، الوقت اللي ضاع مني وأنا واقفة هنا كان زماني رجعت فيه البيت، وأخدت شاور، وراجعت محاضرة كمان.. إنت مابتلتزمش بمواعيدك أبداً يا مروان!"
مروان ضحك من قلبه وبص لها بحنية وتأسف تاني، وراح فتح لها باب العربية "البرستيج" عشان تركب
"خلاص بقى يا ست الدكتورة، اطلعي وأنا هصالحك.. وبعدين الغلط مش غلطي، دي غلطة أخوكي!"
ركبت وقفلت الباب، وأول ما هو ركب وشغل الموتور سألته باستغراب
"أبيه؟ ماله أبيه مراد؟ "
مروان داس بنزين وانطلق وهو بيقول بزهق مصطنع
"أخوكي يا ستي حشرني وحشر سامر معاه عشان يقابل ستين مرشحة لوظيفة مساعدة بشرى.. مكنش راضي يخلص، وكل شوية يدقق في ورقة ويسأل سؤال.. حسيت إننا بنعين وزير مش مساعدة سكرتيرة!"
رنيم شهقت بضحكة خفيفة، ومروان كمل وهو بيبص لها بشقاوة وحب
"وأنا طبعاً مكنتش عارف أهرب منه إزاي عشان أجيلك.. تفتكري كنت هتأخر عليكي بمزاجي يا قلبي؟"
رنيم غصب عنها ابتسمت، هي عارفة إنه "بيثبتها" بكلامه المعسول بس قلبها كان بيدوب من طريقته. ضحكت وقالت له
"ماشي يا سيدي، سماح المرة دي.. بس بشرط، تاخدني نأكل أي حاجة دلوقتي عشان أنا هموت من الجوع، والوقت اتأخر."
مروان أومأ براسه ووافق فوراً، وبعدين سألها فجأة
"بقولك إيه.. إيه رأيك نطلب الأكل 'تيك أواي' وناكله هنا في العربية وإنا بنتمشى؟"
رنيم برقت عينيها بدهشة وضحكت بصوت عالي:
"إيه؟ ناكل في العربية؟ مش ده مروان اللي بيخاف على فرشه وعربيته أكتر من عينه؟ ده إنت كنت بتمنعني أشرب مية لتدلق على الكراسي!"
مروان ابتسم بحب وهو بيبص لها وقال
"مش كل مرة طبعاً.. بس المرة دي استثناء عشان خاطر عيونك، وعشان أنا اللي اتأخرت عليكي.. فداكي العربية وصاحب العربية يا ستي."
ابتسمت ابتسامة عريضة وحست إن الدنيا مش سايعاها من الفرحة
ملامحها لسه فيها براءة رنيم بتاعة زمان، بس كبرت وبقت آنسة شيك وطالبة جامعية ليها حضورها، ولسه بتشبه أخوها مراد جداً في رسمة العين والابتسامة.
مراد أخوها نجح وبقى في السما، وهي لقت اللي يحبها ويصونها، ومروان طلع هو "صمام الأمان" اللي بيعوضها عن أي تعب.
______
كان يوم طويل في الشركة، والشمس اختفت خلاص والدنيا ليلت ...
مراد كان طالع وخطواته فيها التعب بتاع يوم مليان اجتماعات وقرارات مصيرية، كان ماسك جاكيته الأسود في إيد، والحقيبة الجلدية اللي فيها اللابتوب والملفات في الإيد التانية، ناوي يكمل شغله في هدوء البيت.
وهو بيقرب من الباب الرئيسي، لقى حد واقف مستنيه وبيرتبك أول ما شافه. مراد ميزه على طول؛ ده "الأستاذ رضا" اللي شغال في قسم الشؤون المالية.. راجل مجتهد وفي حاله.
مراد وقف وسأله باستغراب وهدوء
"أستاذ رضا؟ خير.. فيه حاجة مش تمام في الحسابات؟ حصلت مشكلة وأنا مش عارف؟"
رضا اتلخبط وبدأ يفرك إيده ببعض وقاله بصوت واطي
"أبداً يا مستر مراد، والله الشركة زي الفل.. أنا بس بعتذر جداً إني وقفتك في وقت زي ده وبعد يوم تعب طويل، بس كنت.. كنت حابب أطلب من حضرتك طلب شخصي."
مراد فهم من نبرة صوته إن الحكاية مش "بيزنس"، وإن رضا محرج جداً. شاور له على كرسي قريب من الشركة وقاله بكرم أخلاق
"ولا يهمك يا أستاذ رضا.. تعال نقعد دقيقتين وقولي اللي في نفسك."
رضا قعد وهو مش مصدق إن المدير التنفيذي بكل انشغاله فضاله وقت، وبدأ كلامه بمقدمة كلها تقدير
"حضرتك عارف يا فندم إننا كلنا بنحبك، وحضرتك رئيس رائع.. وليك أيادي بيضا على شباب كتير لسه متخرجين وظفتهم وفتحت لهم بيوت، وعشان كدة أنا طمعت في كرمك.. أنا عارف إني أناني بطلبي ده بس.."
سكت رضا لحظة وخد نفس، وبعدين كمل
"بتمنى لو حضرتك تلقي نظرة تانية على ملف الآنسة 'رزان'.. اللي كانت في المقابلة النهاردة . ..عارف انه في كتير قدموا ...بس هي كانت واحدة منهم "
أول ما الاسم طلع من لسان رضا، مراد رفع حاجبه الشمال بحركة لاإرادية، وعينيه لمعت ببرود غريب، بس محركش ساكن ولا قاطع رضا.. سابه يكمل وهو بيسمع بكل جوارحه.
رضا كمل بضيق شوية
"والله يا مستر مراد أنا مكنتش أحب أجي أتوسط لحد، بس دي صديقة عمر لمراتي ، و مراتي قالتلي إنها بتمر بضائقة مالية صعبة جداً، ومن يوم ما اتخرجت وهي مش لاقية شغل ثابت يصونها.. فقولت لو حضرتك تشوف ملفها تاني، يمكن يكون ليها نصيب معانا."
رضا قام وقف بسرعة وهو بيحني راسه باحترام
"أنا كدة قولت اللي عندي، وآسف مرة تانية على الإزعاج.. ليلة سعيدة يا فندم."
ومشي رضا وهو حاسس إنه شال حمل تقيل من على كتافه.
أول ما رضا بع من باب طلع موبايله واتصل فوراً بزوجته.
جاله صوت "رهف" وهي بلهفة
"أيوة يا رضا.. عملت إيه ياحبيبي؟ كلمته؟"
رضا اتنهد وقالها
"أيوة يا رهف، كلمته وقولتله كل اللي طلبتيه مني بالحرف.. بس دي آخر مرة يا رهف، أنا ماليش في سكة الوسايط دي والراجل مقامه كبير وما يصحش أحرج نفسي معاه أكتر من كدة."
رهف طارت من الفرحة وصوتها بقى كله حنية
"يا حبيبي تسلملي، والله إنت بطل ورزقك واسع.. خلاص ولا تزعل نفسك، ارجع بقى بسرعة عشان عملتلك الأكلة اللي بتحبها ومستنياك.. يلا يا بطل!"
رضا ابتسم غصب عنه، والرضا بان على وشه وهو راكب عربيته وراجع لبيته ، سايب مراد في مكانه...
______
يومين بالتمام والكمال عدوا على المقابلة.. رزان كانت "نفضت" فكرة الشركة دي من دماغها خالص، ودفنتها مع بقية أحلامها الميتة. رجعت لروتينها "المطحون" اللي بياكل يومها من أوله لآخره؛ الصبح واقفة على رجليها في محل هدوم، وبالليل بتجلي صحون في مطعم عشان تقدر تسد مصاريف البيت وقرف خالها.
كانت واقفة قدام الحوض، البخار مالي المكان وصوت المية قوي، وحاطة السماعات في ودنها بتسمع موسيقى تفصلها عن العالم. فجأة، المزيكا قطعت وصوت رنة تليفون اخترق ودنها.. حاولت تنشف إيدها من الرغوة بسرعة عشان تلحق ترد، بس المكالمة فصلت قبل ما تلمس الشاشة.
بصت في الموبايل لقت رقم غريب، فكرته شركة دعاية ولا حد غلط، بس فجأة جت لها رسالة "SMS" خلت قلبها يقع في رجليها.
"بشأن منصب مساعدة السكرتيرة في شركة النواة المتقدمة.. يرجى الحضور للشركة لاستلام مهام عملك، فقد تم قبولك."
رزان بربشت بعينيها كذا مرة، ومسحت وشها بتوتر، ورجعت قرأت الرسالة كلمة كلمة كأنها بتفك شفرة. في الأول قرأتها بلا مبالاة، بس لما استوعبت، الأسئلة بدأت تنهش في دماغها زي الدود.
"مستحيل! مراد وافق عليا؟"
" لا!! .. مراد مبيعملش حاجة ببساطة كدة! "
"معقول إنه بيخطط لحاجة؟ "
" ولا ... ولا ... عايز ينتقم مني ويذلني ويوريني الفرق بين سماه وأرضي كل يوم؟"
بسرعة بعتت رسالة لرهف تسألها لو كانت فاضية، مفيش دقيقتين ورهف اتصلت
"مالك يا رزان؟ في إيه؟ حصل حاجة؟"
رزان ردت وصوتها مهزوز
"رهف.. أنا بتهيألي مراد اتجنن رسمي!"
رهف استغربت
"اتجنن ليه يا بنتي؟ بتقولي ايه ؟"
رزان باستنكار
"بعتولي رسالة وقبلوني في الشغل!"
رهف ببرود وفرحة
"طيب دي حاجة تفرح يا مجنونة! فين المشكلة بقى؟"
رزان بدأت تصرخ بصوت واطي عشان محدش يسمعها في المطعم
"المشكلة يا رهف إن العقل بيقول مستحيل! يعني هو رفض كل المترشحات اللي معاهم دبلومات ولغات ودارسين بره، ورضي بيا أنا؟ أنا اللي مش فاكرة حتى كلمتين من اللي قريتهم في الجامعة؟ أنا حاسة إنه فيه فخ.. فيه حاجة ورا الموضوع ده!" وكملت وهي تدور على نفسها
" لا أنا شكلي هرد على الرسالة واقول مش جاية!"
رهف بدأت تهديها وتتكلم معاها بلغة العقل
"يا رزان بطلي جنان! ترفضي إيه؟ ده شغل العمر! الشركة دي اللي بيعدي من قدام بابها بيبقى محظوظ. وبعدين لو خايفة من مراد، إنتي هتشتغلي مع السكرتيرة بتاعته، يعني احتكاكك بيه هيكون في أضيق الحدود. خليكي ذكية يا رزان.. إنتي عارفة إن مفيش شركات تانية هتوظفك بالوضع ده، اشتغلي هناك، اكبسي على قلبك، واكسبي خبرة.. حتى لو حبيتي تمشي بعدين، اسم 'النواة المتقدمة' في السي في بتاعك هيفتحلك أبواب بنوك!"
رزان سكتت شوية، وبدأت تفكر في كلام رهف. فعلاً، مصلحتها فوق أي شعور بالخوف أو الكرامة المجروحة دلوقتي. هي محتاجة الفلوس، ومحتاجة تخرج من مستنقع المطاعم ده.
اتنهدت وقالت لرهف
"عندك حق يا رهف.. أنا لازم أروح. اللي يحصل يحصل، مش هيكون أسوأ من اللي أنا فيه دلوقتي."
قفلت مع رهف وهي بتبص لصوابعها اللي كرمشت من مية الغسيل، وقررت إن دي هتكون آخر ليلة ليها في المطبخ ده. بكرة هتروح لمراد.. بس المرة دي مش كحبيبة، المرة دي كـ "موظفة" مستعدة لآي حرب باردة هو ناوي يبدأها