الفصل الخامس والأربعون: فلسفة السوق
لم يتحرك ياسين فور انتهاء كلامه السابق.
كان الحاج مصطفى ما يزال واقفًا عند حدود ما سمع، كأن الكلمات لم تصل بعد إلى نهايتها داخله.
قال ياسين أخيرًا، بصوت أقل حدّة، وأكثر عمقًا:
السوق ليس أرقامًا كما تظن.
ولا عقودًا تُوقّع ثم تُنسى.
السوق كائن حي.
توقف قليلًا.
تخيله جدولًا.
الناس هم ضفّتاه.
والماء… هو المال.
رفع عينيه نحو الحاج مصطفى.
إن جفّ الماء، مات الناس.
وإن فاض بعنف، جرفهم.
وظيفة التاجر ليست أن يحتكر الماء، بل أن يُبقيه جاريًا، متوازنًا، يصل للجميع دون أن يغرق أحدًا.
ساد صمت قصير.
أنت لم ترَ في السوق إلا الماء.
نسيت الضفّتين.
ولهذا، كلما ازداد المال بين يديك، ازداد الخراب حولك.
تنفّس ياسين ببطء، ثم قال:
لهذا جئت اليوم لا لأُسقطك… بل لأنهي وجودك في السوق.
اتسعت عينا الحاج مصطفى، لكن ياسين أكمل دون تردد:
سأغطي كل ديونك.
كلها، دون استثناء.
سأُغلق الملفات التي تطاردك، وأمنع السجن من أن يقترب منك خطوة واحدة.
توقف.
ثم أضاف:
وسأضمن لابنتك سلمى حياة كريمة.
راحة، أمان، واستقرار لا ينقصها شيء.
كان الاسم ثقيلاً في الغرفة.
لكن…
رفع ياسين صوته قليلًا، لا غضبًا، بل حسمًا:
من هذه اللحظة، تُمنع من أن تكون تاجرًا.
تُمنع من إدارة أي عمل، أو التدخل في أي سوق، أو اتخاذ أي قرار مالي يؤثر على الناس.
صمت.
ثم قال بهدوء قاسٍ:
سأمنحك أجرًا يكفيك لتبقى على قيد الحياة ما بقيت.
لا أكثر.
لا نفوذ، لا صفقات، لا سلطة.
اقترب بنظره أكثر.
أنت لا تُخطئ داخل السوق…
أنت تُفسده بمجرد وجودك فيه.
لم يكن في صوته شماتة.
ولا انتصار.
كان حكمًا صدر وانتهى.
بقي الحاج مصطفى صامتًا، كأن كل ما بناه طوال حياته اختُزل في جملة واحدة:
لم يعد لك مكان هنا.
ياسين نهض ببطء.
قال قبل أن يدير ظهره:
السوق سيشفى حين تخرج منه.
وهذا… آخر قرار أتخذه باسم الجميع.
وتركه هناك،
وحيدًا،
بلا مال،
بلا سلطة،
وبلا جدول يعود إليه.