الفصل 44: ما قيل… وما تُرك للصمت
ظل ياسين جالسًا للحظة دون أن يتكلم.
كان الحاج مصطفى يراقبه، ينتظر، يتوجس.
الصمت طال قليلًا… ثم قال ياسين:
رغم أنك كنت السبب في مقتل والدي، ورغم ما تركه ذلك في داخلي من حقد لم أطلبه ولم أختَره، لم أكن يومًا أسعى للانتقام منك.
توقف.
نظر إليه مباشرة.
كان بيدي ما يكفي لإدخالك السجن.
أوراق… عقود… شهادات.
أشياء لو خرجت إلى العلن لانتهيت في يوم واحد.
سكت مرة أخرى، كأنه يترك للكلمات أن تستقر.
لكنني أحرقتها.
ليس لأنك تستحق، بل لأن السوق لا ذنب له، ولأن الفوضى لا تميز بين مذنب وبريء.
لو كنت أبحث عن الانتقام، لفعلتها دون تردد، وشفَيت غليلي كما يفعل الضعفاء حين تُتاح لهم الفرصة.
تنفّس بعمق، ثم أكمل بصوت أخفض:
أنت، في المقابل، فعلت كل شيء لتدميري.
حاربتني في الخفاء، أفسدت الصفقات، لوّثت السوق، واستعملت المال سلاحًا.
كل ما فعلته ظننت أنه سيكسرني… لكنه عاد عليك وحدك.
صمت.
ارتسم توتر خفيف على وجه الحاج مصطفى.
احتكرت الدواء، فثار الناس.
أنا فتحته، فهدأوا.
اشتريت بيوت الفقراء لتربح، فخسروا الأمان.
أنا وفّرت لهم مأوى، فربحت ثقتهم.
توقف ياسين، كأن شيئًا أثقل صدره.
أعمالك جلبت الخراب للناس.
وأفعالي أصلحت ما أفسدته.
ليس لأنني ملاك، ولا لأنني أبحث عن صورة، بل لأنني اخترت طريقًا مختلفًا.
رفع رأسه قليلًا.
أنت كنت تبني سقوطك خطوة خطوة،
وأنا كنت أبني شيئًا لا يعتمد عليك أصلًا.
نسيت الإنسان، فخسرت كل شيء.
وأنا لم أنسَ… لا الناس، ولا والدي.
ساد صمت ثقيل في المكتب.
صمت لم يعد يحتاج إلى كلام.
ياسين لم يبتسم، ولم ينهض.
ترك الحقيقة واقفة بينهما…
ثم انتظر.