الفصل الأربعون: الغليان
المدينة كانت على حافة الانفجار.
الشارع لم يعد مكانًا للمرور أو للقاء، بل ساحة تتراكم فيها الصرخات، الغضب، والخوف.
كل زاوية كانت تحمل همس الغضب، وكل نافذة كانت شاهدة على وجوه قاسية، تنتظر الشرارة.
الحاج مصطفى لم يتراجع. رفع الأسعار أكثر، فرض رسومًا جديدة على الخدمات الأساسية، واستمر في توزيع المخاطر على الناس الذين لم يعد لديهم مكان يلجؤون إليه.
أرقام الخسائر كانت تتصاعد، والقلوب كانت تتشنج تحت وطأة الفقر والتهديد بالتشرد.
في المقاهي والأسواق، أصبح الحديث عن الحاج مصطفى لا ينتهي.
— لقد استولى على كل شيء!
— الناس بلا منازل!
— سنضطر لمواجهة…
في الوقت نفسه، ياسين كان يسمع الأخبار تتدفق بلا توقف، من أصدقاء، من موظفين، من جيران متأثرين.
كل قصّة عن منزل خسر، أو أسرة مهددة، أو طفل بلا مأوى، كانت تثقل قلبه. لكنه لم يتحرك بعد.
كان يراقب، يحلل، يزن كل خطوة، يعلم أن أي حركة غير محسوبة يمكن أن تزيد المأساة أو تخسره كل مصداقيته.
في المقابل، الحاج مصطفى جلس في مكتبه، محاطًا بأوراقه ودفاتره، لكنه لم يبتسم.
كان يعرف أن الناس يغليون، أن الغضب يتصاعد، وأن المدينة بأكملها على وشك الانفجار.
لكنه لم يكترث سوى لشيء واحد: كيف يحافظ على سلطته، حتى لو كان الثمن خراب حياة الآخرين.
الشارع صار مرآة للغليان، والبيت أصبح مساحة للصمت الثقيل، والقلوب تنتظر.
الضغط لم يعد احتمالًا، بل واقعًا ملموسًا، يتنفس من كل جانب، يضغط على الجميع.
في هذه اللحظة، لم يعد هناك من يملك القدرة على السيطرة، إلا أن الأحداث لم تصل بعد إلى ذروتها.
كان الجميع، الحاج مصطفى، ياسين، الناس، يقفون على حافة لحظة واحدة، يمكن أن تغيّر المدينة بأكملها، وتكشف عن القوة الحقيقية لكل شخصية.