الفصل التاسع والثلاثون: الحي المهدد
لم يكن الحي كما كان قبل أيام.
البيوت القديمة، الشوارع الضيقة، المحلات الصغيرة التي تعود الناس عليها منذ سنوات، كلها صارت تحت رحمة قرار واحد.
الحاج مصطفى اشترى الحي بالكامل، بطريقة رسمية على الورق، لكن طريقة البيع كانت مريبة.
أعاد تقسيم العقارات، رفع أسعار الإيجارات بشكل هائل، وفرض شروطًا صعبة على من بقي من السكان.
أي مستأجر لم يكن قادرًا على دفع المبلغ الجديد، كان مهددًا بفقدان منزله فورًا.
الناس كانوا في صدمة.
أسر بأكملها وجدت نفسها على حافة التشرد، تبحث عن مأوى أو مساعدة لم تعد موجودة.
الأطفال يلعبون في الأزقة الضيقة، دون أن يدركوا أن كل جدار، وكل باب، سيصبح غدًا حائطًا باردًا بلا مكان لهم.
حتى التجار الصغار في الحي لم ينجوا. المحلات التي عملوا فيها سنوات أصبحت قيمتها مفروضة بشكل تعسفي، وأي اعتراض كان يعرضهم للفقدان.
لم يكن هناك أحد قادر على مساعدتهم.
الدولة، المشغولة بالوباء والفوضى، لم تجد الوقت للتدخل، والقوانين البيروقراطية لم تكن فعالة أمام هذا النوع من المناورات.
في كل زاوية، كان هناك همس واحد يتكرر:
— لا نملك شيئًا… لا منزل، لا أمان، لا حق.
الحي بأكمله أصبح ضغطًا صامتًا يثقل على النفوس، يختبر قدرة الناس على الصمود.
أما الحاج مصطفى، فكان يراقب النتائج من بعيد، بلا شعور بالذنب، وكأن كل دمعة، كل خوف، كل وجع، هو مجرد رقم آخر في دفتر الحسابات.
في هذه الأثناء، كان ياسين يسمع صدى الأزمة، يرى الصور، يسمع القصص من أصدقاء وأقارب متضررين، ويشعر بالثقل المتزايد على قلبه. لكنه لم يتحرك بعد، لم يجد الوقت المناسب بعد، وكل شيء كان يتجمع في الهواء، كساعة على وشك الانفجار، لا أحد يعرف متى ستدق، ولا ما ستتركه وراءها.