نهر بلا دماء - الفصل 38: ما قبل السقوط - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 38: ما قبل السقوط

الفصل 38: ما قبل السقوط

جلس الحاج مصطفى وحده في مكتبه الواسع. الستائر نصف مغلقة، والضوء يتسلل بخجل، كأنه لا يريد أن يشهد ما يدور في رأسه. لم يكن الغضب وحده ما يسكنه، بل شيء أعمق منه. تأملٌ ثقيل، ممزوج بقلق لم يعترف به من قبل. مرّ شريط الأحداث في ذهنه بوضوح مزعج: الصيدليات الجديدة، انخفاض الأسعار، تراجع نفوذه، وتحوّل الناس عنه دون تردد. اسم واحد كان يتكرر في رأسه بإلحاح: ياسين. قال بصوت منخفض، كأنه يخاطب نفسه: — لم يفعلها من أجل الناس… ثم سكت لحظة، وأكمل بنبرة أشد قسوة: — هو يعرف. نهض من مكانه، وبدأ يتمشى ببطء. كل خطوة كانت تثبت له ما حاول تجاهله طويلًا: ياسين لم يكن مجرد منافس. كان ابن الرجل الذي سقط بسببه كل هذا البناء. قال وهو يضغط على قبضته: — يريد تدميري… — يريد أن يأخذ كل شيء، كما أُخذ أبوه. توقف عند النافذة. المدينة في الأسفل بدت هادئة، لكنها لم تعد خاضعة كما كانت. لم يعد يملك السيطرة الكاملة، ولا الخوف الذي كان يحكم به الناس. لم يسمح لنفسه بالانهيار. الحاج مصطفى لم يصل إلى هذا المكان بالصدفة، ولن يسقط بسهولة. جلس مرة أخرى، وبدأ يفكر بعقل بارد. ليس كيف ينتقم… بل كيف ينجو. قال في نفسه: — المواجهة المباشرة خاسرة. — عليّ أن أضرب دون أن أظهر. أخرج دفتراً قديماً من درج مكتبه. أسماء، معاملات، علاقات لم تُستعمل منذ سنوات. أوراق كان يحتفظ بها ليوم كهذا. ابتسم ابتسامة قصيرة، لا تحمل فرحًا، بل نية. — سأدمره… لكن في الوقت المناسب. — وقبل ذلك، سأُنقذ نفسي من السقوط. في تلك اللحظة، لم يكن الحاج مصطفى يفكر في الناس، ولا في الدولة، ولا حتى في السوق. كان يفكر في شيء واحد فقط: كيف يحوّل الهزيمة المؤقتة إلى معركة أخيرة. ومع هذا التفكير، بدأ فصل جديد من الصراع… أكثر هدوءًا، وأكثر خطورة.