الكسندرا - 🦋انها انا🦋 | روايتك

اسم الرواية: الكسندرا
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 🦋انها انا🦋

🦋انها انا🦋

اليوم بدا كأي يوم في هذا الشهر الطويل، إلا أنني كنت أشعر بتعب رهيب، تعب من الأعماق. تعب يجعلني أريد النوم فقط، النوم وعدم الاستيقاظ. ومع ذلك، لم يهتموا أبداً. خرجت إلى غابة القصر، وأنا حتى الآن لا أفهم شيئاً تقريباً، لكنني بدأت أتأكد من صحة الأمر كلّه… ومن خطورته. سمعت صوت سكاير الحازم: "هل أنتِ بخير؟" أومأت: "نعم، أنا بخير." ثم… انتقلت. لا أفهم كيف. انتقلت إلى شيء رمادي. مكان ليس أبيضاً وليس أسوداً، بل درجات ميتة من الرمادي. كنت أشعر بخوف، لكن ليس كثيراً. أظن أنني اعتدت على هذا الخيال، على هذه القفزات من الوعي. حتى بدأت أشعر بشيء بارد يلامس قدمي. تمهلت. كانت الأرض تُمتلئ بالماء. ليس بتدفق، بل بتسلل صامت وسريع، كأن المكان نفسه يبكي. ارتفع بسرعة: إلى كاحليّ، ركبتيَّ، خصري… حتى وصل إلى رقبتي. بدأت أصرخ، وأحاول الهروب، أبحث عن نجاة. الماء البارد الثقيل يلفّ جسدي، يسرق حرارتي، ويملأ فمي وأنفي. حتى كدت أستسلم، أشعر بالظلام يدنو. ثم رأيته: خيطاً أحمر واضحاً يتأرجح في الماء الرمادي. لم أنتظر. مددت يدي بأخر قوة فيّ وتمسكت به. وفجأة، انسحب الخيط، أو انسحب بي. خرجت من الماء لأجد نفسي في مكان غريب. كل شيء هنا مختلف: رفوف حديدية مليئة بأوانٍ زجاجية غريبة الأشكال، وكُتب كثيرة لا أفهمها. أين أنا؟ وقفتُ أتلفت، ملابسي التدريبية لا تزال مبللة، تنقط ماءً على الأرض الخشبية الغامقة. كنت ألهث بطريقة مخيفة، كان رعب ينهش قلبي، كنت مفزوعة إلى درجة أنني أردت البكاء بشدة، لكني لم أفعل. منذ وصولي إلى هنا لم أبكي، فكيف أبكي الآن؟ يجب أن أركز وأن أهدأ. تنفستُ بعمق، حتى شعرت بهدوءٍ نسبي، وبدأ رأسي يؤلمني للحظة حتى اختفى الألم. نهضت وأنا أشعر بقشعريرة بسبب الماء. بدأت أتجول إلى أن وصلتُ إلى خزانةٍ مليئةٍ بحُزمِ كتب. إحداها كانت خفيفة، لا يتجاوز حجمها مئة صفحة. كان هناك كلام عن الفراشات، وكيف يمكن تحويل سُمِّك إلى علاجٍ فقط بحدسك. ثم تذكرت كلام سكاير: "يمكنكِ أن تحوّلي سمك إلى دواء بحدسك." نعم. وعندما طبقت ما قاله سكاير، حقاً بدأ التدريب يسهل. الآن أستطيع التخفي بسرعة، والشعور بأي شيء يحاول إيذائي. أشم رائحة مشاعر... لا أفهم كيف، لكني حقاً تغيرت كثيراً. ثم أكملت القراءة. كان الكتاب بلا عنوان، فقط غلاف أسود. · عندما تحاول الملكة، أو أي فراشة قريبة من الملكة، تحويل سمها إلى دواء، فإن ذلك ينطبق على الحدس بنسبةٍ للملكة. أما الفراشة الأخرى فبالتدريب الخاص من طرف فرقة طبية للقصر. · عندما تشعر الملكة بمرضٍ أو أن قوتها تهلكها، تطير إلى رحيق نبتة "أرسطوخية" (Aristolochia). لكن يجب الحذر منها؛ فإن اقتربت منها قبل اكتمال قوتها، ستأتي عليها سمية النبتة. تم أكملت القراءة... حتى اختفى كل شيء. فتحت عينيّ، وكأنني رمشت فقط، فوجدت نفسي بين ذراعي سكاير. ففزعت بقوة. "توقف! توقف! أنزلني!" أنزلني بتعجب. ثم قلت له، وأنا لا أعرف ما بي: "لماذا حملتني؟ أليس من المفترض أن تنتظروني حتى أستيقظ؟" لم تتغير ملامحه. فقط ينظر إليَّ بحزمٍ يشعرني بأن قلبي يعتصر خوفاً. "لقد تأخرتِ. لم تستيقظي منذ ساعة ونصف. لذلك قررت سيلفيا... وليس أنا." ثم انحنى قليلاً وغادر، تاركاً إياي أمام غرفتي لا أعرف ماذا افعل --- سَمِعتُ صوت ليلى خلفي: "هل أنتِ بخير، سيدتي؟" كنت أشعر ببرودة غريبة وتعبٍ رهيب، رغم أنني لأول مرة منذ بدء جلسات "التحرير"، لم أرَ أي شيء خلال غيابي الوعي. لكنني شعرت بتعبٍ منهك، ورأسي يؤلمني بشدة. "نعم، نعم، بخير." قلتها وأنا أدخل إلى غرفتي. أريد أن أستريح. "سيدتي، جهّزي نفسك. ستبدأين الآن أول حصة حقيقية مع سيلفيا." غيّرت ملابسي ببطء، ثم خرجت إلى نفس النقطة في غابة القصر. "إذاً، سنذهب إلى مكانٍ جميل. أظن أنه سينال إعجابك." قالت سيلفيا بحماسٍ جاد. "حسناً، هيا." قلتها وأنا لا أزال متعبة، لكنني حاولت البقاء صامدة. توجهنا نحو جناحٍ آخر في القصر. بدا من الخارج كبرجٍ حجري قديم، لكن عندما دخلنا، انفتح المكان على مشهدٍ مختلف تماماً. كانت الرائحة أول ما هاجمني – رائحة قوية، كاسحة، معقدة إلى درجة أنني سعلت فجأة وكدت أسقط أرضاً. كانت خليطاً كثيفاً من روائح الأعشاب الجافة، البلسم الحار، الزيوت الأساسية اللاذعة، شيء حلوٍ فاسدٍ قليلاً، ومعدن مُحمّى. التفتت إليّ سيلفيا: "لا بأس. ستعتادين على هذا." نهضت وأنا أمسك أنفي بأصابعي. كان المكان يشبه ورشة عملٍ ضخمة أو معمل أبحاث حي. كان هناك رجال ونساء بأعمار مختلفة، لكنهم لا يبدون أكبر من خمسة وثلاثين عاماً. أصغرهم ربما في الخامسة عشرة. الجميع كان منشغلاً: البعض يحمل صناديق خشبية، والبعض الآخر يمسك بأنابيب اختبار أو يدقّ في هاون، وآخرون يدرسون كتباً ضخمة على مناضد. في الوسط، كان هناك سُلم حلزوني بسيط من الحديد المؤكسد. صعدنا عليه. في الطابق العلوي، كانت المشاهد أكثر إثارة. رأيت فتياتٍ يرتدين الطقم الأبيض الموحد، لكن الفراشة على أكتافهنّ لم تكن مجرد جناح، بل كانت فراشة كاملة مطرّزة بتفاصيل مذهلة – فراشات زرقاء وذهبية وقرمزية. تذكرت ما قالته ليلى: مَن يحملن فراشة كاملة، لديهنّ قوة أقوى. أما من يحملن جناحاً فقط، فهنّ لا زلن في مرحلة البداية. ما إن وقفتُ حتى توقف الجميع عن العمل للحظة، ونظروا إليّ، ثم انحنوا برؤوسهم في تحية صامتة واحترام قبل أن يعودوا إلى عملهم. كان المكان العلوي أكثر تنظيماً. طاولات طويلة في الوسط محاطة برفوفٍ عالية مملوءة بكتبٍ قديمة مجلدة بالجلد، وأدراج تحمل تسميات مثل "جذور سامة"، "رحيق مُنشّط"، "أتربة نادرة". كانت هناك قوارير زجاجية باللون الكهرماني والأزرق الداكن والأخضر الزمردي، موضوعة على دوّارات بطيئة الحركة. في زاوية، كان هناك مجهر ضخم من النحاس، وبعض الأدوات الغريبة التي تشبه أدوات الجراحة الدقيقة، وأخرى تشبه أدوات الساعاتي المعقدة. "هذا المكان الذي يُصنَع فيه السموم والإبر." "ماذا تقصدين؟" "لم أشرح لك هذا بعد." التفتت إليّ ثم بدأت تقول: "اسمعي، نحن الفراشات عندما نقاتل، نقاتل بالسم. لذلك لدينا أسلحتنا، وهي إبر رقيقة نستطيع إخراجها من أجسادنا، وتكون بالسم الذي نريده. مثلاً أنتِ الملكة، تحملين عدة سموم. عندما تستعملين حدسك وتتعلمين أنواع سموم جسدك... أعرف أنكِ تعرفين الآن. فقط اتبعي حدسك، وأظن عما قريب سيعلمك سكاير الطريقة." "وماذا يفعلون هنا؟" نظرت حولي إلى الأشخاص المنشغلين. "هنا نقوم بتحليل ودمج بين سموم، ودراسة عليها. ثم نستخرج منها الترياق، أي الدواء، للمصاب أو لأي شيء آخر. فهمتِ؟" أومأت برأسي. "إذاً، ماذا سنفعل اليوم؟" "لن نفعل أي شيء. لكن يجب عليكِ أن تعرفي، كي تتدربي بقوة أكبر. فالملكة فراشة الطاووس تريد أن تأتي بعد شهر، ويجب أن تكملِي تدريبك لمواجهتها." "هل تقصدين إيلينيا؟ هل سنواجه بعضنا؟" "ليس قتالاً. أعني يجب أن تلتقي بها وأنتِ ملكة. ويجب عليكِ الخروج من القصر لذلك." كان كلامها يحمل إلحاحاً جديداً. صعدت سيلفيا بسلم صغير وأحضرت صندوقاً خشبياً صغيراً. فتحته. في الداخل، على وسادة من المخمل الأسود، كانت هناك إبرة رفيعة جداً، مصنوعة من مادة شفافة كاَلكوارتز، يبلغ طولَها سنتيمترين فقط. في قاعدة الإبرة، كانت هناك حجرة صغيرة تحتوي على سائل ذهبي متلألئ. "هذه إبرة الملكة. فارغة الآن. عندما تكتمل قوتك، ستمتلئ بالسم الذي تختارينه أنتِ في تلك اللحظة. قد يكون سماً للنسيان، للشلل، للألم، أو حتى للشفاء. الحدس هو من يقرر." مددت يدي لألمسها، ولكن سيلفيا أغلقت الصندوق بسرعة. نظرتُ إليها، محاولةً فهم خليط التعليمات والتهديدات والوعود الغامضة. "لم أفهم أي شيء مما تقولين." ثم أكملت سيلفيا بسرعة: "حسناً، حسناً. ليس الآن. عندما يحين الوقت سأشرح لك، اتفقنا؟" أومأت، ليس بالموافقة، بل استسلاماً مؤقتاً. "حسناً." "إذاً، اذهبي إلى غرفتك. ستجدين بعض الكتب. اقرأيها كلها." قالتها بنبرة جادة لا تقبل الجدل، ثم نظرت إلى ساعة على الحائط. "اذهبي، كلي، استريحي، وتجهزي. فاليوم سيبدأ سكاير قبل الموعد." "هل تعرفين ماذا سيكون درس اليوم؟" "أظن أنه سيعلمك كيفية التعرف على سموم جسدك... وإخراجها أمام عدوك." انتفضتُ داخلياً. نحن نتحدث عن السم كما لو كان سلاحاً يمكن استخراجه عند الطلب. وأنا لا أزال متعبة، منهكة حتى النخاع. ثم خرجنا عائدين صمت طويل بيننا، يكسرها فقط صوت خطواتنا على الحجارة الباردة. قالت بصوتها الهادئ الذي يبدو أحياناً كالسكين: "لا بأس. هذا التعب فقط لأنك تحكمت في قوتك أثناء التحرير. فكل مرة سترين أشياء مثل اليوم." "كيف تعرفين ما رأيته اليوم؟" سألتُ، وأنا أتوقف لأواجهها. "لأنني مُدرّبتك. ألا تعرفين؟" "واو... لم أكن أعلم." قلتها ببغضٍ واضح في صوتي، ثم استدرتُ وتركتها خلفي. كان الغضب يحترق في صدري، غضبٌ عارم لا أعرف من أين أتى تحديداً. هو كل شيء معاً: الروتين الممل الذي يطحن جسدي، الألم الذي ينهشني بعد كل "تحرير"، العزلة داخل هذا القصر الفخم الذي يشبه قفصاً ذهبياً، الإحساس بأنني دمية في مسرحية لا أفهم قواعدها. والآن، هذه اللامبالاة منها، هذه السهولة في التكلم عن "إخراج السموم" و "المواجهة" وكأنها تحدث عن درس في الرسم، لا عن شيء يمزقني من الداخل. جسدي يؤلمني، ونفسيتي على حافة الهاوية. وأكثر ما يغيظني هو أنني أشعر أنهم جميعاً – إيلينيا، سيلفيا، سكاير – يرون هذا الألم كخطوة ضرورية، كثمن يجب دفعه. لا أحد يسأل إذا كنتُ أتحمله. لا أحد يهتم بأنني قد أتكسر. لا أحد يهتم بي، ولا بأمري. هل حقاً أريد هذا؟ كفى. لم أختر أي شيء طوال حياتي. لم أختر ولادتي، ولم أختر نشأتي، ولم أختر هذا أيضاً. حياتي... حياتي أنا، لكن يتم التحكم بها. لا أحد يهتم إن كنتُ أريد ذلك. لا أحد يهتم بالألم الذي أشعر به، ولا بنفسيتي التي تتدمر كل مرة. لم أعد أشعر بنفسي. حتى بدأت أصعد الدرج، متجاوزة طابق غرفتي، وصعدت إلى آخر طابق. ثم بدأ شيء غريب يحدث. لا أفهم. جسدي... لا أشعر به. يتمشى دون وعي مني. بدأ الخوف ينهش قلبي هذه المرة أكثر، فأنا لا أفهم ماذا يحدث. هذا الطابق الذي يسكن فيه سكاير. لم أشأ مناداته. لا أفهم... أي أنانية أو تكبر جاءني في هذه اللحظة؟ عزة نفس؟ في هذه اللحظة بدأت... بدأت؟ بدأت ألتفت، أحاول أن أحرك، أن أتحكم في جسدي، لكنه لا يعمل. دخلت إلى أحد الغرف. كانت صغيرة بعض الشيء، لم أهتم بتفاصيلها، حتى وصلت - أو وصل جسدي - إلى نافذة زجاجية كبيرة. وبدأت أطرق بجنون. ورأيت يدي... بهُطوط سوداء كالعروق في يدي. ثم بدأت أبكي. ولأول مرة منذ وصولي، بدأت أبكي. "ماذا هناك؟" حتى سمعت صوت سكاير ورائي. والتفتُّ إليه برأسي، ويداي لا تزال تطرق الزجاج بجنون. --- كان واقفاً في مدخل الغرفة. لم أرَه مُتفاجئاً هكذا في حياتي. كان يرتدي نفس ملابس من في القصر: الطقم الأبيض، والمطرَّزة عليه فراشة اللهيب كاملة. "اهدئي." قالها وهو ينظُر إلى عيني، لكن صوته لم يكن حازماً كالمعتاد. كان مختلفاً. لكني سرعان ما بدأ الزجاج بالانشقاق. ثم انشَقَّ. وشعرتُ بجسد سكاير خلفي يحاول الإمساك بي... لكننا سقطنا نحن الاثنين. وأخيراً، شعرتُ بجسدي لي. بدأ الأمر غريباً: كنتُ أركز بدقّةٍ على الهواء، على سرعة سقوطنا، على جسده الثقيل الذي يحاول حمايتي. تنفستُ بعمق. لم أفهم، لكن كل شيء أصبح سهلاً. تسللت إليَّ قوة هادئة وغريبة. اقتربتُ منه في منتصف السقوط، وأمسكتُه من ملابسه. وبدلاً من السقوط الحر، نزلنا ببطء، كريشةٍ تحملها نسمة عنيدة. كان الهواء حولنا يلمع بخفة، وكأننا داخل فقاعة من الهدوء. ما إن خطَت قدماي على عشب الحديقة، حتى شعرتُ بانهيارٍ تام. سقطتُ جالسةً على الأرض، أحاول فهم ما حدث للتوّ. ثم رفعتُ رأسي لأجد سكاير ينظر إليّ، وملامحه لا تزال في حالة صدمةٍ واضحة. عيناه العسليتان واسعتان، وفمه مفتوحٌ قليلاً. لقد رأى ما لم يتوقعه. تم سمعت صوتا ورائي "سيدتي... آنسة أرورا..." كانوا سيلفيا وليلى يركضن باتجاهي --- اقتربت مني سيلفيا وهي تفحص يدي التي كانت تنزف. "من أين هذه الدماء؟" قالت ليلى بخوف. "لقد اختفت الجروح بتفعيل قوتها،" أجاب سكاير بصوته المحايد. سيلفيا، وهي تحاول فحصي، التفتت إليه بقلق: "عن أي قوة تتكلم؟ أنت تعرف أننا يجب أن نحرص عليها، وليس—" "اسأليها كيف حدث هذا معها. لا بد أنها أشعلت قوتها بغضب أو بتدريب. وإلا، أنا لم أره. لذلك، أنتِ من أشعلت غضبها." "ماذا؟!" صاحت سيلفيا بغضب، وكادت تبدأ نزاعاً مع سكاير. نهضت، وما زلتُ متعبة، لكنني أشعر بطاقة غريبة في جسدي. لم أعد أشعر بذلك الضعف التام. ثم سألت، وأنا حقاً مأخوذة بما فعلته: "كيف أطير هذه المرة أيضاً؟" سيلفيا توقفت عن الجدال مع سكاير ونظرت إليّ. "نحن حقاً لا نعرف، سيدتي. لأننا لا نملك قدراتك." "ماذا تقصدين؟" "نحن الآن نعلمك فقط ما نعرفه. ومع الوقت، أنتِ من ستكتشفين قواك. لكن من الغريب أن تظهر إحدى قواك الخاصة لوحدك بهذه القوة... لذلك، سيدتي، أكملِي تدريبك. وأقسمُ لكِ أنكِ ستتوجين في نهاية الشهر." "ها نحن قد بدأنا." قلتها بملل. "كفى، كفى تذكيراً بهذا الأمر. أوف!" ثم ذهبت تاركة سيلفيا ورائي، وهي لم تكمل كلامها بعد. --- مذكّراتي مرَّ وقت، ولم أعد أشعر بتعب كما كان. حيث أنني قرأت الكتب وتعلمت الكثير: كيف أركز على سمي، السرعة في الحركة، إخفاء رائحتي. كل شيء أصبحت سريعةً فيه، وبدأت أتغير – ليس معنوياً فقط، بل شكلياً أيضاً. شعري بدأ يتغير لونه! لم أفهم لماذا، لكن حين أشغل قواي يتحول شعري إلى لون أحمر برتقالي متوهج، كاللهب الذي يرقص تحت ضوء القمر. إلى الآن لم ألتقِ بسيلينا إلا مرة واحدة، لأن هناك مشاكل بين مملكتي الثعبان والذئب تتصاعد. إلى الآن، قد تعلمت الكثير والكثير، حيث أن مملكتا الذئاب والثعابين على عداوة معنا، وفي أي لحظة قد تنشب حرب. لكن ليس الآن، لأنني لم أتوج بعد كملكة. أحضرت لي ليلى مذكرةً جميلةً من جلد غامق، مع قلم حبر رصاص. "كي تدوني فيها كل شيء، سيدتي." --- مر وقت طويل، وبقي بضعة أيام على انتهاء تدريبي – أو بالأحرى على تتويجي كملكة. كان الأمر صعبًا رغم أنه كان سريعًا. لا أفهم كيف لملكة أن تتوج في شهرين، لكن لا بأس. كان الأمر سريعًا ومتعبًا، لكني تعلمت الكثير. أحضرت لي ليلى الكثير من الفساتين الجميلة التي صممتها بنفسها. أحب التصميم، وأتمنى حقًا عندما أتوج أن يكون لدي وقت لحلمي: أن أصمم فساتين وملابس جميلة حقًا. --- غدًا يوم التتويج أحضرت لي ليلى الفستان. لم أستطع الكلام حين رأيته. لم يكن مجرد فستان. كان بَدْءًا جديدًا مطرزًا بالضوء. قماشه من الساتان الأبيض النقي، لكنه لم يكن أبيضَ بالكامل. كان كما لو أن شفقًا مُبكرًا قد تجمد فيه: مسحة خفيفة من اللون الذهبي عند الحواف، وومضات من اللون البرتقالي الوردي حول الصدر والأكمام، كأنه يحمل بصمة شروقٍ خاص بي. الحمالتان رقيقتان، مطرزتان بتفاصيل ذهبية على شكل أجنحة فراشات صغيرة، تتلاقى عند الصدر حيث يرتكز قلادة من الكهرمان البرتقالي – حجرٌ يشبه عسلًا مُتجمدًا بداخله شرارة. الخصر مُحكم بحزام من الجلد الناعم بلون كستنائي غامق، يذكرني بلحاء أشجار الصنوبر في الغابة التي تدربت فيها. ولكن الجزء الأكثر إبهارًا كان التنانير. لم تكن منبسطة، بل مُكونة من طبقات من الشيفون الخفيف، بألوان متدرجة من الأبيض العاجي إلى البرتقالي الذهبي، ثم إلى الأحمر العميق عند الحاشية السفلية. عند كل حركة، تتدفق هذه الطبقات وكأنها ألسنة نار هادئة، أو أجنحة فراشة عملقة ترفرف في ريح خفيفة. على الظهر، فتحة على شكل جناحين مرفوعين، مطرزة بخيوط ذهبية وبرتقالية تشكل نمطًا معقدًا يشبه عروق أجنحة فراشة "الملكة ألكسندرا". هنا، سأظهر العلامة السوداء على ظهري – التي تحولت الآن إلى رسمة جناحين كاملين – كجزء من الزينة، وليس كندبة مخفية. بجانبه، وضعت ليلى إكليلاً بسيطاً لكنه مهيب: شريطًا من الجلد الأسود مرصعًا بكريستالات صغيرة بلون العسل، وفي المنتزل، فراشة صغيرة من الذهب الخالص، يمكن تثبيتها في شعري. "لقد صممته ليكون انعكاسًا لقوتك، سيدتي"، قالت ليلى بهدوء. "نارٌ، لكن نارٌ تمنح الدفء والنور، لا الحرق. فراشةٌ، لكنها فراشةٌ ملكة." لمست القماش الناعم. شعرت كأن الفستان يُهمس لي: أنتِ لم تعودي تلك الفتاة الخائفة. أنتِ النار الهادئة. أنتِ الفراشة التي ستطير. غدًا، سأرتدي هذا الفستان. غدًا، سأصبح ملكة. صباح التتويج لم أكن وحدي. مع أول خيوط الفجر، دخل إلى غرفتي طاقمٌ من النساء، ستٌّ على وجه الدقة، لا أعرف وجوههنّ ولكنهنّ يعرفنني جيداً. كنّ يرتدين أردية بسيطة بلون الرماد، شعرهنّ مربوطاً إلى الخلف بإحكام. كنّ هادئات، فعّالات، كأنّهنّ يعملن في حقل مقدّس. الأولى، التي تحمل وعاءً من النحاس اللامع، غسلت يديّ ورجليّ بماءٍ دافئ معطّر بأوراق الليمون والنعناع البري. "لتطهير ما تبقّى من تعب التدريب"، قالت بصوتٍ ناعم كالماء نفسه. الثانية، دهنت جسدي بزيتٍ دافئ ذي رائحة خشب الصندل والقرفة. كانت يداها قويتان ولكن لمستهما ناعمة، توقفت عند كل ندبة، كل أثر لضربة سكاير، كل خط أسود من علامات السمّ، كما لو كانت تباركها وتضمّدها في الوقت ذاته. الثالثة والرابعة تعاونتا على تسريح شعري. لم يبقَ منه الكثير من اللون الأسود الأصلي. أغلبُه الآن بلون النحاس المتوهج. نسجتا الضفائر بشكل معقّد لكن خفيف، يحيط برأسي كإكليلٍ طبيعي، وثبّتتا فيه الفراشة الذهبية الصغيرة التي أحضرتها ليلى. كانت كل دبوس يُثبّت كأنه يربطني بتاجٍ غير مرئي. الخامسة كانت مسؤولة عن الماكياج. لم تكن ألواناً كثيفة، بل ظلال من الذهب والبرتقالي الخفيف على جفنيّ، وخطّ كحل رفيع يوسّع عينيّ ويجعل نظراتي تبدو أعمق. على شفتيّ، لونٌ خفيفٌ من المرجان الدافئ. "كي تبتسمي دون أن تفعلي"، همست. وأخيراً، جاء دور السادسة، وهي أكبرهنّ سناً، معها الفستان. لم تلمسه باليدين، بل ارتدت قفازاتٍ بيضاء من الحرير. لم يكن ارتداؤه مجرد خطوة عملية، بل طقس. مرّرنَ الفستان من فوق رأسي كأنهنّ يلبسنني سماءً جديدة. شعرتُ بثقل القماش الفخم وخفّة الشيفون في الوقت ذاته. كنّ يربطنَ الأربطة من الخلف ببطء، شدّةً بعد شدّة، كأنّهنّ يربطنَ مصيري بهذا المظهر الجديد. ليلى كانت تراقب من الركن، عيناها تلمعان بالرضا والفخر. هي التي أشرفت على كل شيء. عندما انتهين، وقفنَ متأخّرات خطوةً واحدة، وانحنَينَ في انسجام تام. لم يقلنَ كلمة. كان صمتهنّ هو التبجيل نفسه. نظرتُ إلى نفسي في المرآة الكبيرة. لم أعد أرورا. لم أعد حتى المتدربة. كانت المرأة التي تحدّق إليّ من الانعكاس تحمل نضجاً لم أكن أعرف أني أملكه. النار في عينيها كانت هادئة، واثقة. الفراشة الذهبية في شعري كانت تلمع تحت ضوء الشموع الذي أضاء الغرفة مع شروق الشمس. كان الفستان ينبض مع تنفّسي. الألوان تتحرّك كأنها حيّة. ليلى تقدمت وأعطتني قلادة الكهرمان البرتقالي. علّقتها حول عنقي. كانت دافئة، كأنها تخبئ شمساً مصغّرة في داخلها. "إنهنّ ينتظرونك في القاعة الكبرى"، قالت ليلى بصوتٍ حازمٍ وحنون. "الملكة إيلينيا، سكاير، سيلفيا، وجميع فراشات القصر. ومملكة فراشة الطاووس تراقب." لم أشعر بالخوف. شعرتُ بثقل المسؤولية، وبهدوءٍ غريبٍ كالحديد المطروق الذي يبرد بعد الصهر. خرجتُ من الغرفة، والطاقم الستّ يسيرنَ خلفي كحارساتٍ وحاشيةٍ في الوقت ذاته. صوت خطواتي على الرخام هو الصوت الوحيد في الممرّ الطويل. كنتُ متوترة وخائفة وسعيدة وفخورة – كل المشاعر اجتمعت. توجهتُ نحو القاعة الكبرى خلف القصر. كانت أكبر مما تذكرتُ، وأكبر من القصر نفسه. في آخر مرة رأيتها كانت مهيبة، لكن الآن كانت أجمل وأروع. كل شيء مرصع بالذهب، وعلى الجدران لوحات لفراشاتٍ أكبر وأكثر تفصيلاً من تلك المنتشرة في القصر. وفي المنتصف، كان هناك عرشان ضخمان، وخلف كل عرش لوحة: لوحتي تمثل فراشة الملكة ألكسندرا، ولوحة إيلينيا تمثل فراشة الطاووس. تقدمتُ وأنا أمسك بفستاني الذي كان ثقيلاً بعض الشيء، ثم صعدتُ إلى المنصة حيث كانت إيلينيا تنتظر. كنتُ أرى فراشاتٍ حقيقية تطوف حولي وتلتصق بفستاني. شعرتُ بخوفٍ لا أفهم سببه – خفتُ من هذه الفراشات – لكنني لم أظهر خوفي أبداً. ثم اختفى الخوف، كما يذوب الثلج تحت شمس منتصف النهار. كان هناك عددٌ كبير من الأشخاص، كلٌ منهم يحمل خصلة شعر ملوّنة بلون الفراشة المطرزة على ملابسه. كانوا مجتمعين في فرق: الفرقة الأولى ترتدي ملابس سوداء داكنة وعليها طرز فراشات كاملة، والفرقة الثانية ترتدي رمادياً وتحمل نصف فراشة فقط. قالت لي إيلينيا بصوت منخفض: "هؤلاء جيشكِ الملكي الخاص. كلٌ منهم له قوة مختلفة." تقدموا جميعاً بصوت موحدٍ هادر: "مرحباً بملكتنا، فراشة الملكة ألكسندرا!" ثم دخل شخصان إلى صفوف الحضور. الأولى امرأة تبدو رائحتها وكأنها في الأربعينيات، لكن وجهها ما زال شاباً كأنها في أواخر العشرينات. والثاني رجل طويل، ملامحه هادئة ومخيفة، له لحية سوداء خفيفة على وجهه، وشعره الأسود مخلوط بالرمادي. تقدما ونحن نراقب. قالت المرأة: "أنا سفيرة من مملكة الثعابين. يبلّغكِ نائب الملك عن تحياته." ثم ابتسمت ابتسامة لا تصل إلى عينيها: "تهانينا الحارة من أعماق مملكة الثعابين. نائب الملك يتمنى لكِ حكمة الأمهات الأولى... ويذكّركِ أن جرح الملكة السابقة – لا يزال ينتظر العدالة." ثم أضافت، بنبرة أخف لكنها أخطر: "نأمل أن تكوني أكثر... مرونة من سلفكِ." ابتسمتُ. لم أكن أفهم كيف أتكلّم بهذه الثقة، لكني كنت أتغير أكثر فأكثر، وكأنني معتادة على هذا الدور. "بلّغي نائب ملككِ تحيات الملكة ألكسندرا، وأخبريه أن مملكتي ما زالت تجثو على جراحها. لذلك، نأمل أن ينتهي تدريب ملككم الجديد قريباً، لنجدَ حلاً... بدون وسيط." كنتُ أعني أنه يجب أن يتكلم الملك بنفسه، لا نائبه. ابتسمت السفيرة برقةٍ باردة، ثم انحنت قليلاً وانسحبت. ثم اقترب الرجل الطويل، ولم يبعد عينيه الثاقبتين عن عينيّ. "تهانينا، الملكة ألكسندرا." نطق اللقب بتمهّل، كأنه يتذوق مرارته. "ترسل ذئبة ألفا تحياتها... وتذكيراً بأن لقاءً يجب أن يعقد بعد تتويج ملك الثعابين الجديد. نتمنى لكِ حكمة... في وقت السلم والحرب." لم يقل الكلمة الأخيرة، لكنها علقت في الهواء بيننا. أومأتُ برأسي بارداً. "السلام هو خيارنا الأول، ولكن مملكة الفراشات لن تنسى حدودها، ولن تتهاون في حماية أجنحتها. سأنتظر دعوة ذئبة ألفا الشخصية." بدا وكأن زاوية فمه ارتفعت قليلاً – ليس ابتسامة، بل تقدير. انحنى انحناءة أعمق قليلاً من السفيرة السابقة، ثم انصهر بين الحضور. شعرتُ بنظرة إيلينيا عليّ. همستُ لها: "هل كان ذلك جيداً؟" "كان مثالياً"، همست بدورها. "لقد وضعتهم في مكانهم، دون أن تهددي بالحرب. كانوا يريدون تأكد ما إن كنت ناضجة او لا. خرجتُ لأول مرة إلى الشارع بعد تتويجي بيوم. كان المكان جميلاً، ناسٌ مكتظون، أناسٌ بسطاء يرتدون ملابس عادية، لكن كل قطعة ملابس كانت مُختَمة بفراشات صغيرة – بأنواع وألوان مختلفة. كُنت أظن أنني انتهيتُ. ما كنتُ أعرف أنها البداية لكل شيء.