لا افهم🦚
استيقظتُ على رائحة المُطهِّرات الكيميائية النفَّاذة، ونور أبيض بارد يلسع جفنيَّ المغلق. لم أكن في مشفى الميتم الصغير المألوف. كانت الغرفة أوسع، والنوافذ تطل على شارع مزدحم سمعت هدير حركته الخافت من خلال الزجاج. لندن.
آلام جسدي، خاصة في الظهر حيث اصطدمت بعمود السلم، كانت كافية لتأكيد أن ما حدث كان حقيقياً. لكن الذكريات التالية لتلك الليلة كانت مشوشة.
فتحت عينيَّ بصعوبة. كانت ممرضة ترتدي زيًا أزرق فاتحًا تكتب على لوحة عند قدم السرير. التفتت إليَّ.
"أهلاً. لقد استيقظتِ أخيراً. هذا جيد."
"أين... أين أنا؟"
"في مستشفى ميس كلير. عثر عليكِ أمام بوابة ميتم 'هارتلي هول' في حالة صدمة وإعياء. منذ ثلاثة أيام."
ثلاثة أيام. اختفيت ثلاثة أيام من حياتي. إلهي، ماذا حدث؟ أين كنتُ طوال ذلك الوقت؟ ذاكرتي تتوقف عند تلك اليد التي أطبقت على فمي، وظلال الشخصين...
ابتسمت الممرضة ابتسامة مهنية محايدة، لكن عينيها تحملان شيئاً آخر. حذر؟
"ستتحدث إليكِ المحققة قريباً. استريحي الآن."
قبل أن أغفو مرة أخرى تحت تأثير الدواء، سمعت الممرضة تهمس للممرضة الأخرى على عتبة الباب: "أظنها عصابة. أصبحت لندن غير آمنة."
---
جاءت المحققة بعد ساعات. كانت امرأة في الخمسين من عمرها، ذات وجه حازم وعينين متعبتين تخبران عن سنوات من رؤية القبح.
"أنا المحققة ويلز. أريدكِ أن تحكي لي كل ما تتذكرينه عن تلك الليلة، من البداية."
حكيت. كل ما حدث لي منذ خروجي من الغرفة حتى فقدان الوعي.
كانت تستمع بتركيز، وتكتب أحياناً. عندما انتهيتُ، سألتني بسؤالها المباشر:
"ما علاقتكِ بالسيدة ميراندا براون؟"
"نعم، إنها مديرة الميتم." قلتها بثقة.
رفعت المحققة صورة. كانت صورة لجثة امرأة أنيقة في الخمسينيات من عمرها، ملقاة في زقاق مظلم. وجهها شاحب، لكن التفاصيل واضحة. ثم ركزت المحققة على صورة أخرى، مقرّبة لمعصم المرأة. كان هناك وشم، أو بالأحرى علامة بالكي، محفورة في الجلد. شكل طاووس متشابك ومعقد، محترق الحواف.
ما هذا؟ إنها المديرة! هل ماتت؟
"عُثر عليها ميتة بجرعة قاتلة من الغار السام، قبل ليلة مجيئكِ هنا بيومين."
شعرت ببرودة تنتشر في أطرافي.
"المديرة...؟" يا إلهي، ما هذا؟ ما الذي يجري؟
توقفت المحققة، ثم أخرجت صورة أخرى. كانت صورة لي، أُخذت وأنا نائمة هنا في المستشفى. في رقبتي، كانت هناك علامة حمراء حديثة، لم ألاحظها. كانت واضحة في الصورة. وضعت يدي على رقبتي أتحسس حتى شعرت بالألم الموضعي الحارق.
وقلتها ورعب يقذف قلبي: "ما هذا؟"
علامة الطاووس نفسها. كانت محروقة بعمق، وكما لو نُقلت بطريقة ما، أو كُويَتْ على عجل.
"لقد وجدنا هذه العلامة عليكِ أيضاً. وعلى عدة أشخاص."
"وهل كانوا أحياء؟" قلتها وأنا أبحث عن أمل واحد.
نظرت إليّ المحققة بنظرة ثاقبة. "لا. كانوا جثثاً ميتين بنفس الطريقة. وأنتِ حتى الآن أول شخص يملك هذا الرمز وهو حي. إذاً، أخبريني: كيف حصلتِ عليه؟ او كيف حدت هذا يا عزيزتي؟ "
نظرت إليّ المحققة ويلز طويلاً، ثم أغلقت دفتر ملاحظاتها ببطء. لكنها لم تترك الغرفة. تقدمت خطوة أخرى نحو سريري، ونبرتها التي حاولت إبقاءها محايدة بدأت تتصدع، كاشفةً عن طبقة من الشك الصريح والاتهام.
"لا تعرفين؟" قالت، وكلماتها تخرج مقيّدة، متعمدة. "دعيني أفهم هذا. تخرجين في منتصف الليل، تلتقين بصديقكِ الذي لم نجد اتره. تجدين مديرتكِ ميتة الان - وهي تحمل علامة التي في رقبتك. علامة ظهرت فقط على جثث ضحايا وأنتِ تريدينني أن أصدق أن هذه... مصادفة؟ أو أنكِ ضحية بريئة لا تعلم شيئاً؟"
كان غضبي يغلي بداخلي، واندفع جالساً في السرير متحدياً الدوار. "نعم، هذا بالضبط ما أريد قوله! لأن هذا ما حدث! هل تفكرين بعقلك؟ لو كنتُ أعلم شيئاً، لو كنتُ جزءاً من هذا... هذا الجنون، هل كنتُ سأهرب إلى المطبخ لأسرق خبزاً؟ هل كنتُ سأسقط على الدرج وأكسر ظهري؟ هل كنتُ سأصرخ طالبة النجدة؟"
حاولت المحققة مقاطعتي، لكن صوتي ارتفع أكثر. "أنتِ لا تبحثين عن الحقيقة، أنتِ تبحثين عن كبش فداء! لأن ألكسندر اختفى والمديرة ميتة ولديكِ فتاة مشوشة في سرير مستشفى، وهذا أسهل حل لقضيتكِ! بدلاً من أن تبحثي عن أولئك الذين جاءوا في الظلام وجرّوه بعيداً، عن أولئك الذين وضعوا هذه العلامة البشعة على جسدي وأنا فاقدة للوعي!"
اذا سأذهب اسمعي سابقين في هذا المشفى تحت مراقبة ظباط فأنا اظن انهم يعودون اليك
ومذا بعد قلتها وانا اتمدد لانام
فقط لا تخرجي يا آنسة ارورا.
***
ثلاثة أيام على حجري في هذه الغرفة. ثلاثة أيام وأنا أشعر وكأن الجدران تقترب لتخنقني. نهضت مرتدية ملابس المشفى البالية، وتوجهت مباشرة إلى المكتب حيث تجتمع الممرضات. كنت في أقصى حدود صبري.
"أريد الخروج." قلتها بهدوء، لكن العزم كان يشتعل في عيني.
الممرضة بريق رفعت رأسها من الأوراق. "ماذا تعنين يا آنسة؟ أنت تعرفين أن الخروج غير مسموح..."
"أعرف أنه ممنوع." قطعت كلامها بابتسامة مصطنعة وحماس مُتكلَّف. "لكن يجب أن أخرج. أشعر أن عظامي ستتصلب. والجو جميل اليوم، هناك شمس. من فضلك." التفتُّ نحو الممرضات الأخريات الجالسات، ونظرت إليهن بنظرات استرحام. "أرجوكن."
تجادلن بينهنّ بهمس. أخيراً، أومأت بريق برأسها، وهي تبدو مستغربة لكنها مستسلمة. "حسناً. لكن لفترة قصيرة فقط."
ابتسمت حتى شعرت بحرارة في خديّ. "شكراً لك... ما اسمكِ؟"
"بريق."
"اسم عربي... إنه جميل. شكراً لك يا بريق."
خرجتُ برفقتها، وقد لففت وشاحاً طويلاً حول رقبتي كحماية واهية من برد النهار الشاحب.
اتجهنا إلى الساحة الخارجية، وهي حديقة صغيرة مقسمة إلى مربعات خضراء خالية. وقت الزيارة قد انتهى، وكنت الوحيدة المريضة التي خرجت. حاولت أن أبدو مبتسمةً وأنا أتطلع إلى كل زاوية، حتى وقع نظري على ممر جانبي، أشبه بدخلة مظلمة أو مخرج خدمة. اقتربت منها ببطء، محاولةً ألا أثير شكوك بريق.
كان الباب مغلقاً. لكن قلبي خفق بحماسٍ مفاجئ.
"ماذا قلتِ يا آنسة؟" سمعت صوت بريق خلفي.
التفتُّ إليها ببراءة. "لا شيء! فقط... لماذا لا تلحقين بي؟" ثم، قبل أن ترد، انطلقت أركض فجأة في منتصف الحديقة.
"آنسة! لا تركضي!"
"إمسكي بي ولن أركض!" ناديتُ وهي تبدأ بالركض خلفي.
عدوت نحو ذلك المدخل المظلم واختبأت في ظلامه الدامس. حبستُ أنفاسي وانتظرت. سمعتها تقترب وتتوقف، حائرة.
"آنسة أورورا؟ هل أنتِ هنا؟"
لم تستطع رؤيتي بسبب شدة الظلام. ولحظة أدارت ظهرها للخروج، انقضضت.
أمسكتُ طرف وشاحي الطويل ولففته حول رقبتها بقوة، ثم بدأت بالشد. شعرت بشعرها يتداخل مع يداي ويعيق حركتي. بدأت هي بالصراع، تائتة، مخنوقة، حتى ثقل جسدها فجأة وفقدت وعيها.
تركتها تسقط على الأرض المرصوفة بخشونة. ارتعشت يداي. شعور قذر من الندم والخوف غمرني. كان بغيضاً. لكنه كان أقل بُغضاً من الشعور بالعجز.
اقتربت منها بحذر، وأصغيت. كان تنفسها منتظماً ولكن ضحلاً. كانت فاقدة للوعي فقط.
عملت بسرعة، يداي ترتعشان. بدلت ملابسي البالية بملابسها البيضاء المريحة. كنت خائفةً من أن تستيقظ في أي لحظة، لكن هذا كان أفضل من العودة إلى ذلك السجن الأبيض. كتبتُ على ورقة من دفترها: "أنا آسفة. حقاً." ووضعتها في جيب ملابسي القديمة بجانبها.
أخذتُ ربطة شعرها، وجمعتُ شعري الفوضوي في كعكة على قمة رأسي، وارتديت قبعتها متجهة نحو مصعد
صعدتُ إلى المصعد الحديدي المزدحم بالأطباء. أصواتهم تتداخل في خلفية ضجيجية، لكن كلماتهم... لم تكن مفهومة. كانت كسيل من الأصوات الغريبة، أشبه بلغة أخرى، أو ربما كان الخوف والذعر يشوش على سمعي وفهمي.
"إلى أي طابق، يا ممرضة؟" سألني طبيب شاب وهو يفسح لي طريقاً.
التفتُّ إليه بسرعة، مرتبكة. "ماذا؟... آه، الطابق الأول." ثم حاولت أن أضغط ضحكة ارتباك. "شكراً."
كان قلبي يخفق بعنف وكأنه سيخرج من صدري. وصل المصعد وأسرعتُ باتجاه البوابة الزجاجية الرئيسية للمشفى. خطواتي سريعة وغير منتظمة.
وفجأة، سمعتُ صوتاً يناديني من الخلف:
"آنسة أورورا!"
لم ألتفت. اندفعتُ أركض بأقصى سرعة.
"توقفي يا آنسة!" سمعتُ أصوات رجال الآن، خطوات ثقيلة تلحق بي.
لكني لم أستمع. واصلتُ الركض. كنت أعرف أنني أركض أسرع من معظمهم، إلا إذا كان بينهم من يركض مثلي... أو أسرع.
اخترقتُ باب الخروج وانطلقتُ في الشارع. سقطت قبعة "بريق" من رأسي، ثم فقدتُ إحدى حذائي. لكنني لم أهتم. الركض كان كل شيء. الركض نحو النجاة.
ركضتُ حتى وصلتُ إلى حيٍّ ما. بدا هادئاً بشكل غريب. توقفت لألتقط أنفاسي وألتفت. لا أحد. لقد ضيعوني.
"ما هذا؟" همستُ لنفسي. "أين ذهبوا؟ لا بد أنهم ضاعوا في الزحام."لكن اي زحام هذا شارع؟ شارع خال من ناس.
بدأ الغروب يلف المدينة بوشاح برتقالي قاتم. توجهتُ إلى زقاق ضيق ومغلق، وجلستُ في زاويته الأكثر ظلاماً لأستريح. كنت منهكة، ولكني في كل لحظة أتوقع سماع خطوات أو رؤية ظل. بدأ الخوف يتملكني من جديد، برغبة غريزية للهرب.كا ذعر وتعب ياكل جسدي.
تنهدت وأسندت ظهري على الحائط البارد، وأغلقت عيني محاولة أن أهدئ من روعي، أظن انني غفرت دون وعي، و للحظة.
لحظة... ما هذا؟
همستُ بها وأنا أشعر بشيء غريب. غريب جداً. لا أفهم...شعور مألوف.
رائحة عطر؟
نعم. نفس الرائحة. نفاذة، غريبة، مميزة. رائحة العطر نفسه الذي شممته في الميتم تلك ليلة .
وهنا، كالشرارة التي تشعل برميل بارود، انطلقتُ أركض بجنون.وذعر ورعب وصل الى كامل جسدي، تذكرت فجأة أنني في خطر. خطر الموت. سأُقتل.ليتني لم اهرب من مشفى. إنهم نفس الأشخاص!
يا إلهي!
كنتُ أرددها دون أن أرى أي شخص. فقط رائحة العطر أصبحت قريبة، أقرب.
قبل أن أفهم ما يحدث، أصبح كل شيء حولي أسوداً. أسوداً حرفياً. كأنما انطفأت كل الأضواء في العالم، أو كأنني سُحبت داخل حبر كثيف. لم أعد أرى سوى الظلام الدامس.
ظننتُ أن الأضواء انقطعت، لكن... ما هذا؟
صوت وقع أقدام... كلب؟
لا... ذئب؟
نعم، بدا كذئب. وبدأتُ أصرخ وأنا أركض في الظلام، لا أعرف إلى أين أتجه. كنتُ أركض عمياء.لكن كيف استطيع راية ذئب رغم ظلام؟
لكن رائحة العطر القوية، القوية جداً، جذبتني دون وعيٍ مني... نحو ذلك الذئب.
توقفتُ عن الركض، وكأن قوة خفية أوقفتني. والتفتُّ لأرى.
ويا ليتني لم ألتفت.
لم يكن ذئباً. كان وحشاً. مسخاً. لم يكن وجهه كالكلب، بل كان مشوهاً، وفمه عريضاً بشكل غير طبيعي، لدرجة أنه يستطيع أن يضع رأسي كله في فمه بعضة واحدة. كان لعابه يتدلى منه، كثيفاً جداً، كالزيت. أما جسده... كان نحيفاً، نحيفاً جداً، ومعفناً، وكأنه تحلل جزئياً.
كنت أظن أنني أحلم، حتى رأيت ذيله.
كان ذيله أفعى. أفعى ضخمة، فمها عريض عريض جداً، ولسانها المتشعب يتدلى طويلاً.
بدأتُ أصرخ وأنا أحاول أن أتحرك، لكنني لم أستطع. كأنني جُمدت في مكاني، أو كأن قوة خارقة تمسكني.
المسخ يقترب، ورائحة العترون الكريهة تغمر كل شيء. الذعر يصبح كتلة صلبة في حلقي. فجأة أصبحت رائحة عطر قوية قوية جدا حتى شعرت براحة براحة لم أشعر بها من زمن تم لاشئ
فقدت الوعي.
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
أشعر بألم حادٍ يعصر جسدي. لا أستطيع فتح عينيَّ. لابد أن المسخ قد أكلني... لكن ما هذا الألم؟ ألم حقيقي أشعر به؟
فتحت عيني.
كان السقف كلوحةٍ: أوراق أشجار خضراء ملتصقة به، تمنح منظرًا خلابًا. فراشات بكل الألوان الكثيفة تجتمع في مركز السقف بشكل دائري، وفي المركز كانت هناك فراشة عظيمة. لونها بني غامق، كلحاء الشجر الرطب، والبقع البيضاء على أجنحتها واضحة. أستطيع رؤية شكل جسمها السميك من أسفل، وأرجلها الرفيعة وهي تتحسس السقف. كان جانبها السفلي باهت اللون، تتخلله خطوط بنية. كانت كبيرة، كبيرة جدًا... لكن ماذا تفعل هنا؟ أو ماذا أفعل أنا هنا؟
الغرفة كبيرة وبيضاء. على الجدران لوحات لفراشات صغيرة. أنظر وأنا عاجزة عن الجلوس أو تحريك جسدي. خائفة. لا أفهم شيئًا. ما هذا؟ أشعر بألم حاد كلما هممت بتحريك جسدي. رأسي ثقيل، أكاد أحرك فقط عيناي. لا أفهم ما هذا. أشعر بشيء من العجز... ليس بشيء، بل أشعر بالعجز نفسه يأكل جسدي ويسلب روحي. أريد البكاء، البكاء بشدة، لكنني توقفت عندما سمعت وقع أقدام.
كانت الغرفة شاسعة. كل ما رأيته باب مزدوج أزرق قرمزي... فُتح الباب. لا شك. رائحة طيبة أخرى، رائحة عطر هادئة، ليست قوية كالتي سبقت.
كانت فتاة بملامح هادئة، ترتدي طقمًا أبيض: قميصًا فضفاضًا مفتوحًا من جهة الصدر على شكل مثلث، وكمّه الطويل يحمل نقشًا كجناح فراشة واحدٍ رُسِمَ بدقة، وبنطالًا أبيض فضفاضًا. كان شعرها الأسود مجمعًا على شكل "كعكة" ومربوطًا بشريط فراشة أزرق فاخر. ما هذا؟ قلتها في نفسي، فأنا لا أستطيع الحركة.
تقدمت نحوي وقالت باحترام وصوت هادئ: "لا تخافي سيدتي." ثم توجهت إلى خزانة صغيرة بجانبي، وأخرجت زجاجة كبيرة وسكبَتْ محتوياتها على وجهي، وقالت: "لا تخافي، استريحي لأن—"
لم أفهم ما تقوله، حتى شعرت براحة تجتاح جسدي. لم أعد أشعر بأي ألم.
"من أنت؟" قلتها بصوت مرتفع.
"لا تخافي سيدتي، أنتِ بأمان. اعذريني."
ثم همّت بالذهاب.
"من أنتِ؟ وأين أنا؟" ثم شعرت بألم في حلقي، مكان الكيّ. ما هذا؟ اختفت علامة ريشة الطاووس.
نهضت من على السرير وبدأت أمشي وأنظر إلى السقف. ظننت أن الفراشات مرسومة أو من ورق، لكنها كانت تتحرك! صعدت على كرسي لأقترب أكثر، لكن السقف كان أبعد مما توقعت. نزلت.
كانت الغرفة كبيرة، عبارة عن لوحة فنية منظمة. كانت هناك إطارات ذهبية للوحات صغيرة ومتوسطة. الفراشات حقيقية على الحائط الأيمن، وعلى الحائط الأيسر كانت هناك نافذة زجاجية كبيرة، ستائرها بيضاء. وبالقرب من النافذة كانت هناك مرآة كبيرة. اقتربت منها ورأيت ملابس تلمع بخفّة.
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
خرجتُ من الغرفة إلى ردهةٍ مهيبة.
كان المكان فخمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى: ضخم، ذهبي التفاصيل، يخطف الأنفاس.
جدران عالية مطلية بلون العاج، تحمل لوحاتٍ كبيرة لإطاراتها الذهبية اللامعة، تُصوّر فراشاتٍ بأنواعٍ لم أرَ مثلها من قبل. سقوفٌ مقببة منقوشة بنقوشٍ نباتية دقيقة، تتخللها ثريّات كريستالية عملاقة تعلق مثل جواهر سائلة. تحت قدميَّ، امتد سجادٌ سميك بلونٍ كستنائي غامق يخفت وقع خطواتي.
نزلتُ إلى الطابق السفلي. وقفتُ أنظر إلى الدرج العريض المزدوج الذي نزلت منه، من الرخام الأبيض الناصع، يلتقي في منصة علوية. درابزين من الحديد المطروق الأسود المزين بزخارف على شكل أجنحة فراشاتٍ متشابكة. على جانبيّ، صفوفٌ من الأعمدة الرخامية البيضاء.
نوافذ طويلة تصل من الأرض تقريبًا إلى السقف، مغطاة بستائر من حرير ثقيل بلون كريمي. وفي الحائط المقابل، لوحة كبيرة تصل من الأسفل إلى السقف، لفراشةٍ مطابقة تمامًا لتلك التي رأيتها على سقف الغرفة.
لكن ما خطف أنفاسي حقًا كان لوحةً أخرى كبيرة معلقة في وسط الجدار بالقرب من الدرج. كانت تصوّر فتاة تسقط من مكان عالٍ، يداها وقدماها في الهواء. ترتدي طقمًا أسود أنيقًا، مع معطف خفيف أبيض طويل مفتوح كجناحٍ. على ظهر المعطف، مُطرّزة بتفاصيل مذهلة، فراشة عملاقة هي نفسها: بنية، بيضاء، صفراء ذهبية، بعروق سوداء كالخطوط المكتوبة بيد غير مرئية.
لكن وجه الفتاة... كان فارغًا.
بدون ملامح. مجرد مساحة ناعمة من لون البشرة. كان السقوط يبدو هادئًا، كأنه طيرانٌ معكوس، والفراشة الكبيرة على ظهرها تتناقض مع فراغ وجهها، مما يعطي المشهد إحساسًا غريبًا بالهدوء والفزع في آنٍ واحد.
توقفتُ في منتصف الردهة، أشعر بالضآلة أمام هذا الاتساع والعظمة. أين أنا؟ عاد السؤال يطنّ في رأسي.
بدأت ألتفت حولي بحثًا عن باب. وجدته... وركضت نحوه أحاول فتحه، لكنه كان مغلقًا بإحكام. "بأسًا!" همستُ بغضب.
التفتُ إلى النافذة الكبيرة. حاولتُ فتح الزجاج... ونجحت. خرجتُ إلى الهواء الطلق، حيث لا شيء مسني إلا هواءٌ منعش. شعرت براحةٍ غريبة، نسيتُ للحظة كلَّ ما حدث. تجمدتُ أستمع لهذه اللحظة، حتى سمعتُ صوتًا هادئًا خلفي:
"يسعدني وجودك هنا، يا أرورا."
التفتُ بسرعة لأجد وجهًا مألوفًا. "إيلينيا؟ ماذا تفعلين هنا، يا سيدتي؟"
ابتسمت برقة، كما رأيتها في الميتم ذاك اليوم. "أريدك أن تهدئي. أورورا، كيف حالك؟"
"لا أعرف لماذا تسألين،" أجبتُها بابتسامة غاضبة، أظن ان لديك عينان... ، لست بخير، كما ترين."
ثم قالت بنبرة جدية: "هل شُفيت رقبتك من ذلك الكي؟"
شعرتُ أنها تقف وراء كل هذا. فداهمني جوابٌ صادم:
"لستُ أنا، يا أرورا."
ماذا؟ هل تستطيع قراءة أفكاري؟ قلتُ في نفسي.
"نعم، كما ترين."
بدأ الخوف ينهش قلبي. كل ما أريده هو الهروب. بدأتُ أشتمُّ رائحة غريبة، ثم نظرتُ إليها باستغراب. "كيف لم أشم رائحتك؟"
"ماذا تقصدين؟"
"عندما جئتِ إلى هنا، لم أشم أي رائحة لوجودك."
"هل تستطيعين التعرف عليّ من رائحتي؟"
"بالتأكيد،" قلتها بثقة. "فأنا لدي حاسة شم قوية، لا أخطئ أبدًا."
قالت لي وهي تخطو خطواتٍ بطيئة: "اسمعي الآن. إذا أردتِ أن تفهمي ما حدث وما سيحدث، يجب أن تأكلي. فأنا جائعة مثلك."
"كيف تستطيعين قراءة أفكاري؟"
"الأسئلة ليست الآن، بل بعد الأكل."
"هل يمكنني أن أسألك أي شيء؟"
"نعم،" قالتها وهي تدخل إلى القصر.
تبعْتُها بخطواتٍ حذرة. لكن كيف أثق بها؟ لا أعرف. المهم أن أكون حذرة.
دخلنا إلى القصر، وكانت رائحته هادئةً كالمعتاد. توجَّهنا إلى قاعة طعامٍ جانبية، حيث تنتصب طاولة طويلة من خشبٍ داكنٍ لامع. كانت تلك الغرفة كباقي القصر فراشات ولوحات الفراشات ،أشارت إيلينيا لي بإيماءةٍ رقيقة أن أجلس في رأس الطاولة.
"لماذا؟" سألتُ، حائرة.
"فقط اجلسي، أرورا."
ثم اقتربت هي وجلست بجانبي، على الكرسي إلى يميني.
لم يمر وقتٌ طويل حتى دخلت ثلاث فتيات يحملن أطباقاً ثقيلةً من الذهب اللامع، مُطرَّزة بنقوشٍ دقيقة لفراشاتٍ شبكية. كنَّ يرتدين نفس الثياب البيضاء الفضفاضة، وعلى كتف كلٍّ منهنَّ، مُرسمٌ بريشةٍ ماهرة، جناح فراشةٍ مختلف: واحدةٌ بألوان زرقاء لامعة، وأخرى بظلالٍ حمراء ونقاط سوداء، وثالثة بلون العسل والأسود. كانت خطواتهنَّ خفيفةً وصامتة.
بدأت إيلينيا بالأكل بهدوء، بينما بقيتُ أنظر إلى الطبق الذهبيّ المُقَدَّم أمامي. كان يحتوياته تبدو شهية – نوعٌ من اللحم الصافي مع صلصة كريمية وأعشاب – لكنني حقاً لم أستطع رفع الملعقة. الخوف عقد يديّ.
فجأة، ودون أن ترفع عينيها عن طبقها، داهمتني بكلماتها الهادئة: "حسناً. سآخذ لقمة من طبقك، كي تعرفي أنه آمن."
مدَّت يدها بسرعةٍ مذهلة، غرفت لقمةً صغيرة من طبق الذهب ووضعتها في فمها. مضغت ثم ابتلعت، وحدَّقت في عينيَّ مباشرة، كتحدٍّ صامت.
تراجعتُ قليلاً إلى الوراء، ثم، وكأنَّ سداً قد انكسر داخلي، أمسكتُ بالملعقة. أخذتُ لقمة.
طعمه... طبيعي. بل لذيذ. ولكن الأهم من ذلك، لم يحدث شيء. لم أشعر بدوار أو ألم. فقط دفءٌ ينتشر في جسدي المتعب. فتحتُ عينيَّ على إيلينيا التي كانت تراقبني بتلك الابتسامة الغامضة.
"الآن،" قالت، بينما كانت عيناها اللوزيتان تلمعان في ضوء الثريا، "بإمكانك أن تسألي. سأجيب عن سؤال واحد الآن. والباقي... بعد الانتهاء."
فجأةً، انفجر السؤال من أعماقي دون تفكير: "كيف حدث كل هذا؟"
رمقتني بنظرة استغراب صامتة، ثم ابتسمت ابتسامة طبيعية جداً حتى وصلت إلى عينيها. "قلتُ سؤالاً واحداً، وأنتِ سألتِ. لأجيبك على كل شيء... أنتِ ذكية."
"ماذا تقصدين؟ لم أفهم حقاً ما تعنين. لكني أريد فعلاً أن أعرف: كيف حدث كل شيء؟ كيف؟"
"إذاً، سأخبرك. لكن لا تقاطعيني، اتفقنا؟"
"نعم، اتفقنا."
"سأتكلم الآن عن رمز الكي الذي كان لك في رقبتك."
"نعم، نعم، صحيح. هذا أول—"
نظرت إليَّ بحدة. "ألم أقل لكِ لا تقاطعيني؟" لم أحبَّ نبرتها. ثم أكملت:
"حسناً. منذ انتقال مديرة الميتم إلى إدارة ميتم هارتلي هول، كانت تعطي أطفال الميتم إلى أشخاص كي تتخلص منهم، دون الاهتمام ما إن كانت تلك العائلة ستعتني بهم. ثم انتقلتُ أنا إلى هارتلي هول، وهناك سمعت الملكة سابقاً بما يحدث في الميتم، وقررت إعادة بناء ميتم هارتلي هول على شكل قصر، بالمقابل هي من ستأخذ الأطفال كي يخدموا القصر."
"الملكة؟" لم تجبني، وأكملت:
"توليتُ أنا صفقة مع المديرة، لأن الملكة كانت منشغلة. كنتُ أحمي الميتم بقوتي ومملكتي. لذلك لم يستطع أي من الممالك الأخرى أن تعرف من أين يأتي شعبي... حتى الليلة التي ماتت فيها الملكة في معركة مع ملك مملكة الثعابين. وهو نفس اليوم الذي طُبعت فيه تلك العلامة على رقبتك. كانوا يريدون أن يأخذوا الأطفال أو يحرقوا الميتم بأكمله."
قاطعتها وأنا أشعر برودة في جسدي: "هل قتلوا الكسندر؟"
"من الكسندر؟ المهم، لا تقاطعيني."
كنتُ أشعر بعدم فهم. كيف تقول "مملكة ثعابين"؟ هل هي مملكة؟ ما هذا؟
أكملت في سردها: "لكنهم لم يفعلوا أي شيء سوى الاقتحام. حيث أنني أرسلتُ أشخاصاً إلى هناك لطردهم، وبهذا تم طبع تلك العلامة لنميزك، لأننا كنا نظن أنكِ رأيتِ شيئاً. لكن لم تكوني تعرفين أي شيء."
ثم انحنت قليلاً للأمام، وكأنها تختتم الجلسة. "هيا نكمل طعامنا، اتفقنا؟انا اعرف ان ما تسمعينه خيال ولن تصدقي لكن صدقيني تم بدأت تأكل "
---
نظرتُ إليها وهي تأكل بهدوء. كان كل ما قالته شيئاً من الخيال المحض. أظن أنني أصبحتُ مجنونة. نعم، يجب أن أكون قد جننت، لأنني كنت أشعر وأستطيع الإحساس... فإذاً، أنا مجنونة. لكن كيف؟ لا أفهم. أريد أن أنام ولا أستيقظ. كيف يمكن أن تكون هناك ممالك خيالية؟ أظن أنني حُبِسْتُ في خيالي، أو داخل رواية أو مسلسل ما. لا بد أن عقلي ليس بخير؛ أصبح يجن ويتخيل أشياء مثل هذه التي أراها الآن. يجب أن أهدأ.
كنت أشعر بالاستغراب، وبعد محاولة الفهم، حتى لو كان هذا حقيقياً، فما دخلي به؟ شعرتُ بالشبع وكأنني أكلت طبقاً كاملاً. بدأت أنظر إلى إيلينيا وقد انتهت من طعامها. ابتسمت برقة وهي تتربع بهدوء، ثم مدت يدها وربتت على كتفي بلطف.
"لا تخافي. سأفهمك كل شيء، اتفقنا؟ هيا، لنصعد إلى غرفتك."
أمسكت بيدي برفق، وصعدنا إلى الغرفة التي استيقظت فيها.
"إذاً، هذه غرفتك. اسألي أي شيء يا أرورا، أي شيء. اتفقنا؟"
سألتُ بتردد: "هل هذا حقيقي؟"
ابتسمت وهي تحاول منع ضحكتها. "بالطبع حقيقي! وهل أنا أمزح؟" شعرتُ بارتباك يلفّني. ثم ركزت في عيني حتى شعرت بموجة من الهدوء والراحة تنساب إليّ. وبدون أن أدري، بدأت أسأل بحماس لم أعرف من أين أتى: "هل هذا حقاً حقيقي؟"
"بالطبع."
"إذاً، ما شأن هذه الفراشات؟ وكيف تقصدين بممالك؟ لم أفهم."
"إذاً، سأجيب على سؤالك الثاني. أنتِ الآن في عالمنا. هناك أربع ممالك: مملكة الطاووس، والفراشة، والذئاب، والثعابين. اتحدت مملكتا الطاووس والفراشة. مملكة الفراشة هي الأقوى، ولذلك أصبحتُ أنا ملكة مملكة 'فراشة الطاووس'. وأنتِ الآن... أنتِ هي التي ستكونين ملكة فراشة 'الملكة ألكسندرا'."
"ألكسندرا؟"
"نعم، فهي الملكة هنا، وهي نفسها." ثم أشارت إلى السقف، نحو الفراشة الكبيرة التي كانت تجتمع حولها الفراشات. "هذه!"
"وماذا عن المملكتين الأخريين؟"
"مملكة الذئاب تملكها ذئبة ألفا، وهي أخطر ذئاب قطيعها. ومملكة الأفاعي... لا أعرف صراحة من مالكها الآن. فقد مات ملكها مع ملكة الفراشة السابقة في صراع بينهما، لذلك لا أعرف. لكن مملكة الثعبان من الممالك التي تبدو أضعف عند رؤيتها، لكنها في الحقيقة أقوى. إنها خطيرة بشكل صامت."
كنتُ أسألها وكأنني لا أصدقها. كنت فقط أتابع القصة كما لو كانت حكاية خيالية. ولكن مهلاً...
"هل أنا ملكة؟"
"لا... ونعم."
"ماذا تقصدين؟"
"أنتِ الآن لم تصبحي الملكة بعد. وأنا سأعين لك مدربين يحرصان على الإشراف على تدريبك."
"ماذا تقصدين؟"
"أنتِ الآن الملكة... ونحن، الفراشات، أو مملكتنا، نحن من نصنع السموم، ومن أخطر السموم. وأنتِ يا أرورا، أنتِ ملكة. لذلك ستجربين سمك وأنتِ تتدربين. عندما استيقظتِ، هل شعرتِ بألم في جسدك؟"
أومأتُ برأسي: "نعم."
"هذا الذي شعرتِ به، إنه فقط وميض، أبسط من البسيط، من سمك. فسمك خطير، وقوتك أخطر. لذلك سيحرصون على تدريبك أبناء شعبك. وعندما تنجحين في التحكم بقوتك، تخرجين إلى مملكتك. سيكون ذلك جميلاً، أعدك."
"ماذا تقصدين بأنه سيكون جميلاً؟ أنتِ لا تفهمين! كيف يمكن لهذا أن يكون حقيقياً؟ أنتِ الآن تمزحين، وأنا لا أزال أنتظرك أن تعترفي بأنها مزحة!"
"أنا لا أمزح." ثم اقتربت مني أكثر بابتسامة لطيفة. "أنا أيضاً، عندما أحضرتني الملكة السابقة، كنتُ مثلك، أو أكثر. حاولت مراراً الهروب، لكنني لم أستطع. وفي النهاية تيقنت عندما اشتعلت قوتي... نعم. وأريد إخبارك أن القوة التي ظهرت عليك الآن هي حاسة الشم، مع أنني لا أعرف كيف، لكنك أشعلت إحدى قواك."
أحسستُ أن كلامها حقيقي، لكن عقلي لا يصدق. "لا... لا أستطيع تصديق هذا. عقلي لا يقبل هذه الفكرة أبداً." قلتها بحزن.
"اسمعي، تستريحين اليوم، واصبري على قوتك. اتفقنا؟"
"ماذا تقصدين؟"
لم تجب. ثم همّت بالمغادرة.
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
في صباح اليوم التالي، سمعتُ صوت طرقٍ خفيفٍ على الباب. كنتُ أشعر بنومٍ ثقيل، ولا أريد سوى أن أظلّ غارقة في الفراش. سمعتُ الباب يُفتح برفق، وشُممتُ رائحةً هادئة ومألوفة: إنها الفتاة التي أتت البارحة.
فتحتُ عينيّ. كانت تقف حاملةً صينيةَ فطور فضية. جلستُ بسرعة في الفراش، بينما هي، بهدوءها المعهود، تقدمت. بدت في مثل عمري تقريباً. ابتسمتُ لها محاولةً كسر الجليد، فابتسمت لي بردٍّ خجول. وضعت الصينية على المنضدة الجانبية، ثم همّت بالخروج.
تذكرتُ فجأةً أنها لم تُقدّم نفسها أمس. "ما اسمك؟" سألتُها.
التفتت بهدوء. عيناها بلون العسل، هادئتان جداً.
"ليس لدي اسم."
صُدِمتُ. لا بد أنها تمزح! لكن ملامحها الجادّة لم تحمل أدنى بصيص مزاح.
"تمزحين، أليس كذلك؟" قلتُ بصدمة.
"لا أمزح، يا آنسة."
"لماذا؟ لماذا ليس لك اسم؟"
ابتسمت بهدوءٍ غامض. "لأنكِ لم تُسمّيني بعد."
"ماذا تقصدين؟"
"هذا كل ما أعرفه."
غريب! "ولماذا أنا من يجب أن أسميك؟ أليس والداكِ هما من...؟" تمتمتُ ثم توقفت. تذكرتُ فجأةً كلام إيلينيا عن الميتم والأطفال الذين لا أصول معروفة لهم. نظرتُ إليها باستغراب. "هل... هل تعرفين أصلكِ؟"
لم تجب. فقط انحنت رأسها قليلاً. كان ذلك الصمت كافياً لأفهم. إذاً، ما قالته إيلينيا كان صحيحاً. يا إلهي... أنا أعيش حقاً داخل شيءٍ حقيقي غريب.
كسر صوتها الهادئ حاجز تفكيري المرتبك.
"هل أذهب، آنسة؟"
"إذا أردتِ... أين أجدكِ لاحقاً؟"
"في الأسفل، يا سيدتي. في المطبخ."
"هل تناولتِ فطوركِ؟"
أومأت برأسها نعم.
"حسناً، انتظرينيّ. سآكل ثم أنزل إليكِ، اتفقنا؟"
"حاضر، آنسة أرورا."
ثم التفتت وخرجت، مغلقة الباب بهدوءٍ لا يصدر صوتاً.
أفطرتُ بسرعة، والفضول يدفعني أكثر من الجوع. كل لقمة كانت تذكّرني بأن هذا حقيقي، أنني هنا، في هذا القصر الذي يتنفس بالأسرار.
نزلتُ عبر الدرج وبدأت أبحث عن المطبخ، متّبعةً سجادةً مزخرفةً على الأرض تقود إلى ممر طويل. لم يكن الممر أقل روعة من باقي القصر؛ جدرانه منقوشة بزخارف لفراشات زرقاء وخضراء تطير في أنماط متكررة، كأنها ترسم خريطةً غير مرئية. سمعتُ همساتٍ بعيدة ووقع خطوات خفيفة، لكنني لم أرَ أحداً.
وصلت إلى مكان واسع تتفرع منه غرف متعددة، وأمامي باب حديدي مزدوج يطل إلى الخارج. دفعته بفضول، فوجدت فناءً خلفياً واسعاً، لكن باباً حديدياً صغيراً على الجانب يبدو أنه مخرج الخدم كان محاطاً بعدة رجال يرتدون ملابس داكنة، وقوفهم في صمتٍ تامّ جعل الجو مشحوناً. لم أشأ الاقتراب. عدتُ إلى الداخل.
ثم لاحظت ممراً ضيقاً بجانب تلك الغرف، أقل زخرفةً من سواه. مشيت فيه حتى شممت رائحةً دافئةً تملأ الهواء: رائحة خبزٍ طازج، وأعشاب، ومرقٍ غنيّ. إنه المطبخ.
دخلتُ. كان مطبخاً ضخماً، كأنه خرج من لوحة فنية عائدة لعصر النهضة. الجدران مطلية بطلاء ذهبي فاخر، وأرضيته من الرخام الأبيض والعسلي ذي العروق الدقيقة. نوافذ عالية تسمح بدخول ضوء النهار الذهبي. في كل مكان، لمسات من الفن: زخارف على شكل فراشات على الخزائن، ومقابض الأدراج على شكل أجنحة، وحتى أدوات المطبخ المعلقة تبدو كتحف.
كان هناك سبع فتيات يعملن بهدوء تام، كأنهنّ أجزاء من آلة واحدة متناغمة. واحدة تعجن العجين، أخرى تقطع الخضروات بمهارة مذهلة، ثالثة تتحكم بلهب الموقد بتركيز. توقفتُ للحظة على العتبة، فتوقفت جميع الحركات في اللحظة ذاتها. التفتن نحوي، ثم انحنين برؤوسهنّ بلطف في تحية صامتة متزامنة. لم يقلن كلمة. كنّ يرتدين زيّاً موحداً أبيضاً نظيفاً، مع مئزر كحلي، وعلى كتف كلٍّ منهنّ شارة مطرّزة على شكل فراشة، لكن كل فراشة مختلفة عن الأخرى.
كان الصمت مهيباً، يُكسَّر فقط بفحيح المرق في القدور وصوت السكاكين على الألواح الخشبية. ثم، وكأن إشارة غير مرئية قد أُعطيت، عدْن إلى عملهنّ بنفس الهدوء المطلق.
من بينهنّ، رأيت الفتاة التي جلبت لي الفطور. كانت تقف أمام طاولة كبيرة، تزيّن فطائر صغيرة بأوراق نعناع دقيقة. نظرت إليّ وابتسمت ذلك الابتسامة الخجولة ذاتها، ثم أشارت برأسها نحو طاولة صغيرة في زاوية دافئة قرب النافذة، حيث كان كوب شاي يبعث بخاراً خفيفاً.
اقتربتُ. على الطاولة، بجانب كوب الشاي، كانت هناك قطعة كعك صغيرة على صحن من البورسلين الأزرق، مرسوم عليه فراشة زرقاء تطير نحو القمر. جلستُ، وأنا لا أعرف إن كان هذا الترحيب موجهاً لي وحدي، أم أن ضيوف القصر معتادون على هذه الهدوء والترتيب المُحكم.
شربت من الشاي. كان نكهة الياسمين والزعتر خفيفةً ومنعشة. نظرت إلى الفتيات العاملات، وهنّ تتحركن في تناسقٍ كجوقة راقصة صامتة. كان المطبخ، رغم ضخامته وفخامته، ينبض بحياة هادئة ومنتظمة بشكلٍ مريحٍ وغريب في الوقت نفسه. هنا، بين القدور والنار، بدا أن القصر يخفي قلبه النابض بالحرارة والرعاية، بعيداً عن برودة الرخام ورهبة اللوحات.
تم سمعت صوتاً مألوفاً، رفعت رأسي لأجد إيلينيا واقفة عند مدخل المطبخ. كانت ترتدي فستاناً فخماً بلون أخضر الغابة، مرصّعاً بكريستالات دقيقة تلمع مع كل حركة كندى في ضوء الصباح. لكن ما جعلني أجفل قليلاً هو الأشخاص الذين يقفون خلفها.
إلى يمينها وقف شابٌ يبدو في أوائل العشرينيات، شعره الأسود مبعثرٌ بخفّة على جبهته العريضة. ملامحه كانت هادئةً ولطيفة، لكن هناك شيئاً في عينيه العسليتين – ربما يقظة مفرطة – جعلتني أصفها بأنها "غير آمنة". كان يرتدي سترة سوداء بسيطة، لكن على صدرها، مُطرّزة بخيوط ذهبية وحمراء براقة، فراشةٌ تبدو كلهيبٍ متجمّد: أجنحتها حمراء قانية تتدرج إلى برتقالي محترق ثم أصفر لامع عند الحواف.
وإلى يسار إيلينيا وقفت فتاةٌ تبدو في مثل عمري تقريباً. كانت ترتدي الطقم الأبيض الموحّد للقصر، لكن الفراشة المطرّزة على كتفها لم تكن مجرّد جناحٍ منفرد؛ كانت فراشةً زرقاء ضخمة وكاملة، تبدأ من كتفها الأيمن وتمتد حتى ذراعها، كأنها تستعد للتحليق. شعرها الكستنائي القصير يلامس كتفيها، وابتسامتها خجولة لكن عيناها البنيتان تحملان نظرةً جادّة وثاقبة.
لم تكن أعرف أنواع الفراشات، لكن تصميماتهم كانت ملفتةً للنظر بلا شك، وكأنها شارات نبالةٍ حيّة.
"أرورا،" بدأت إيلينيا بصوتها الهادئ، "أردتُ أن أقدّم لك فريقك."
خطا الشاب ذو فراشة اللهيب خطوةً إلى الأمام وانحنى انحناءةً خفيفة. "أنا سأكون مسؤولاً عن تدريبك على التحكّم القتالي والدفاع عن النفس، والأهم: التحكم في السمّ في جسدك." صوته كان هادئاً لكنه حازم.
ثم تقدمت الفتاة ذات الفراشة الزرقاء. "أنا سأعلّمك أساسيات سموم الفراشات، وكيفية تحضير الترياق المناسب لكل منها." ثم كررت ما قاله الشاب بنبرة أكثر رقة: "والأهم، التحكم في السمّ في جسدك." ابتسمت، وكانت ابتسامتها تلمع ببراءةٍ غريبة تناقض جديّة عينيها.
نظرت إليهم، ثم إلى إيلينيا، محاولةً استيعاب الأمر. "فريقي؟"
"نعم،" أجابت إيلينيا. "كل ملكة تحتاج إلى حماة ومرشدين. هما الأفضل في مجاليهما. سيرافقانك في رحلتك، من غرفة التدريب الزجاجية إلى أي مكان قد تقودك إليه قوتك."
توقفت للحظة. شيء ما كان ناقصاً. "لكن... ما هي أسماؤهم؟"
ابتسمت إيلينيا ابتسامةً خفية. "أنتِ لم تسمّيهم بعد، يا أرورا."
"لماذا؟"
"لأنكِ ستكونين الملكة. من حقكِ أن تمنحي أسماءً لأقرب حماةك، إذا اختاروا ذلك."
شعرت بثقل المسؤولية فجأة. نظرت إلى الفتاة ذات العيون البنية الهادئة، ثم إلى الشاب ذو النظرة الحادة. خطرت لي أسماء. سيلفيا... اسم جميل للفتاة. وأما الشاب... سكاير. نعم، سكاير.
"أنتِ اسمك سيلفيا،" قلتُ للفتاة. ثم التفتُ إلى الشاب. "وأنت سكاير. هل توافقان؟"
انحنت سيلفيا برأسها قليلاً. "نعم، آنسة أرورا."
أما سكاير، فلم يبتسم، لكنه أومأ برأسه موافقةً صامتة. "كما تريدين."
"هل هذا يعني... أن التدريب يبدأ الآن؟" سألتُ، محاولةً إخفاء رعشة في صوتي.
"ليس الآن بالضبط،" قالت إيلينيا. "لكن من المهم أن تتعرفي عليهم، وأن يعرفوك. الثقة بينكم ستكون أساس بقائك."
اقتربت سيلفيا مني أكثر. "إيلينيا أخبرتنا عن حاسة شمّك. هذا نادر... وقيم." ثم أضافت، وكأنها تشاركني سراً، "أنا أيضاً أتعرف على الناس من روائحهم. رائحتك... معقدة. مثل غابة بعد عاصفة."
شعرت بوجنتي ساخنتين من الخجل أو الفضول، لا أدري. ثم تذكرت شيئاً. "أنا أيضاً... لم أشم رائحتك."
"هذا لأنني أخفيها."
"حقاً؟" قلتها باستغراب.
ابتسمت بخفة. "تتعلمين كل شيءٍ مع الوقت، يا سيدتي أرورا."
في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب. كأن حجاباً رفيعاً قد رُفع قليلاً. نسمة خفيفة من رائحة سيلفيا وصلت إليّ – رائحة أوراق النعناع البري وحكاية خفية من الفانيلا القديمة. كانت خافتة جداً، وكأنها تُبثّ عن عمد.
نظرت إليها، وفهمت. كانت تختبرني. كانت تسمح لي بشمّها، خطوة بخطوة، كدرس أول في الثقة.
سكاير، من ناحيته، ظل صامتاً كالجدار الحجري. لم تصلني منه أي رائحة. لا شيء على الإطلاق. كان فراغاً عطرياً كاملاً، وهذا بحد ذاته كان أكثر ما أخافني. ماذا يخفي شخص لا رائحة له؟
"غداً نبدأ،" قال سكاير فجأة، كأنه يقرأ أفكاري مرة أخرى. "استعدي. لن نكون لطيفين."
ثم انقلب وخرج من المطبخ بخطواتٍ صامتة، تاركاً وراءه وعداً مظلماً وفراشة نارٍ محمولة على ظلّه.
سيلفيا لمست كتفي برفق. "لا تخافي. هو فقط... يحبّ الدراما. سنكون معكِ." ثم التفتت وتبعته، ولكن ليس قبل أن ألاحظ كيف توقفت لثانية لتتبادل نظرة مع إيلينيا، نظرة مليئة بمعنى لم أستطع فكّه.
بقيت وحدي في المطبخ الفخم، محاطةً بروائح الطعام والفراشات المرسومة، وأنا أحمل الآن أسماءً لمنحتهما، وأسئلة أكثر مما كان لديّ عندما استيقظت لأول مرة في هذا القصر الذي يتنفس بالغموض.
بقيت وحدي في المطبخ الفخم، محاطةً بروائح الطعام والفراشات المرسومة، وأنا أحمل الآن أسماءً منحتها، وأسئلة أكثر مما كان لديّ عندما استيقظت لأول مرة في هذا القصر الذي يتنفس بالغموض.
إيلينيا لم تتحرك من مكانها عند المدخل. كانت تراقبني بتلك النظرة الثاقبة الهادئة التي تجعلني أشعر بأنها ترى أكثر مما أقول.
"هل أنتِ خائفة، أرورا؟" سألتْ، وكأنها تلمس نبض أفكاري مباشرة.
نظرت إليها باستغراب. "ماذا تظنين؟ هل يجب أن أكون سعيدة؟ حتى الآن، ما زلت أنتظر أن أستيقظ من هذا الحلم، وأنتِ تسخرين مني؟"
ابتسمت إيلينيا، لكن ابتسامتها هذه المرة كانت تحمل شيئاً من الأسى. "أرورا، اذهبي وكلي. ستجدين ملابساً في غرفتك مخصصة للتدريب. وإذا أردتِ أي شيء..." أشارت بنظرة نحو الفتاة التي أتت إليّ في الصباح، والتي كانت تقف بصمت في زاوية المطبخ كظلّ وفِي. "ستكون مساعدتك."
"حقاً؟"
"وهل أمزح؟ أنا هنا. قومي بتسميتها، وستكون مفيدة لك."
فكرت للحظة. ثم خطر في بالي سؤالٌ واحدٌ كان يعصف في رأسي. "أريد أن أسألك... هل الجميع هنا لديه قوة خاصة به؟"
"نعم، بالطبع."
"إذاً... الخدم أيضاً؟"
"نعم. الجميع لديه قوة، لكن بمستويات مختلفة. كل واحدٍ هنا لديه 'وميضه' من الشعلة. أما من في القصر... فأصحاب 'الشعلة' الكاملة، أو من يقتربون منها، هم من يُختارون لأدوار خاصة. والشخص الذي يحمل الشعلة بأكملها... هي الملكة. والتي ستكونينها أنتِ."
شعرت بثقل هذه الكلمات. "وهل... سأتعرض للألم؟"
نظرت إليّ بإخلاصٍ صادق. "كثيراً، كثيراً حقاً، يا أرورا. لكن اصبري."
"لهذا قلتِ: 'اصبري على قواك'."
"بالطبع."
"إذاً... سأذهب."
"حسناً."
غادرت المطبخ وأنا أحمل ثقل الأسئلة والأجوبة. صعدت الدرج العريض، وأقدامي وكأنها من حجر. في غرفتي، وجدت ما وعدت به إيلينيا: على السرير، مُعدّة بدقة، كانت هناك مجموعة ملابس للتدريب. لم تكن بيضاء كما أزياء الخدم، ولا فاخرة كفستان إيلينيا. كانت بلونٍ رمادي فاتح، من قماشٍ سميكٍ مرن، بسيط ولكنه مصمم بشكل يتيح الحركة. بجانبها، حذاءٌ مسطحٌ مريح.
وبالقرب من الباب، وقفت الفتاة ذات العيون الهادئة، تنتظر.
نظرت إليها. كانت تنتظر اسمها. فكرت في رائحتها الخفية، في صمتها الواثق، في الطريقة التي تحمل بها نفسها كأنها جزءٌ من أثاث القصر القديم.
"أنتِ... ستكونين معي خلال هذا كله؟" سألتها.
أومأت برأسها. "إذا كنتِ تريدينني، آنسة."
تذكرت كيف أن رائحتها كانت أول ما لفت انتباهي - أو بالأحرى، عدم قدرتي على شمّ رائحتها. ثم تذكرت ما قالته إيلينيا: 'قومي بتسميتها'.
"كيف تريدين أن أسميك؟" سألتها فجأة، مقلبةً المعادلة.
لم تتغير تعابير وجهها الهادئة، لكنني رأيت شيئاً يلمع في عينيها - مفاجأة، ثم شيء أشبه بالاحترام. "ليس لدي تفضيل، آنسة. الأمر لكِ."
نظرت خارج النافذة، حيث كانت فراشة بيضاء كبيرة تحوم قرب الزجاج. كانت خفيفة، صامتة، ولكن حاضراً.
"ليلا،" قلتُ. "اسمكِ ليلى."
ابتسمت، وهذه المرة كانت ابتسامة حقيقية تصل إلى عينيها. "ليلى... يعجبني. شكراً لكِ، آنسة أرورا."
"لا تسميني آنسة. فقط... أرورا."
"حسناً... أرورا."
في تلك اللحظة، شعرت بأول رباط حقيقي يربطني بهذا المكان. ليس بالقوة أو الملكية، بل بقرارٍ بشري بسيط: منح اسم، وقبوله.
"غداً يبدأ كل شيء،" همست، أكثر لنفسي منها.
"وسأكون هنا،" أجابت ليلى بصوتها الهادئ الذي لا يتزعزع.🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
في صباح اليوم التالي، أيقظتني ليلى قبل الفجر. ارتديتُ ملابسي التدريبية، ومشطت شعري الأسود الطويل وربطته بتسريحة "ذيل الحصان" البسيطة. تبعتُ ليلى في الصمت.
كان اليوم الأول للتدريب الفعلي. لم نبقَ في الفناء الخلفي، بل تجاوزناه إلى حديقةٍ أشبه بغابةٍ صغيرة، كلها أشجار صنوبر شاهقة يلتصق على لحائها الرمادي فراشات "الملكة ألكسندرا" البنية والبيضاء، كأنها جواهر طبيعية نادرة. لم أصدق بعدُ أن هذا الرمز يمثلي... يمثل ما يفترض أن أكونه.
كان كل شيء هادئاً، والشمس المختبئة خلف الأفق تحاول أن تشرق ببطء، مطلية العالم بضوءٍ رمادي ضبابي. وقفتُ بالقرب من ليلى، حتى رأيتُ سيلفيا تخطو نحونا، ترتدي ملابس تدريبية مماثلة لملابسي تماماً. بجانبها، كان سكاير أيضاً يرتدي زيَّاً مشابهاً، لكن ملابسهما بدت أقل جودةً قليلاً من ملابسي، كما لو أن نسجي خاصتي كان أكثر متانةً واهتماماً.
"صباح الخير، سيدتي أرورا،" قالت سيلفيا بابتسامةٍ مرحةٍ لكنها جادة.
"صباح الخير،" رددتُ، ثم انحنى سكاي قليلا .
سيلفيا بدأت بتوضيح خطتنا بنبرةٍ مرحةٍ لكن حازمة: "سأخبركم بما سنفعله أولاً: سنحرر السمَّ في جسدك، كي نعرف أيَّ سم تحملينه " ثم استدارت إلى ليلى، التي كانت واقفةً بقربي، وقالت: "تذكري كل ما سيحدث اليوم، اتفقنا؟"
أومأت ليلى بهدوءٍ مطبق.
لكنني شعرت بموجة قلق. "لكن... لماذا؟"
"لا تخافي، فقط اهدئي." شعرتُ فجأةً برائحة عطرٍ خفيفةٍ جداً تتسلل إلى أنفي... رائحة ربيع دافئ.
ثم سمعت صوت سكاير الهادئ يصلني وكأنه من تحت الماء: "اهدئي فقط..."
تم لا شيء.
كانت تلك آخر كلمة فهمتها قبل أن يغيب وعيي عن كل شيءٍ حولي. لم يكن ظلاماً، بل فراغاً أبيضَ صافياً، لا صوت فيه ولا إحساس. فقط لا شيء.
---
أشعر أنني مخدرة. لا أستطيع الحركة.
أرى وجه سكاير وهو يتكلم مع سيلفيا، التي أشعر بيديها تمسحان على جبهتي، كأنها تشير إلى شيءٍ يشرحه. أشعر بألمٍ ينبض في جسدي بأكمله. لا أستطيع التحريك، ولا التنفس بانتظام. فقط... الألم.
وأرى بدون صوتٍ. صوتٌ بعيدٌ حتى اقتربت سيلفيا من وجهي. لا أفهم ماذا فعلت. وبدأت الأصوات ترتسم في أذني، وأستطيع الحركة، لكنني متعبةٌ بشكلٍ مرهق. كانت الشمس قد أشرقت الآن.
سيلفيا تحاول أن تطمئنني: "أنتِ بخير. فقط أردنا أن نتأكد من بعض الأشياء. لقد انتهينا لهذا اليوم."
ماذا؟ كيف انتهى؟!... شعرت بألمٍ في حلقي، لا أستطيع الكلام.
"لقد انتهينا. إذاً، نلتقي في المساء، اتفقنا؟"
ثم استدارت وذهبت.
ركضتُ نحو ليلى، وحاولت مساعدتي على النهوض، لكنني كنت بالكاد قادرة.
"ماذا حدث؟"
"سيدتي، عندما نصعد إلى غرفتك، سأخبركِ بما حدث."
اتكأتُ عليها، وشعرتُ وكأن جسدي كله من رصاص. الألم لم يعد نبضاً عنيفاً، بل تحول إلى وجعٍ باهتٍ ومتواصل، ككدمةٍ كبيرة تغطي كل شيء. رائحة العطر الخفيفة التي شممتها ما زالت عالقة في أنفي، لكنها الآن ممزوجة برائحة العرق والخوف.
بينما كنا نعود عبر حديقة الصنوبر، نظرتُ إلى جذوع الأشجار. فراشات الملكة ألكسندرا لم تعد ساكنة. كانت أجنحتها ترفرف ببطءٍ وثبات، كأنها تشاهدنا. كأنها تعرف.
وصعدنا السلالم ببطءٍ شديد. كل خطوة كانت جهداً. وصلنا أخيراً إلى غرفتي، وأجلستني ليلى على حافة السرير بحذر.
"الآن،" همستُ بصوتٍ أجش، "أخبريني."
وقفت ليلى قربي، وانزلت رأسها قليلاً قبل أن تبدأ. "ما حدث كان 'استدعاء السّم'. لم يكن تحريره كله، بل فقط إيقاظ شرارته الأولى. سكاير استخدم قوته في التعتيم على وعيك لفترة قصيرة، بينما قامت سيلفيا بقراءة استجابة جسمك للسم عندما يكون في حالة السكون القسري. كان عليهم قياس مدى قوة تفاعلك، وأين تتركز نقاط الضعف والقوة في نظامك."
"وكيف كانت؟" همستُ، محاولةً تذكر أي شيءٍ مما حدث.
"كنتِ ترتعشين بالكامل. حتى أن ظهرت خطوط سوداء على رقبتك بشكلٍ مخيف، وتحوّل لون جلدك إلى برتقاليٍ باهت."
"ماذا؟ تخترعين هذا؟ كيف تقولين شيئاً كهذا؟ هذا يبدو كرسمةٍ لأطفال الميتم! مستحيل أن تكوني في عقلك!"
"أنا لا أكذب، سيدتي. لقد تحوّل لون جلدك بسبب السم. لكن لا تخافي، سرعان ما اختفى. في غضون دقائق، عاد كل شيء إلى طبيعته."
كانت تقول أشياء غريبة لا أفهم منها أي شيء. حاولت تصوّر نفسي بلون برتقالي وخطوط سوداء، فلم أستطع. كان الأمر يبدو خيالياً بحتاً.ومقززاً.
"إذاً... هل سيكون المساء مثل اليوم؟" سألتُ، محاولةً صرف تفكري عن الصورة الغريبة.
"لا أعلم بالضبط. أخبرتني سيدة إيلينيا أن سكاير هو من سيشرف عليك في المساء. وفي الصباح، إما أن يكون درس تحريرٍ كاليوم، أو درساً مع سيلفيا. هذا كل ما أعلمه، سيدتي."
"قلتُ لكِ، لا تناديني سيدتي. أنا فقط أرورا."
نظرت ليلى إليّ بتلك النظرة الصبورة الثابتة. "سيدتي، عندما تصبحين الملكة، لن يناديكِ أحدٌ بهذا الاسم."
"حقاً؟ لماذا؟"
"لأنكِ ستكونين 'الملكة ألكسندرا'. ولذلك، هذا هو اسمك الحقيقي الذي سيُنادى به."
"أممم... فهمت." قلتها باستغرابٍ عميق. فكل ما أسمعه وأراه كان استغراباً، لا أفهم مغزاه ولا أرى نهايته.
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
---
نمت مرة أخرى. كنت أشعر، منذ استيقاظي في هذا الوضع الغريب، بتعبٍ ورغبةٍ في النوم لا أفهم من أين أتت. نمت حتى المساء.
أيقظتني ليلى. أكلتُ شيئاً خفيفاً، واستحممت بماءٍ باردٍ منعش. وكانت هناك بذلة تدريب جديدة أخرى بانتظاري. ارتديتها، ولاحظت طرّزاً على جهة القلب: فراشةً ذهبيةً كتلك التي على سترة سكاير.
لم تأتِ ليلى برفقتي هذه المرة. فتوجهتُ وحدي إلى المكان الذي تدربنا فيه في الصباح، في حديقة الصنوبر. كنتُ أجول بنظري، وأخطو بخطواتٍ بطيئة، أتأمل هذه الغابة المصغرة التي كانت جميلةً بشكلها الخاص والغامض. كنتُ أريد دخول وسطها، لكن سمعت صوت سكاير من خلفي:
"لنبدأ."
التفتُ. كان واقفاً تحت ظل شجرة صنوبر طويلة، يبدو كجزءٍ من الظلال نفسها.
"اسمعي. سنبدأ الآن بتجنب. لا تخافي أبداً. قيّدي خوفك، اتبعي حدسك. هذا كل ما أطلبه منك."
"ماذا تقصد؟" سألتُ، وأنا لا أفقه شيئاً من منهجه الغامض.
زفرَ زفيرةً قصيرةً تدل على قليل من عدم الصبر. ثم قال: "اسمعي. مثلاً..." فجأة، أمسك عصاه التي تشبه السيف من طرفها الرقيق، ووجّه نهايتها السميكة نحوي بسرعة خاطفة. "حاولت ضربك. كيف تستطيعين صدها؟"
ارتبكتُ. "لا... لا أعرف. أظن أنني سأهرب."
"الهروب،" قالها بنفس النبرة المسطحة، وكأنه يذكرني بحقيقة مُحايدة. "اسمعي. اتبعي حدسك. يمكنكِ أن تطيري إذا أردتِ ذلك. يمكنكِ أن تحوّلي سمك إلى دواء بحدسك. كل ما تريدينه يتحقق... ليس أنتِ فقط، بل كلٌّ منا. حاولي التركيز، وعدم الخوف."
لم أفهم ما يقوله. كان كلامه أشبه بلغزٍ مثيرٍ للحيرة. لكنه كان جاداً، جاداً بطريقةٍ مخيفة. ثم، دون سابق إنذار، أمسك العصا من طرفها الرقيق ووجّه الطرف السميك نحوي بضربةٍ سريعة.
"لنبدأ."
كانت الضربة قوية وموجهة ببرودة. رفعت ذراعي بشكلٍ غريزي لصدها، لكن العصا اصطدمت بذراعي بقوةٍ أرجعتني خطوتين إلى الوراء. ألمٌ حادٌ نشب في ساعدي.
"لا ترفعي ذراعك لتتلقى الضربة. حركي جسدك كله. تشعري بالضربة قبل أن تأتي."
كيف أشعر بشيء قبل أن يأتي؟ بدا الأمر مستحيلاً. لكن مع الضربة الثانية، حدث شيء غريب. قبل أن تصل العصا، شممت رائحةً خفيفة – رائحة الهواء وهو يتحرك حولها، رائحة الخشب وهو يهتز. كانت رائحة "الضربة القادمة".
وانحرفت.
بتلقائيةٍ مدهشة، مال جسدي جانباً. مرت العصا على بعد إنشات من كتفي.
توقفتُ أنا وسكاير للحظة. تم أكمل دون أن يهتم
"جيد،" قال، صوته بارد. "الآن، أنتِ تفهمين.
لا أفهم كيف تجنبتُها. أظن أن تجنبي لها كان مصادفةً فقط، لا أكثر. ثم بدأ يضرب بسرعة، لم أفهم، وبدأ الخوف يسيل في جسدي كالنهر الجليدي. بدأت أركض.
وهو يتبعني، لا يمشي، بل يقفز بين الأشجار كظلٍ أسود كبير، متجاوزاً الفروع بسهولةٍ مخيفة. وقف أمامي فجأة، ملوحاً بعصاه. لم أتأخر – ركضتُ بعيداً، إلى داخل الغابة الأكثر ظلاماً.
حاولت التركيز بكل ما أستطيع، كما قال. حاولت أن "أشم" طريقه، اتجاهه، نيّته. لكنني فشلت. الخوف طغى على كل شيء. كيف يستطيع القفز بين الأشجار هكذا؟ ثم تذكرت كلامه عن الحدس... حاولت أن أقفز مثله، أن أتسلق، أن أرتقي. لكنني فشلت وسقطت أرضاً، تلتصق أوراق الصنوبر الرطبة بملابسي.
نهضت وأنا ألهث. الركض – الشيء الوحيد الذي أعرف. ولكن شعرت بشيء خلفي، تحرّك أسرع مني. استدرت بسرعة، وأردت الهرب في اتجاه آخر، لكن قدمايا تعثرتا. رأيت شجرةً صنوبريةً ضخمةً، جذورها بارزةً وتشكل ما يشبه التجويف الصغير تحتها. ولم أفهم كيف فعلت هذا، ولا من أين أتت الفكرة، لكن في لمحة عين وجدت نفسي منزويةً في ذلك التجويف، متقوقعةً على ذاتي، حاجبةً أنفاسي.
وسكاير... كان واقفاً في ذلك المكان الذي كنت فيه قبل ثوانٍ، ينظر حوله بتلك الهدوء المزعج. ثم ببطء، أدار رأسه نحو الشجرة التي أختبئ تحتها. لم يرني مباشرة، لكنه شعر بي. أو ربما شمّني.
رأيت نظرة دهشةٍ خفيفةً تمر على وجهه الحاد – ظلٌ من انبهارٍ غير متوقع. ثم قال بصوته البارد الذي يقطع الهواء:
"من علمك هذه التقنية؟"
"أي... أي تقنية؟" كنتُ أقولها وأنا ألهث، ملتصقة بالأرض الرطبة. "ماذا تقصد؟ لا أفهم ما تقوله!"
تقدم خطوة واحدة فقط، ثم توقف. "الاختفاء. جعل الوجود ينساكِ للحظة. حتى الطبيعة تنظر إليكِ كصخرةٍ أو ظلّ. هذه ليست حركة جسد. هذه حيلة وعي."
"لم أفعل شيئاً! فقط اختبأت!"
هز رأسه ببطء، وعيناه لا تفارقان مخبئي. "الاختباء هنا مختلف. أنتِ لم تختبئي بعينيك، بل بوجودك. هذا... مثير للاهتمام."
مد عصاه نحوي. "اخرجي."
ترددت، ثم أخذت عصاه.
"اليوم انتهى. ما فعلتيه... كان أفضل مما توقعت. وأسوأ."
"كيف يكون الشيء أفضل وأسوأ في الوقت نفسه؟"
كان جيدا لأنك اتبعت قليلا من حدسك الأسوأ انك هربت وتمكن الخوف من سيطرة عليك
إذاً انتهى اليوم سنبقى على هذا حال حتى تعتمدي على حواسك
أصبح جسدي منها من كثرة التكرار. كل شيء أصبح مؤلماً. مرة أخرى، مضى وقت طويل أظنه شهراً على هذا الحال: صباح تحرير السم المنسي مع سيلفيا وسكاير، ومساء تدريب جسدي مع سكاير. حتى الآن، لم أتدرب على أي شيء مع سيلفيا، لم أتعلم منها سوى كيفية فقدان السيطرة.